وفقا لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء ـ ابنا ـ يمكن اعتبار الرسالة الأولى لقائد الثورة الإسلامية الثالث؛ سماحة آیة الله السید مجتبی الحسیني الخامنئي من بين النصوص التي صدرت في مرحلة تاريخية حساسة، والتي سعت إلى تحقيق عدة مهام رئيسية في آن واحد؛ وهي: مواساة الرأي العام إثر حادث جلل، وتبيين مسار المستقبل، وتعزيز التلاحم الوطني، وتوجيه رسائل واضحة للفاعلين الإقليميين والدوليين. ورغم ما تتسم به هذه الرسالة من طابع عاطفي ووجداني، إلا أنها تحمل في طياتها من حيث المحتوى طبقات تحليلية واستراتيجية متعددة، من شأنها أن ترسم للرأي العام والنخب إطاراً دقيقاً لفهم التطورات القادمة.
استهل الإمام الخامنئي رسالته بعبارات ملؤها الاحترام والإجلال، مشيراً إلى شخصية ومكانة القائد الشهيد، واصفاً حياته واستشهاده بأنها كانت حافلة بالعزة والجهاد والخدمة. وفي الوقت الذي استذكر فيه عظمة شخصية القائد الشهيد، أكد في الوقت ذاته على صعوبة خلافة مثل هذا الموقع. ويُعد هذا الجزء من الرسالة في الواقع بمثابة تبيين واقعي للظروف الجديدة؛ وهو تبيين يُظهر، إلى جانب تكريمه لشخصية القائد الراحل، أن استمرار مسار الثورة يرتكز على تيار تاريخي وحراك شعبي أكثر من ارتهانه بشخص بعينه.
وفي محور آخر من رسالته، واستناداً إلى الآية الكريمة (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا)، وجّه سماحته أنظار المخاطبين من الفرد إلى المجتمع والأمة. ويوضح قائد الثورة الإسلامية أن الاستشهاد بهذه الآية لا يعني مقارنة نفسه بالقائد الشهيد أو وضعه في نفس منزلته، بل يهدف إلى إبراز دور الشعب في مواصلة مسار الثورة. وفي هذا الجزء من الرسالة، تم تقديم الشعب باعتباره العنصر الأساسي لاقتدار البلاد؛ ذلك الشعب الذي لم يخلِ الساحة حتى في أشد الظروف قساوة، وكان دائماً الرصيد الأساسي للنظام.
وفي سياق رسالته، تطرق الإمام الخامنئي إلى الدور الحاسم للشعب في عبور البلاد من الظروف الحساسة. ومستذكراً تلك المرحلة التي أُديرت فيها البلاد لفترة وجيزة دون قائد وقائد عام للقوات المسلحة، أكد سماحته أن الشعب الإيراني، بحضوره الواعي والمسؤول، لم يسمح للأعداء باستغلال تلك الظروف. ويمثل هذا الجزء من الرسالة في الحقيقة تأكيداً على الرصيد الاجتماعي للنظام ودور الشعب في إرساء دعائم الاستقرار والأمن في البلاد.
وشدد قائد الثورة الإسلامية في محور آخر من الرسالة على ضرورة الحفاظ على الوحدة والتلاحم الوطني. وأشار إلى وجود بعض الاختلافات في الرؤى داخل المجتمع، موصياً كافة التيارات والفئات بوضع المصالح الوطنية والمصالح العليا للبلاد في سلم أولوياتها خلال هذه المرحلة الحساسة. إن التأكيد على تنحية الخلافات جانباً في ظل التهديدات، يعكس النظرة الواقعية للمجتمع وضرورة التكاتف في مواجهة الأعداء.
كما أكد سماحته في جزء آخر من رسالته على أهمية الحضور الشعبي في مختلف الميادين. ولا يرى الإمام الخامنئي أن التواجد في الساحة يقتصر على المشاركة في جبهات القتال فحسب، بل يتحدث عن دور الشعب في المجالات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية وحتى الأمنية. وتكشف هذه الرؤية أنه، من منظور قائد الثورة، فإن ساحة الدفاع عن البلاد والثورة لا تنحصر في ميدان الحرب، بل يمكن لكل مواطن أن يؤدي دوره في هذا المسار ضمن نطاق مسؤوليته الاجتماعية.
