وفقا لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء ــ أبنا ــ وجّه سماحة آية اللّه العظمى الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ، يوم الثلاثاء (12 خرداد 1405هـ.ش الموافق لـ 2 يونيو 2026م)، رسالةً إلى المؤتمر الدوليّ الثاني "الغدير والمقاومة" المنعقد في مرقد السيّد يحيى بن زيد بقرية ميامي التابعة لمدينة مشهد المقدّسة، أكّد فيها أنّ مقاومة الأمّة الإسلاميّة اليوم في مواجهة الظلم والاستكبار هي من ثمار تعاليم مدرسة الغدير. وفيما يلي النصّ الكامل للرسالة:
بسم اللّه الرحمن الرحيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 200]
في مستهلّ الكلام، أرفع أسمى آيات التهاني والتبريكات بمناسبة حلول عيد الغدير الأغرّ المفعم بالنور إلى عموم المسلمين والشيعة في العالم، ولا سيّما إليكم أيّها الأعزّاء، كما أتوجّه بخالص الشكر والتقدير إلى جميع القائمين على تنظيم هذا المؤتمر والمشاركين فيه، سائلاً المولى القدير أن تكون هذه الجهود القيّمة منبعًا للآثار والبركات الوافرة في سبيل نشر معارف أهل البيت (عليهم السلام) والتعريف بها.
إنّ تعاليم مدرسة الغدير، خلافًا لما يظنّه بعض ضيّقي الأفق، يمكن أن تكون أحد أهمّ محاور الاجتماع والتقارب والوحدة لدى الأمّة الإسلاميّة. فقد فتح النبيّ الأكرم (صلّى اللّه عليه وآله)، بإبلاغ ولاية وإمامة أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) وبالتأكيد على مودّته واتباعه، طريق البقاء والاستمرار للإسلام المحمّديّ الأصيل أمام البشريّة. وهذه المعارف الإلهيّة ذاتها هي التي حفظت الخطّ الناصع للإسلام الحقيقيّ على امتداد التاريخ، ومنعت تعرّضه للانحراف أو النسيان.
ومن أبرز خصائص هذه المدرسة المكانة التي يحتلّها الإمام المعصوم (عليه السلام) والفقهاء، بوصفهم نوّابًا عن تلك الذوات المقدّسة، في هداية المجتمع الإسلاميّ وقيادته؛ فهم كانوا على الدوام حملة لواء الاستقامة والصمود في مواجهة الظلم والاستكبار، والسدّ المنيع أمام التزلزل والانحراف الناشئين عن النفاق والجهل وحبّ الدنيا.
ويشهد التاريخ بوضوحٍ على أنّ كثيرًا من الهزائم والتراجعات التي أصابت الأمّة الإسلاميّة كانت نتيجةً لأداء حكّامٍ وزعماء فاقدي الإيمان أو ضعفاء الإرادة، ممّن فضّلوا مصالحهم الشخصيّة وراحتهم على مصالح الأمّة عند أدنى ضغطٍ أو إغراءٍ، أو دفعوا المجتمعات الإسلاميّة، من خلال بثّ اليأس والوهن، نحو الاستسلام للأعداء والابتعاد عن أصول الإيمان وتعاليم الإسلام. فلولا صمود العلماء العاملين الأتقياء الواعين بمسؤوليّاتهم، وكذلك ثبات واستقامة القادة الدينيّين، لضاع جانبٌ كبيرٌ من الهويّة الإسلاميّة، ولأحكم الكفر والاستكبار العالميّ هيمنته على الأراضي والثروات الإسلاميّة، كما يُشاهد نماذج من ذلك، مع الأسف، في بعض البلدان الإسلاميّة اليوم. وهذه الحقيقة تكشف عن أهمّيّة اتّباع الناس للقيادة الدينيّة، كما تجلّى ذلك بوضوحٍ في تجربة الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة وفي العلاقة المتبادلة بين الإمام والأمّة في هذا النظام المقدّس.
وفي المرحلة الراهنة أيضًا، كما يشاهد العالم بأسره، فإنّ أتباع مدرسة الغدير في مختلف أنحاء العالم، من إيران والعراق إلى لبنان واليمن وسائر البلدان، يقفون بتبعيّتهم لزعماء الدين والقادة الإلهيّين بكلّ ثباتٍ وشموخٍ في ساحات العقيدة والعمل أمام مؤامرات ومخطّطات المستكبرين والطواغيت، وقد بذلوا في هذا الطريق أرواحهم وأموالهم. ولا ريب أنّ الوعد الإلهيّ بنصرة المؤمنين قد تحقّق وسيتحقّق، وأنّ النصر المبين للإسلام والهزيمة المخزية لجبهة الكفر سيتجلّيان أكثر فأكثر في المستقبل القريب. أمّا الذروة الكبرى لهذا النصر الإلهيّ فستتحقّق مع ظهور الإمام المهديّ (أرواحنا فداه) وإقامة حكومة العدل والتوحيد العالميّة، إن شاء اللّه تعالى.
وممّا يؤكّد هذا الكلام ويبرهن عليه هو الإقبال المتزايد للأحرار وطالبي الحقّ في شتّى بقاع الأرض، من مختلف المذاهب الإسلاميّة بل وحتّى من أتباع الأديان الأخرى، نحو هذا اللواء وهذه المدرسة الإلهيّة؛ وهو إقبالٌ يبشّر بجهوزيّة القلوب للاجتماع تحت راية قيام المهديّ الموعود (عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف).
وإنّي أجدّد تهنئتي بهذه المناسبة العظيمة، وأتقدّم بالشكر إلى جميع القائمين على مؤتمر "الغدير والمقاومة" وإلى المشاركين الكرام فيه، سائلاً اللّه تعالى أن يجعلنا جميعًا من الشيعة المخلصين لأمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) والمشمولين بشفاعته.
والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
قم- ناصر مكارم الشيرازيّ
خرداد 1405هـ.ش / ذو الحجّة 1447هـ
.......
انتهى/ 278
تعليقك