وفقا لما أفادته وکالة أنباء أهل البيت(ع) الدولية -ابنا- استعرض أبو علي البصري، معاون رئيس أرکان هيئة الحشد الشعبي للعمليات، في مقابلة مع قناة "الميادين" الإخبارية اللبنانية، جوانب متعددة لدور الحشد الشعبي في العراق، وعلاقته بالحكومة والمرجعية الدينية، فضلاً عن الحشود الجماهيرية الغفيرة التي شاركت في تشييع القائد الشهيد للثورة الإسلامية.
في هذه المقابلة، سألت قناة "الميادين" عن "المشاركة اللافتة لقوات الحشد الشعبي في مراسم تشييع القائد الشهيد للثورة الإسلامية، آية الله علي خامنئي، في النجف وكربلاء"، فأوضح البصري أن أحداً - بمن فيهم هو نفسه - لم يكن يتوقع مثل هذا الحضور المليوني الحاشد.
وأضاف البصري: "كنا نستعد لموكب الجنازة هذا؛ فقد عقدنا اجتماعات ووضعنا خططاً لضمان سلامة المشاركين والحضور. لقد توقعنا إقبالاً كبيراً، لكننا بطبيعة الحال لم نتوقع أعداداً بهذا الحجم الهائل. وأعتقد أن الجميع فوجئوا بضخامة الحشود؛ إذ كنا نتوقع عدداً أقل نوعاً ما -ربما في حدود الملايين- لكننا لم نتوقع إقبالاً بهذا المستوى، رغم أننا كنا قد خططنا للإجراءات الأمنية. وفي الوقت نفسه، شاركنا نحن -إلى جانب عائلاتنا وأصدقائنا، وحتى الأفراد غير المكلفين رسمياً بمهام أمنية- في الموكب، وقوفاً مع الشعب العراقي بصفتنا مواطنين عاديين".
وأکد البصري: "لقد بعث الشعب العراقي برسالة؛ إذ يمكن لأي مراقب للمشهد أن يرى مدى ارتباطهم الوثيق بالمرجعية الدينية وإيمانهم بمرجعية الإمام الخامنئي. كما أنهم يؤمنون بقيادته للدولة الإسلامية وبأهمية هذه الدولة للمجتمع وللأمة الإسلامية، ويقدّرون هذه القيادة التي تقود القوات المدافعة عن الأمة الإسلامية والشعوب المسلمة في وجه أعداء الإسلام. ولهذا السبب، أرى أن هذا الحضور الجماهيري الحاشد - بما تخلله من حماس وتضحية وحزن ودموع وشعارات - يعبّر عن عمق ارتباطهم بهذه القيادة؛ وهو ارتباط يجمع بين البعدين الروحي والعقائدي".
في جانب من المقابلة، تطرق البصري إلى مسألة تشكيل القوة، موضحاً أنه عندما شن تنظيم "داعش" هجومه عام 2014 —وعجز الجيش عن الصمود أمام ذلك الهجوم، مما أدى إلى تقارير تفيد بسقوط ثلثي مساحة العراق في قبضة التنظيم— لجأ رئيس الوزراء (نوري المالكي) إلى أفراد يتسمون بالالتزام والتفاني؛ إذ سعى للاستعانة بشخصيات مثل أبي مهدي المهندس —الذي كان حينها قائداً لـ "فيلق بدر" ويتمتع بخبرة قتالية وجهادية— وكذلك الحاج قاسم سليماني، الذي كان يتابع عن كثب تطورات الأوضاع في العراق آنذاك.
سلط البصري الضوء على دور المرجعية الدينية، مشيراً إلى أنها أدركت عمق وحجم هذه المؤامرة وهذا الخطر... وأصدرت فتوى "الجهاد الكفائي". وقبل يومين أو ثلاثة من صدور الفتوى —التي أُعلنت خلال خطبة صلاة الجمعة على لسان الحاج مهدي الكربلائي— عُقدت اجتماعات يوم الثلاثاء أو الأربعاء من الأسبوع نفسه في منزل الحاج أبو مهدي حيث حضر كل من أبو مهدي والحاج قاسم وشخصيات أخرى معنية، وذلك للتحضير لمواجهة تنظيم "داعش".