وفي جزء هام من الرسالة، تناول قائد الثورة الإسلامية مسألة الحرب والمواجهة مع الأعداء. وأكد بلهجة حازمة ومدروسة أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية سترد رداً قاطعاً يبعث على الندم إزاء أي عدوان. إن الإشارة إلى خيارات من قبيل إغلاق مضيق هرمز أو فتح جبهات جديدة، تدل على أن الجمهورية الإسلامية تمتلك قدرات وخيارات متنوعة للرد على التهديدات، وأنه لا ينبغي للأعداء أن يتوهموا إمكانية الإقدام على أي حماقة دون دفع الثمن.
وفي محور آخر من الرسالة، أشاد الإمام الخامنئي بجبهة المقاومة ودورها في التطورات الإقليمية. وأشار إلى دعم ومؤازرة فصائل المقاومة في المنطقة، بما في ذلك المقاومة اليمنية، وحزب الله في لبنان، وقوات المقاومة في العراق، مؤكداً أن هذه الجبهة لا تزال تشكل أحد العوامل الهامة في المعادلات الإقليمية. ويُظهر هذا الجزء من الرسالة أن الجمهورية الإسلامية لا تزال تحافظ على روابطها الاستراتيجية مع تيار المقاومة، وتعتبره جزءاً لا يتجزأ من المنظومة الأمنية للمنطقة.
وتطرق سماحته في جزء آخر من رسالته إلى المعاناة والخسائر التي تكبدها الشعب إبان الحرب. وأعرب قائد الثورة الإسلامية عن تعاطفه مع عوائل الشهداء والجرحى والمتضررين، مشدداً على ضرورة متابعة أوضاعهم وتلبية احتياجاتهم. وفي هذا الصدد، أشار إلى لزوم علاج الجرحى، والتعويض عن الخسائر، ودعم الأسر المتضررة، معتبراً هذا الأمر من المهام الرئيسية الملقاة على عاتق الأجهزة المسؤولة.
وأشار الإمام الخامنئي في محور آخر إلى مسألة دماء الشهداء وضرورة متابعتها. وأكد أن دم كل شهيد يمثل ملفاً مستقلاً ومفتوحاً لن يُطوى بمرور الزمن. إن طرح هذا الموضوع يدل على أن الجمهورية الإسلامية ستتابع قضية الجرائم المرتكبة ليس فقط على الصعيد العسكري، بل على الصعيدين القانوني والسياسي أيضاً.
كما طرح قائد الثورة الإسلامية عدة نقاط في الجزء الموجه لدول المنطقة. فمع تأكيده على أهمية العلاقات مع دول الجوار، أعلن أن الجمهورية الإسلامية مستعدة لتوسيع علاقاتها الودية والأخوية مع دول المنطقة. وفي الوقت ذاته، حذر سماحته من وجود قواعد للأعداء في بعض دول المنطقة، مؤكداً أن مثل هذه التحركات من شأنها أن تضع أمن المنطقة برمتها أمام تحديات حقيقية.
وفي ختام رسالته، وإلى جانب تجديد العهد مع مُثُل القائد الشهيد وشهداء طريق المقاومة، أعرب الإمام الخامنئي عن تقديره لمواكبة المراجع والعلماء والمسؤولين وأبناء الشعب. ويمثل هذا الجزء من الرسالة في الواقع خلاصة عامة للنص، ويقدم صورة واضحة للتلاحم والإجماع الوطني في مواجهة التهديدات.
وفي المجمل، يمكن وصف رسالة قائد الثورة الإسلامية بأنها نص متعدد الطبقات، سعت القيادة من خلاله إلى تحقيق عدة أهداف استراتيجية في آن واحد؛ وهي: طمأنة الرأي العام، وتعزيز التلاحم الوطني، وتبيين المسار المستقبلي، وتوجيه رسالة رادعة للأعداء. وفي خضم ذلك، تم إبراز دور الشعب باعتباره العنصر الأهم في الاقتدار الوطني، مع التأكيد المبرم على أن استمرار مسار الثورة يعتمد، قبل كل شيء، على حضور وإرادة الشعب الإيراني.
بقلم: علي رضا مكتبدار
رئیس التحریر لأسبوعیة «الآفاق»
..................
انتهى / 232
تعليقك