6 يناير 2026 - 18:19
كازان: مدينة الأديان والهويات المزدوجة في روسيا

رحلة إلى كازان، العاصمة الثالثة لروسيا، حيث تتداخل الهويات الدينية والقومية، ويعمل "الجندي المجهول" في الاقتصاد الروسي بصمت بين التاريخ، والإيمان، والتكنولوجيا.

وفقا لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء ــ ابنا ــ"كل الناس يعرفون موسكو وسان بطرسبورغ، لكن القلّة فقط، من يحالفهم الحظ، يتعرّفون على العاصمة الثالثة".

بهذه العبارة استقبلتني آيغول، فتاة تتارية تعيش في كازان، عاصمة جمهورية تتارستان الروسية.

استقللنا السيارة معاً، وكان أول ما يلفت الانتباه اللافتات المكتوبة باللغتين: الروسية والتتارية، كأن المدينة تعلن منذ اللحظة الأولى أنها لا تنتمي إلى طرفٍ واحد من العالم.

عشرون دقيقة لم أستطع خلالها إزاحة عيني عن النافذة، متأمّلة الشوارع النظيفة والواسعة، مستمتعة بالخريف الذي ترك لمساته على الأشجار وملابس الناس. وما لبث أن ظهر في الأفق مجمّع مهيب يسيطر عليه اللونان الأبيض والأزرق. لاحظت آيغول دهشتي فاستطردت ضاحكة: "ليس كل كرملين أحمر اللون".

شعور من السكينة انتابني حين قرأت ما كُتب على لوح حجري كبير عند مدخل كرملين كازان: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾.

تابعتُ المشي والهواء يلفح وجهي، الورود في كل مكان، والشمس تنعكس على مآذن وقباب أول مبنى في هذا الحصن العظيم: جامع كول شريف، الذي استمد اسمه من عالم دين ومجاهد قُتل في مواجهة قوات القيصر الروسي إيفان الرهيب أثناء غزوه المدينة.

أول ما يتناهى إلى سمع الزائر تلاوة حيّة للقرآن الكريم. "لا تتوقف منذ عام 2015 إلا خلال أوقات الصلاة، ويقوم 12 حافظاً بختم القرآن يوميًاً"، قال إمام الجامع، مرحّباً بنا باللغة العربية الفصحى، وأضاف: "جامعنا يتسع لأكثر من 1500 مصلٍّ، والسجاد إهداء من إيران. كما يضمّ متحفاً يحتوي على جزء من كسوة الكعبة، ومصاحف، ومقتنيات توثّق الثقافات القومية والدينية لشعوب روسيا عبر القرون".

بحسب الإحصاءات الرسمية لعام 2010، يشكّل المسلمون أكثر من نصف سكان تتارستان، والتتار هم ثاني أكبر قوميات روسيا، ويتمركزون على ضفاف نهر الفولغا، بتعداد يتجاوز أربعة ملايين نسمة.

وقبل ثلاثة أعوام، أحيت كازان الذكرى الـ1100 لدخولها الإسلام. وفي هذا السياق قال الإمام: "التتار يفتخرون بذلك كثيراً، ويعتزّون بكتاب رحلة ابن فضلان، الرحالة العربي الذي أرسله الخليفة المقتدر لتعليم أهل المنطقة الإسلام".

على بُعد خطوات قليلة، ظهرت قباب كاتدرائية البشارة، تتقاسم السماء مع مآذن جامع كول شريف. رائحة البخور تتصاعد ببطء، والجدران تعكس ضوء الشموع. رحّب بنا الأب فيودور بحرارة وقال: "هذه الكنيسة شاهدة على خمسة قرون من التحولات، من الثورات إلى الحروب والإيمان. بناها إيفان الرهيب عام 1552. وفي القرن العشرين حوّلها الاتحاد السوفييتي إلى متحف ومخزن، فخمد صوت الأجراس لعقود، قبل أن تبدأ أعمال الترميم في نهاية التسعينيات وتُفتح أبوابها من جديد".

في قلب الكنيسة تتوسط أيقونة "سيدة كازان"، ذات مكانة خاصة في الوجدان الروسي. شرح الأب فيودور قصتها قائلاً:

"عام 1579، كانت المدينة تعيش زمن حرب وفقر ويأس. في تلك الأيام، حلمت فتاة يتيمة تُدعى ماترونا بالسيدة مريم، تطلب منها البحث عن أيقونة مدفونة تحت الأنقاض. لم يصدقها كثيرون، لكنهم عثروا عليها لاحقاً، وسرعان ما تحولت إلى رمز للأمل والحماية، ورافقت روسيا في محنها الكبرى، حتى مع الجنود في ساحات القتال".

هممنا بمغادرة الكرملين، لكنني توقفت أمام برج مائل يشبه برج بيزا. قالت آيغول: "هذا برج سويومبيكا، أميرتنا التي أثبتت أن الشجاعة لا تُقاس بالقوة وحدها، وأن الحرية أغلى من أي تاج". وأضافت: "حين جاء الروس، أراد القيصر الزواج منها، فاشترطت أن يُبنى لها هذا البرج. وبعد اكتماله، ألقت بنفسها من أعلاه".