وأضاف قائلاً: في ذلك الوقت، كان تنظيم "داعش" يضيق الخناق على مدينة تكريت والمناطق التي تليها... وفي هذا السياق، أعلم أن الشهيد أبو مهدي قد وجه رسالة إلى المرجعية الدينية يعلن فيها استعداده لقتال "داعش". ونظراً لخبرته السابقة مع "منظمة بدر"، يمكن القول إن الخلفية والخبرات التي اكتسبها هناك لعبت دوراً جوهرياً في تأسيس "قوات الحشد الشعبي"... وبشكل عام، أدى الحاج قاسم وأبو مهدي دوراً محورياً في تشكيل الحشد الشعبي وتنظيم الكوادر الفاعلة اللازمة لتأسيسه... لقد شكلت فصائل المقاومة العراقية —التي كانت تنشط سراً ضد قوات الاحتلال الأمريكي وتواجه "داعش" بالفعل قبل صدور الفتوى الدينية— الوحدات الأساسية الأولية التي انضم إليها الشباب العراقيون فيما بعد.
ذكر البصري أن مستشارين عسكريين انضموا إلى هؤلاء الشباب — رفاق الحاج قاسم وعناصر من حزب الله اللبناني — الذين كانوا معنا منذ الأيام الأولى، وتحديداً منذ لحظة صدور الفتوى، والذين أدوا دوراً محورياً في تشكيل القوة وتطوير كوادرها.
وفي معرض تناوله لقضية احتكار السلاح والضغوط الأمريكية، أوضح قائد في الحشد الشعبي أن الأسلحة موجودة بالفعل في عهدة الحكومة، وأن العتاد الذي تحوزه قوات الحشد الشعبي يُعد ملكاً للدولة. وعقب انتهاء الحرب، أصدر أبو مهدي أمراً يُلزم فصائل المقاومة بالعودة إلى نطاقات عملها ومهامها المحددة، ويوجه الجماعات التابعة للحشد الشعبي بالعمل حصراً في إطار القوات المسلحة العراقية. وبموجب هذا التوجيه، كان يتعين على أي قائد فصيل يمارس نشاطاً سياسياً قطع صلاته باللواء التابع للحشد الشعبي؛ إذ لم يعد مسموحاً لقائد اللواء تلقي الأوامر من ذلك الزعيم السياسي، بل أصبح ملزماً بالخضوع للتسلسل القيادي للحشد الشعبي ذاته. غير أن هذه العملية لم تكتمل بالكامل قبل استشهاد أبي مهدي.
أكد البصري أن فصائل المقاومة لم تعمل قط خارج إطار الدولة، إذ أنها قاتلت دفاعاً عن البلاد؛ فأسلحتها ليست موجهة ضد الحكومة، بل إن الأمر يتطلب وقتاً للحوار من أجل التوصل إلى صيغة تتيح للفصائل الراغبة في الاندماج ضمن هيكل الدولة القيام بذلك. ويُعد استمرار وجود القوات الأمريكية وقوات الاحتلال السبب الرئيسي لوجود المقاومة؛ ونظراً لأن موعد الانسحاب الأمريكي مقرر في 30 سبتمبر، فقد أعلنت فصائل المقاومة أنها ستواصل أنشطتها حتى ذلك الحين. إن هذه الفصائل لا تعارض الحكومة، بل تدافع عن العراق بأسره —نظامه السياسي وشعبه ومقدساته— وتسعى لأداء واجبها في الدفاع عن البلاد.
أكد البصري أن البلاد بحاجة إلى قوات الحشد الشعبي؛ فمثلما أسست الجمهورية الإسلامية الإيرانية -التي كانت تمتلك بالفعل جيشاً نظامياً- "الحرس الثوري الإسلامي" لحماية البلاد والثورة، فإن العراق يحتاج كذلك إلى الحشد الشعبي. وفي معرض رده على سؤال حول الشروط الأمريكية المتعلقة بالحشد الشعبي، صرح البصري بأن هذه القوة تشكلت وفقاً لإرادة المرجعية الدينية، وأن وجودها لا يرتبط بالولايات المتحدة بأي صلة.
وأشار إلى أن المرجعية الدينية تتحمل مسؤولية حماية العراق، وأن الشعب لن يتسامح مع أي تجاهل لتوجيهاتها؛ فالحشد الشعبي يستمد شرعيته من المرجعية الدينية، وباعتباره قوة عقائدية وجهادية، فإنه لا يرتبط بأي شكل من الأشكال بالأمريكيين أو بوجهات نظرهم.
وفي النهایة صرح البصري أن "الحشد" جزء من الدولة العراقية وقواتها المسلحة، وقد أقر البرلمان وجوده، كما سيتم قريباً استكمال التشريعات المنظمة له. وشدد قائلاً: "قد تؤثر الضغوط الأمريكية على هذه الحكومة العراقية أو تلك أو على البرلمان، لكننا لن نتأثر بتلك الضغوط ولن نرضخ لها؛ فإرادتنا تنبع من إرادة الشعب، وقائدنا هو رئيس الوزراء، ومرجعياتنا الروحية هي المرجعيات الدينية".
.....................
انتهی/
تعليقك