وفقا لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء ــ أبنا ــ وجّه آية اللّه العظمى الشيخ جعفر السبحانيّ رسالةً مرئيّةً إلى مراسم إزاحة الستار عن مجموعة "المنظومة الفكريّة لآية اللّه العظمى مكارم الشيرازيّ"، التي أُقيمت صباح الأربعاء (20 مايو 2026م) في قاعة الاجتماعات بمركز بحوث الثقافة والفكر الإسلاميّ في مدينة قم المقدّسة.
وأشار سماحته في مستهلّ كلمته إلى أهميّة تكريم العلماء الدينيّين، مبيّنًا أنّ تجليل العلماء يؤدّي إلى تعزيز رغبة جيل الشباب في طلب العلم والمعرفة، ويسهم في رفع مكانة العلم في المجتمع.
واستند هذا المرجع الدينيّ إلى آيةٍ من القرآن الكريم تؤكّد على رفعة مقام أهل الإيمان والعلم، مضيفًا أنّ توصية القرآن بإفساح المجالس للعلماء تعكس عظمة مكانة العلم والعالم، وأنّ هذه السلوكيّات تسهم في تعزيز منزلة العلم في المجتمع.
وفي سياق حديثه، سلّط سماحته الضوء على السيرة الذاتية والعلميّة لآية اللّه العظمى الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ والخدمات الجليلة التي قدّمها طوال عمره المبارك، وفيما يلي يُذكر النصّ الكامل لرسالته:
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه وآله الطاهرين، ولعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.
قال اللّه الحكيم في محكم كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: 11].
إنّه لمن دواعي سروري أن أتحدّث عن الشخصيّة العلميّة لمفسّرٍ كبيرٍ وفقيهٍ جليلٍ. إنّ تكريم العلماء، بأيّ عنوانٍ كان، يترتّب عليه فوائد كثيرةٌ. ومن أهمّ آثار ذلك هو زرع حبّ العلم في نفوس الجيل الحاضر؛ فعندما يرى الشباب كيف يُكرّم العلماء ويُحتفى بهم - سواءً في حياتهم أو بعد رحيلهم - فإنّهم يرغبون في العلم والمعرفة.
في الواقع، إنّ أولئك الذين ينظّمون هذه الاحتفائيّات يساهمون بطريقةٍ ما في ترويج العلم ورفعة مقام العلماء. ومن الملاحظ في هذه الآية المباركة أنّها تطرح مسألةً تبدو بسيطةً، لكنّها تكتسب أهمّيّةً كبيرةً جدًّا لارتباطه بالعلم والعلماء.
يقول اللّه تعالى: إذا كنتم جالسين في مجلسٍ وكان المكان مزدحمًا، ثمّ دخل عالمٌ وقيل لكم أفسحوا له المجال، ﴿فَافْسَحُوا﴾، وإذا قيل لكم انهضوا، ﴿فَانْشُزُوا﴾. لماذا؟ لأنّ اللّه يعطي أهل الإيمان وأصحاب العلم درجاتٍ رفيعةً ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾.
فإنّ هذا السلوك منكم يؤدّي إلى الارتقاء بمكانة العلم والعلماء في المجتمع. وقوله ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ﴾ هو، في الحقيقة، نتيجةٌ لهذين الأمرين الإلهيّين: ﴿افْسَحُوا﴾ و﴿انْشُزُوا﴾؛ لأنّ ثمرة هذا السلوك هي إعلاء شأن العلم في المجتمع. وقد تبدو هذه المسألة صغيرةً وبسيطةً، لكنّها عظيمةٌ وذات أهميّةٍ بالغةٍ جدًّا لما لها من ارتباطٍ بالعلم والعلماء.
وُلد سماحة آية اللّه العظمى الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ عام 1305هـ.ش (1927م) في مدينة شيراز الإيرانيّة. وأمضى طفولته وشبابه هناك، وبدأ دراسته التمهيديّة في مدرسة "آقا باباخان".
وفي شبابه، نحو عام 1324هـ.ش (1945م)، التحق بالحوزة العلمية في قم، وكان عمره آنذاك قرابة 24 عامًا(1). وقد تشكّلت شخصيّته العلميّة في قم أساسًا على يدي أستاذين كبيرين: المرحوم آية اللّه الداماد في الفقه والأصول، والمرحوم آية اللّه البروجرديّ؛ حيث كان يحضر دروسه في الفقه أيضًا. وبالطبع، فقد نهل من علوم علماء آخرين، غير أنّ الأساس العلميّ لشخصيّته كان مرهونًا بهذين الأستاذين الكبيرين.
وفي عام 1329هـ.ش (1950م)، توجّه إلى النجف الأشرف وأقام في تلك الحوزة المقدّسة لمدّة عامين تقريبًا. وهناك استفاد من دروس عالمين كبيرين، هما المرحوم آية اللّه الحكيم والمرحوم آية اللّه الخوئيّ. وبعد عامين، وبسبب الظروف المناخيّة وصعوبة الإقامة هناك، عاد إلى مدينة قم وواصل مسيرته العلميّة السّابقة.