سألت آيغول: "كيف تتعايش عشرات القوميات هنا؟ كيف يتجاور الجامع والكنيسة؟ وفق نظرية صراع الحضارات، كان يفترض أن تعيش هذه المدينة صراعات دائمة"، أجابتني: "مررنا فعلاً بفترة مؤلمة خلال حملة إيفان الرهيب، لكننا نفضّل تسميته تفاعلاً لا تعايشاً. هويتنا الدينية جزء من الهوية التتارية، وهذه بدورها جزء من الهوية الروسية الكبرى. بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، اخترنا التفاوض والحوار مع موسكو، ما جنّبنا حرباً كبرى كما حدث في الشيشان".

انتقلنا إلى الضفة الأخرى، حيث تُعرض طائرات مروحية وسيارات وشاحنات في ساحة واسعة. "هذا خيمغراد، مجمّع صناعي وتكنولوجي"، قالت آيغول ممازحة: "ولدينا أيضاً وادي السيليكون الخاص بنا". رحّب بنا المهندس أرتيوم، وأصرّ على أن أجرب إجراء عملية جراحية باستخدام روبوت طبي. وقال بحماس: "هذا الجهاز اشترته عدة دول عربية، من بينها السعودية".

وأضاف: "يمكن اعتبار جمهوريتنا الجندي المجهول في الاقتصاد الروسي. ننتج سنويًاً 33 مليون طن من النفط والغاز ونكررها هنا. تُصنع في تتارستان أبرز الطائرات المدنية والعسكرية الروسية، منها المروحية الهجومية K-52، وكذلك السيارات، بما فيها سيارة الرئيس بوتين AURUS. حتى عام 2024، كنا ننتج 30.2% من شاحنات روسيا، و61.7% من إطارات الشاحنات الثقيلة، و41.2% من المطاط الروسي".

بدت الأرقام صادمة، خاصة في ظل العقوبات الغربية. لكن لتاليا مينولينا، مديرة وكالة تنمية الاستثمارات في تتارستان، رأت أن "للعقوبات فوائد أيضاً. انسحبت الشركات الغربية وواجهنا صعوبات، لكن الدول تجد دائماً طرقاً بديلة للعمل. نتمنى ألّا تستمر العقوبات أربعين عاماً كما حدث مع إيران، لكنها برغم ذلك تمثّل نموذجاً ملهماً في التطور الاقتصادي والتكنولوجي".

محنتنا الأخيرة كانت جامعة كازان الفيدرالية، التي أسسها القيصر ألكسندر الأول عام 1804، ويبلغ عدد طلابها اليوم أكثر من 50 ألف طالب، بينهم 11,500 طالب دولي من أكثر من 100 دولة، ما يفسّر تسمية المدينة بعاصمة الشباب.

تفتخر الجامعة بخريجيها الكبار، مثل مندلييف مكتشف الجدول الدوري، لكنها تفخر أيضاً بطرد اثنين من أشهر شخصيات التاريخ: الأول، الكاتب تولستوي، الذي لا يُعرض له أثر أدبي في متحف الجامعة، بل رسالة استعطاف وجّهها لعميد كلية العلوم الشرقية قبل فصله.

والثاني، فلاديمير لينين، الذي لجأ إلى كازان بعد منعه من الدراسة في موسكو وسان بطرسبورغ بسبب محاولة شقيقه اغتيال القيصر ألكسندر الثالث، لكنه طُرد لاحقاً بعد أشهر قليلة.

تعرفتُ إلى ساشا ومدينة، طالبتين تدرسان اللغة العربية. تجولنا في شارع باومان الشهير، على أنغام آلة الكوبوز التتارية، وتناولت الكباب التتاري. أخبرتني ساشا أن اليونيسكو صنّفت كازان عاصمة للموسيقى، وعلّمتني مدينة كيف نقول بالتتارية: مرحباً "سلام"، وشكراً "رخمات".

لكن خلف هذا المشهد المثالي، تقف تحديات حقيقية. قالت ساشا: "العيش في مدينة مزدوجة الهوية ليس سهلاً". وأضافت مدينة: "اللغة التتارية مهددة، يتحدث بها أقل من نصف السكان يومياً، وسط هيمنة الروسية في الإعلام والتعليم. هناك من يخشى ذوبان الهوية، وهناك من يرى أن الانفتاح يُغنيها".

حين حان وقت العودة إلى موسكو، كان غيورغي سائق التاكسي بانتظاري. عندما عرف أنني سورية قال: "استضفنا المنتخب السوري هنا، وكنت أنا من يقلّهم". ثم أهداني تشاك تشاك، الحلوى التتارية التقليدية، قائلاً: "هي تعني الفرح أكثر من كونها طعاماً".

ربما لا تدعوك روسيا إلى الابتسام، لكنها تُجبرك على الاحترام… فالحضارة لا تُقاس بحرارة الشمس، بل بصلابة الإرادة حين يشتد البرد.

تعليقك

You are replying to: .
captcha