11 مايو 2026 - 13:27
الوظائف الخاصة للمنتظرين في عصر الغيبة

بعد استعراض الوظائف العامة المشتركة، ما هي الواجبات التي تفرضها ظروف الغيبة نفسها؟ وكيف يتحوّل الانتظار من حالة نفسية إلى برنامج عملي يومي؟

وفقا لما أفادته وكالة أنباء أهل البيت (ع) الدولية ــ أبنا ــ نتطرق في هذا المقال إلى الوظائف الخاصة المرتبطة بعصر الغيبة. وهي واجبات تفرضها طبيعة هذا العصر الفريد وعلاقتنا بالإمام الغائب (عجل الله فرجه).

الوظائف الخاصة

هذه الوظائف وردت في كلمات المعصومين (عليهم السلام) ضمن تكاليف عصر الغيبة، وإن كان بعضها يعدّ من الواجبات العامة المشتركة بين كل العصور، إلا أن النصوص الدينية أكدت عليها بشكل خاص في زمن الغيبة.

1. موالاة أولياء الإمام (عجل الله فرجه) ومعاداة أعدائه

وردت روايات عديدة تؤكد على محبة أهل البيت (عليهم السلام) وموالاتهم، ولكن بعضها خصّص هذه المحبة والموالاة في سياق الانتظار للإمام المهدي (عجل الله فرجه).

يقول الإمام الباقر (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «طُوبَى لِمَنْ أَدْرَكَ قَائِمَ أَهْلِ بَيْتِي وَهُوَ يَأْتَمُّ بِهِ فِي غَيْبَتِهِ قَبْلَ قِيَامِهِ وَيَتَوَلَّى أَوْلِيَاءَهُ وَيُعَادِي أَعْدَاءَهُ، ذَلِكَ مِنْ رُفَقَائِي وَذَوِي مَوَدَّتِي وَأَكْرَمُ أُمَّتِي عَلَيَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». (كمال الدين وتمام النعمة، ج1، ص286)

2. الصبر على أذى عصر الغيبة وتكذيب الجاهلين

لا تقلّ اليوم أعدادُ من يُنكرون الإمام الغائب ويحاربون ذكراه لأسباب شتى، ويُقدمون في ذلك على كل ما هو ممكن. ومن المعلوم أن الصبر على المحن والمصائب من أهم التعاليم الدينية؛ لذا فمن الضروري في هذا العصر - أكثر من أي وقت مضى - أن نتحلى بالصبر إزاء هذه التحديات.

يقول الإمام الحسين (عليه السلام): «إِنَّ الصَّابِرَ فِي غَيْبَتِهِ عَلَى الْأَذَى وَالتَّكْذِيبِ بِمَنْزِلَةِ الْمُجَاهِدِ بِالسَّيْفِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله)». (كمال الدين وتمام النعمة، ج1، ص317)

كما روى عبدالله بن سنان عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «سَيَأْتِي قَوْمٌ مِنْ بَعْدِكُمْ الرَّجُلُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ لَهُ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَحْنُ كُنَّا مَعَكَ بِبَدْرٍ وَأُحُدٍ وَحُنَيْنٍ وَنَزَلَ فِينَا الْقُرْآنُ، فَقَالَ: «إِنَّكُمْ لَوْ تَحْمِلونَ لِمَا حُمِّلُوا لَمْ تَصْبِرُوا صَبْرَهُمْ». (الغيبة للطوسي، ص456)

3. الإكثار من الدعاء بتعجيل الفرج

للدعاء مكانة سامية في الثقافة الإسلامية، ومن أهدافه أن يكون سبباً في رفع البلاء عن جميع الناس. وفي المنظور الشيعي، لا يتحقق هذا الأمر المهم إلا بخروج آخر ذخائر الله من وراء حجب الغيبة، وإشراق العالم بنوره. لذا حثّت بعض الروايات على الدعاء من أجل الفرج والانفراج.