أمّا في الفلسفة وعلم الكلام، فقد تتلمذ لمدّة خمس سنواتٍ تقريبًا على يد الأستاذ الجليل، المرحوم العلّامة الطّباطبائيّ، حيث كان يحضر جلسات تدريس كتاب "الأسفار". وعلاوةً على ذلك، قام بترجمة المجلّد الأوّل من "تفسير الميزان" إلى اللغة الفارسيّة بطلبٍ منه.
وما أودّ الإشارة إليه الآن هو نقطةٌ هامّةٌ في حياة هذا العالم الجليل، ألا وهي "الابتكار". إنّ المواهب الإلهيّة كثيرةٌ؛ فاللّه يمنح الإنسان الفهم والذاكرة، ولكنّ ما يُمنح بقلّةٍ هو روح الابتكار والإبداع.
وقد منّ اللّه تعالى عليه بهذه الموهبة. فإذا نظرنا في مؤلّفات السابقين، نجد أنّ الأعمال التي كانت مجرّد تكرارٍ لم تدم طويلًا؛ بينما الأعمال المبتكرة والمجدّدة هي التي بقيت وفتحت آفاقًا جديدةً.
وأذكر أنّ سماحته ألّف في ذلك الوقت مجموعةً عقائديّةً باللغة الفارسيّة تحت عنوان "الإنسان والعالَم"، تبدأ بموضوع "خالق العالم" وتنتهي ببحث "المعاد". وكانت الكتب العقائديّة الموجودة آنذاك إمّا بالعربيّة أو بالفارسيّة القديمة، ولم تكن مناسبة للجيل الجديد. ومع كامل الاحترام لتلك المؤلّفات ومؤلّفيها العظام، يجب القول إنّها لم تكن تلبّي متطلّبات العصر.
وكان ابتكاره الأوّل هو كتابة دورةٍ كاملةٍ في العقائد الإسلاميّة بلغةٍ فارسيّةٍ سلسةٍ ومفهومةٍ للجيل الجديد؛ وهو عملٌ سرعان ما أخذ مكانه في المجتمع.
ومن مظاهر ابتكاره أيضًا تأسيس المدارس والمراكز العلميّة، التي أُنشئت بنظرةٍ مستقبليّةٍ لكي ينتفع بها الأجيال القادمة. وهذا أيضًا نوعٌ من الابتكار والخدمة الخالدة.
أمّا خدماته الحوزويّة والثوريّة فهي جليّةٌ للجميع؛ فقد كان له دورٌ مهمٌّ في تدوين دستور الجمهوريّة الإسلاميّة. وأنا قد كنت حاضرًا في تلك الجلسات، وأتذكّر أنّ المرحوم آية اللّه السيّد محمّد بهشتيّ وآية اللّه مكارم الشيرازيّ كانا من الشّخصيّات البارزة والمؤثّرة جدًّا فيها.
كما لا يمكن التقليل من شأن دوره العظيم في تأليف "تفسير نمونه" (التفسير الأمثل)؛ فقد كُتب هذا التفسير في زمنٍ كان فيه المجتمع بحاجةٍ إلى تفسيرٍ فارسيٍّ سلسٍ يتناسب مع أسئلة جيل الشباب واحتياجاته.
فرغم أنّ "تفسير الميزان" (للعلّامة الطباطبائيّ) هو أثرٌ عظيمٌ وخالدٌ، غير أنّه مكتوبٌ باللغة العربيّة. وقد تمثّل ابتكار آية اللّه مكارم الشيرازيّ في استلهام هذا العمل الكبير والاستفادة من مصادر أخرى، لإعداد تفسيرٍ شاملٍ ومعاصرٍ باللغة الفارسيّة على مدى نحو خمسة عشر عامًا. وقد تُرجم هذا التفسير لاحقًا إلى اللغة العربيّة، وأصبح مرجعًا حتى للكتّاب العرب.
لقد أنعم اللّه تعالى عليه بتوفيقاتٍ كثيرةٍ، وهو اليوم قد جاوز عمره المبارك قرابة القرن من الزمان؛ إذ إنّه وُلد عام 1305هـ.ش (1927م) ونحن اليوم في عام 1405هـ.ش (2026م).
ولو استعرضنا آثاره لوجدنا أنّه خلّف من الكتب والرسائل العلميّة ما يقارب عدد سنوات عمره، و﴿ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ﴾.
نسأل اللّه العليّ القدير أن يحفظه ويحفظ سائر المراجع العظام وكبار الحوزة للإسلام والمسلمين، وأن يقي حوزاتنا العلميّة وبلادنا الإسلاميّة من كلّ سوءٍ وبلاءٍ.
والسّلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته.
الهامش:
(1) هكذا في النص الأصلي الفارسي، لكنَّ الحسابَ بين سنة ولادته (1305هـ.ش) وسنة التحاقه (1324هـ.ش) يُعطي 19 سنة، لا 24. ويُرجَّح أن يكون هناك سهوٌ في النص الأصلي، إذ يذكر بعض المصادر أنه دخل قم سنة 1323هـ.ش وعمره 18 سنة.
..........
انتهى/ 278
تعليقك