25 فبراير 2026 - 23:38
الحرب الناعمة الأمريكية في البحرين: من البرامج التعليمية الأمريكية حتی إضعاف المرجعیة بين جيل الشباب

كتب الشيخ عبد الله الصالح، رجل الدين البحريني، في رسالة خاصة: "إن الحرب الناعمة الأمريكية في البحرين تُشنّ عبر وسائل تبدو "محايدة"، مثل البرامج التعليمية، والمنصات الإعلامية، ومبادرات الشباب، واتفاقيات التكنولوجيا. لكنها في جوهرها تحمل منظومة قيم غربية".

وفقا لما أفادته وكالة أنباء أهل البيت (ع) الدولية ــ أبنا ــ لسنوات، دأب المحور الأمريكي الصهيوني على إدارة حروب دعائية ونفسية وثقافية في جميع الدول العربية والإسلامية، بالتوازي مع الحروب العسكرية والإرهاب. هذه الحرب، التي تُفسَّر على أنها حرب ناعمة، تمهد الطريق لتدمير البنى الفردية والاجتماعية والثقافية والدينية للهوية الوطنية، وتُسهِّل هيمنة الكبرياء على موارد واستقلال مختلف الدول.

في الوقت نفسه، فإن الدول العربية التي تخضع لهيمنة الحكام العرب المنتسبين إلى المحور الأمريكي والصهيوني أكثر عرضة من غيرها من الدول للحرب الناعمة التي يشنها العدو لثني الشباب والمجتمع عن الوحدة والاستقلال والثورة ضد حكامهم، ولإبعاد القيم الدينية والسلطة عن الشباب.

وفي هذا الصدد، قام الشيخ عبد الله الصالح، نائب رئيس جمعية العمل الإسلامي في البحرين، بتحليل مخاطر الحرب الناعمة في البحرين في مذكرة خاصة بعنوان "الحرب الناعمة الأمريكية في البحرين: قراءة دينية لقيم مسارات التأثير وأساليب مواجهتها":

تتحرك الحرب الناعمة الأمريكية في البحرين ضمن فضاء واسع يتجاوز الاقتصاد والسياسة إلى الوعي والهوية والقيم، فالقوة الناعمة بطبيعتها لا تستهدف الجغرافيا بقدر ما تستهدف الإنسان: عقله، ذائقته، رؤيته للعالم، وانتماءه.

ومن هنا يصبح البعد الديني‑القيمي محوراً أساسياً لفهم طبيعة هذا النفوذ، خصوصاً في مجتمعٍ يمتلك جذوراً دينية عميقة، وتاريخاً طويلاً من الوعي والصلابة الثقافية.

طبيعة الحرب الناعمة من منظور ديني‑قيمي

في الرؤية الإسلامية، تُعدّ الهيمنة على الوعي أخطر أشكال السيطرة، لأنها تغيّر الإنسان من الداخل دون أن يشعر، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾، وهي آية تكشف أن الصراع على الوعي ليس جديداً، بل هو امتداد لمحاولات دائمة لإضعاف الهوية الإيمانية.

فالحرب الناعمة الأمريكية في البحرين تتحرك عبر أدوات تبدو "محايدة"؛ مثل برامج تعليمية، ومنصات إعلامية، ومبادرات شبابية، واتفاقيات تقنية.لكنها تحمل في جوهرها منظومة قيمية غربية تسعى إلى إعادة تشكيل المجتمع وفق رؤية سياسية وثقافية متوافقة مع المصالح الأمريكية.

القطاعات المستهدفة من زاوية قيمية

التعليم والهوية

تسعى البرامج التعليمية الأمريكية إلى إدخال مفاهيم تتعلق بالنزعة الفردية، وإعادة تعريف الحرية، وتقديم نماذج اجتماعية غربية باعتبارها “المعيار العالمي”.هذا يخلق فجوة بين الجيل الجديد وتراثه الديني، ويضعف الرابط بين الشباب ومؤسساتهم الدينية والاجتماعية.