نعم، إن المنتظر لمولاه يسأل الله تعالى تعجيل فرجه، خصوصاً إذا كان يعلم أن الأرضية الكاملة لهداية البشرية ونموها تتهيأ بظهوره حتى تبلغ الكمال. وقد ورد في التوقيع الشريف عن الإمام المهدي (عجل الله فرجه) قوله: «وَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ بِتَعْجِيلِ الْفَرَجِ» (كمال الدين وتمام النعمة، ج2، ص483)

ويعلق العارف الشيعي، المرحوم آية الله علي بَهلَواني التهراني (1305-1383هـ.ش / 1926-2004م) المعروف بـ"علي سعادت‌بَروَر"، الذي قضى مراحل السير والسلوك على يد آية الله السيد محمد حسين الطباطبائي (صاحب تفسير الميزان)، في هذا الصدد قائلاً: «مما لا شك فيه أن وصية الإمام بالدعاء والطلب لا تعني مجرد ترديد الكلمات وتحريك اللسان، وإن كان لقراءة الدعاء ثوابٌ خاصٌ أيضاً. إنما المقصود هو التوجه القلبي الدائم إلى معنى هذا الدعاء ومضمونه، والوعي بأن أمر الدين والتدين والاعتقاد الصحيح بالغيبة والإمامة في عصر الغيبة من الأمور الشاقة، ولا يقوى عليها إلا أصحاب اليقين والثبات». (ظهور نور، ص103)

4. الاستعداد الدائم والرباط

الانتظار الحقيقي يعني الاستعداد العملي الدائم لنصرة الإمام (عجل الله فرجه) عند ظهوره.

يشرح الإمام الباقر (عليه السلام) قوله تعالى: {وَاصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا} (آل عمران: 200) بقوله: «اصْبِرُوا عَلَى أَدَاءِ الْفَرَائِضِ، وَصَابِرُوا عَدُوَّكُمْ، وَرَابِطُوا إِمَامَكُمْ الْمُنْتَظَرَ». (الغيبة للنعماني، ص199)

وخلافاً لتصور بعضهم الذين فسروا كلمة «رَابِطُوا» بأنها تعني التواصل واللقاء بالإمام (عجل الله فرجه)، فإن هذه الكلمة تعني في الأصل الاستعداد والتهيؤ للقتال والجهاد». (راجع: لسان العرب، ج7، ص303؛ مجمع البحرين، ج4، ص248)

5. إحياء ذكر الإمام (عجل الله فرجه) وتكريمه

من مسؤوليات الشيعة تجاه الإمام المهدي (عجل الله فرجه) في هذا العصر، تعظيم اسمه وذكراه. وهذا التعظيم له مظاهر متعددة، تبدأ من عقد مجالس الدعاء والابتهال، مروراً بالأنشطة الثقافية والتوعوية، وصولاً إلى تشكيل حلقات النقاش والحوار، بل وحتى الدراسات والبحوث العميقة والمفيدة. فكل هذه الأمور وغيرها تصب في اتجاه تعظيم اسم الإمام (عجل الله فرجه) وإحياء ذكره.

6. المحافظة على العهد والاتصال القلبي

الحفاظ على الاتصال القلبي الدائم بالإمام (عجل الله فرجه) وتجديد العهد معه بشكل مستمر، يُعدّ من الوظائف الجوهرية للمنتظر الحقيقي.

يقول الإمام الباقر (عليه السلام) في بيان فضل الثابتين في زمن الغيبة: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَغِيبُ عَنْهُمْ إِمَامُهُمْ، فَيَا طُوبَى لِلثَّابِتِينَ عَلَى أَمْرِنَا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ. إِنَّ أَدْنَى مَا يَكُونُ لَهُمْ مِنَ الثَّوَابِ أَنْ يُنَادِيَهُمُ الْبَارِئُ جَلَّ جَلاَلُهُ فَيَقُولَ: عِبَادِي وَإِمَائِي، آمَنْتُمْ بِسِرِّي وَصَدَّقْتُمْ بِغَيْبِي، فَأَبْشِرُوا بِحُسْنِ الثَّوَابِ مِنِّي. فَأَنْتُمْ عِبَادِي وَإِمَائِي حَقّاً. مِنْكُمْ أَتَقَبَّلُ، وَعَنْكُمْ أَعْفُو، وَلَكُمْ أَغْفِرُ. وَبِكُمْ أَسْقِي عِبَادِيَ الْغَيْثَ، وَأَدْفَعُ عَنْهُمُ الْبَلاَءَ، وَلَوْلاَكُمْ لَأَنْزَلْتُ عَلَيْهِمْ عَذَابِي». (كمال الدين وتمام النعمة، ج1، ص330)

وهكذا يتضح أن الانتظار الحقيقي ليس انسحاباً من الواقع، بل هو انخراط فيه ببرنامج عملي متكامل، يجمع بين الثبات على المبادئ العامة، والقيام بالواجبات الخاصة النابعة من ظروف الغيبة.

.........

انتهى/ 278

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha