وفقا لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء ــ أبنا ــ قال الشيخ عمار البهبهاني، في حوار مع وكالة أبنا، إن المكانة التي حظي بها قائد الثورة الشهيد في الوعي العام العراقي لم تكن مجرد مكانة سياسية أو وطنية، وإنما تأسست على مرجعيته الدينية، وأدائه التاريخي، وارتباطه العميق بقضايا الأمة الإسلامية.
المرجعية العامة وخصائص القيادة... عاملان أساسيان في تشكل المكانة العابرة للحدود
وفي معرض إجابته عن سؤال حول الأسباب التي جعلت قائد الثورة الشهيد يحظى بمكانة تتجاوز حدود الجمهورية الإسلامية الإيرانية رغم مسؤوليته الرسمية فيها، قال الشيخ البهبهاني: "إن العامل الأول يتمثل في مرجعيته العامة؛ فالقائد الشهيد لم يكن قائداً للجمهورية الإسلامية فحسب، بل كان أيضاً مرجع تقليد يتمتع بمرجعية عامة، وهو ما جعل النظر إليه يتجاوز الإطار الوطني إلى فضاء الأمة الإسلامية."
وأضاف: "في نظر كثير من المتدينين في العراق، ليس كل مرجع تقليد قائداً بالضرورة؛ فالقيادة تحتاج إلى خصائص إضافية، من أبرزها الوعي الدقيق بظروف الزمان، والقدرة على تشخيص المواقف، واتخاذ القرار الحكيم في الوقت المناسب، وامتلاك القدرة على إدارة المجتمع في الظروف الحساسة. وهذه الصفات لمسها العراقيون مراراً في شخصية قائد الثورة الشهيد."
وتابع أستاذ الحوزة العلمية قائلاً: "لهذه الأسباب، حظي القائد الشهيد، رغم كونه القائد الرسمي للجمهورية الإسلامية الإيرانية، بمكانة متميزة لدى شعوب أخرى أيضاً، حتى إن كثيراً من المسلمين وأحرار العالم لم يكونوا ينظرون إليه بوصفه قائداً يخص إيران وحدها."
واستشهد الشيخ البهبهاني في هذا السياق بموقف للشهيد أبو مهدي المهندس، قائلاً: "في إحدى المقابلات سُئل الشهيد أبو مهدي المهندس عن أكثر شخصية إيرانية يحبها، فأجاب: «ضعوا السيد جانباً أولاً؛ فالسيد ليس للإيرانيين وحدهم». وهذه العبارة تعكس الرؤية التي كان يحملها كثير من أبناء العراق تجاه القائد الشهيد، إذ كانوا يرونه قائداً للشيعة، بل قائداً لأحرار العالم."
الأداء التاريخي لقائد الثورة الشهيد... العامل الأبرز في ترسيخ هذه المكانة
وفي معرض إجابته عن سؤال آخر بشأن أسباب تشكل هذه المكانة العابرة للحدود، أكد الشيخ البهبهاني أن الأداء التاريخي للقائد الشهيد كان العامل الأهم، قائلاً: "إن هذه المكانة لم تكن نتيجة المنصب الرسمي أو المرجعية الدينية فحسب، بل كانت ثمرة أدائه العملي بالدرجة الأولى. فقد أثبت القائد الشهيد في مختلف المواقف أنه لا ينظر إلى نفسه باعتباره قائداً لدولة واحدة، وإنما كان همه الأساس هو الأمة الإسلامية."
وأشار إلى اهتمام القائد الشهيد الخاص بالشعب العراقي، قائلاً: "لقد أكد مراراً أن الشعب العراقي يحظى بمكانة خاصة لدى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وكان يتحدث عنه دائماً بروح أبوية. وفي المحطات المفصلية، ولا سيما أثناء اجتياح تنظيم داعش، كان لقراراته التاريخية والحكيمة دور حاسم في دعم الشعب العراقي."
وأضاف: "ورغم أن تشكيل الحشد الشعبي جاء استناداً إلى فتوى المرجعية الدينية في النجف الأشرف، فإن دور القائد الشهيد في تفعيل هذه الفتوى، ووضع الاستراتيجيات المناسبة، وتوجيه المسؤولين العراقيين، كان دوراً استثنائياً لا يمكن تجاهله."
كما أوضح أن المسؤولين العراقيين، سواء كانوا من مقلدي القائد الشهيد أم من غيرهم، لمسوا في مختلف المراحل أن توصياته كانت الأكثر دقة وحكمة في ما يخدم مصلحة العراق، الأمر الذي عزز ثقة الشعب العراقي به وزاد من محبته له.