الإعلام وصناعة الرأي

الإعلام الأمريكي ومنصاته الرقمية يروّج سرديات محددة حول:

مفهوم "الاعتدال" ، والعلاقة مع القوى الإقليمية، وشكل الدولة الحديثة، ونمط الحياة "المتحرر".

وهذه السرديات تُقدَّم بطرق جذابة، لكنها تحمل تفكيكاً تدريجياً للقيم الدينية، وتعيد تشكيل الحسّ الأخلاقي لدى الجمهور.

الاقتصاد والقيم الاجتماعية

الاستثمارات الأمريكية الضخمة في التكنولوجيا والاتصالات تمنح واشنطن قدرة على التأثير في سلوك المستهلك، نمط العمل، وأولويات المجتمع.

المجتمع المدني

المنظمات المدعومة أمريكياً تعمل على نشر مفاهيم “التمكين” و“القيادة” و“حقوق الإنسان” وفق تعريفات غربية، ما يؤدي إلى إعادة صياغة المفاهيم الشرعية وإبعادها عن جذورها الإسلامية الأصيلة.

دوافع النفوذ الأمريكي من منظور قيمي

لا يقتصر الهدف على النفوذ السياسي، بل يمتد إلى:

إضعاف المرجعية الدينية بوصفها مصدر قوة للمجتمع، تفكيك الروابط الاجتماعية التي تمنح البحرين تماسكها، وإعادة تعريف الهوية الوطنية بما يجعلها أكثر قابلية للاندماج في المشروع الأمريكي في الخليج، إنتاج جيل جديد يرى العالم من زاوية أمريكية، لا من زاوية قيمه وتراثه.

سبل المواجهة وإفشال الحرب الناعمة (رؤية دينية‑قيميّة)

تعزيز الوعي الإيماني

الوعي الديني ليس شعائر فقط، بل منظومة فكرية تحصّن الإنسان من الاختراق، فينبغي تطوير خطاب ديني معاصر يشرح للناس طبيعة الحرب الناعمة، ويقدّم أدوات لفهم الإعلام، وتحليل الخطاب، وتقييم المعلومات.

بناء إعلام قيمي قوي

الإعلام الوطني يجب أن لا يكتفي بالرد، بل يصنع سرديته الخاصة، ويقدّم محتوى جذاباً يعزز:

الهوية، والأخلاق، والانتماء، والوعي السياسي.

فالحرب الناعمة تُهزم حين يمتلك المجتمع منصة قيمية بديلة.

ترسيخ الهوية الدينية في التعليم

إعادة الاعتبار للمناهج الدينية والتاريخية، وربطها بقضايا العصر، يمنح الجيل الجديد قدرة على مواجهة الخطاب الغربي دون انغلاق أو تبعية.

دعم المبادرات الشبابية الأصيلة

بدلاً من ترك الساحة لبرامج أجنبية، يجب دعم مبادرات شبابية محلية تحمل قيماً إسلامية وإنسانية، وتقدّم نماذج قيادية نابعة من المجتمع نفسه.

تنويع العلاقات الدولية

التوازن في العلاقات يقلل من قدرة أي قوة على فرض قيمها، والانفتاح على الشرق، وعلى الشراكات المتعددة، يخلق مساحة أوسع للاستقلال الثقافي.

حماية الفضاء الرقمي

توطين التكنولوجيا، وتطوير قدرات الأمن السيبراني، ووضع ضوابط لحماية البيانات، كلها خطوات تمنع تحويل الفضاء الرقمي إلى أداة اختراق قيمي.

الحرب الناعمة الأمريكية في البحرين ليست مجرد صراع سياسي، بل هي معركة على الهوية، والمجتمع الذي يمتلك جذوراً دينية عميقة قادر على المواجهة إذا فعّل أدواته القيمية، ووعيه، وإعلامه، ومؤسساته، وإن إفشال هذه الحرب يبدأ من تحصين الإنسان، لأن الوعي هو الساحة الأولى والأخيرة للصراع.

تعليقك

You are replying to: .
captcha