وقال: "إلى جانب هذه المواقف، كان لطبيعة العلاقة الإنسانية والعاطفية التي أقامها القائد الشهيد مع الشعب العراقي أثر كبير في ترسيخ هذه المكانة."
الارتباط العاطفي والعقائدي بين الشعب العراقي وقائد الثورة الشهيد... علاقة تتجاوز السياسة
وفي معرض إجابته عن سؤال بشأن أبعاد العلاقة العاطفية والعقائدية التي ربطت الشعب العراقي بقائد الثورة الشهيد، قال الشيخ عمار البهبهاني: "إن الإجابة عن هذا السؤال تبدو من جهة واضحة وبديهية، لكنها من جهة أخرى ليست سهلة؛ نظراً لكثرة الخصائص المتميزة التي اجتمعت في شخصية القائد الشهيد."
وأضاف: "إن الشعب العراقي، ولا سيما فئة الشباب، يتميز بعاطفة جياشة، وقد أحب كثير منهم قائد الثورة الشهيد حباً صادقاً نابعاً من القلب. ولم تكن هذه المحبة مجرد انتماء سياسي، وإنما تأسست على معرفتهم بشخصيته، وسيرته، ومواقفه العملية."
وأشار أستاذ الحوزة العلمية إلى تأثير استشهاد قائد الثورة الشهيد في الرأي العام العراقي، قائلاً: "صحيح أن بعض الأشخاص كانوا قد تأثروا بالدعاية الإعلامية المغرضة، أو حاولوا اتخاذ موقف محايد تجاه شخصيته، إلا أن استشهاده أزال كثيراً من تلك الشبهات. وكما كان دمه الطاهر سبباً في زيادة وحدة الشعب الإيراني ويقظته، فقد أسهم أيضاً في العراق في تعريف كثير من الناس بحقيقة شخصيته ودوره التاريخي."
وأضاف: "اليوم يطرح كثير من الشباب العراقي سؤالاً مفاده: لو لم يكن قائد الثورة الشهيد على طريق الحق، فلماذا سعت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني بكل هذه القوة إلى اغتياله؟ ومن هذا المنطلق، أصبحت كيفية استشهاده بالنسبة إلى شريحة واسعة من العراقيين إحدى أوضح علامات حقانيته وتأثيره."
النظرة الأبوية إلى الشعب العراقي... أساس الرصيد العاطفي
وأكد الشيخ البهبهاني أن من أهم العوامل التي صنعت هذا الارتباط العاطفي، الطريقة التي تعامل بها قائد الثورة الشهيد مع أبناء الشعب العراقي، وقال: "لقد كان يذكر العراقيين دائماً بكل مودة واحترام، ويعبر في لقاءاته مع المسؤولين العراقيين، ومسؤولي المواكب الحسينية، والشعراء، والرواديد، وسائر الشخصيات الثقافية والدينية، عن محبته الصادقة لهم."
وأضاف: "لم تكن هذه الكلمات مجاملة أو بدافع المصلحة، وإنما كانت نابعة من إيمان حقيقي ومودة صادقة تجاه الشعب العراقي، ولذلك وصلت إلى قلوب الناس. وكما يقول المأثور الإسلامي: «ما خرج من القلب وقع في القلب»، وقد لمس العراقيون هذه الصدقية بوضوح."
الدفاع عن المظلومين... أحد أبرز أسباب شعبية قائد الثورة الشهيد
وفي جانب آخر من حديثه، أشار الشيخ البهبهاني إلى نهج قائد الثورة الشهيد في الدفاع عن الشعوب المظلومة، قائلاً: "لقد كان العراقيون يرون بوضوح أن قائد الثورة الشهيد يقف إلى جانب كل شعب مظلوم، سواء في مواقفه السياسية أو في السياسات والاستراتيجيات العامة للجمهورية الإسلامية الإيرانية."
وأضاف: "إن صموده في مواجهة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، ودعمه المستمر للشعوب المستضعفة، لم يكن في نظر العراقيين مجرد موقف سياسي، بل كان دليلاً على شجاعته وصدقه وإخلاصه للمبادئ الإسلامية، وهو ما زاد من مكانته ومحبوبيته بينهم."
الروابط الثقافية والتاريخية... عامل آخر في شعور العراقيين بالقرب منه
كما تطرق الشيخ البهبهاني إلى الجوانب الثقافية في شخصية قائد الثورة الشهيد، قائلاً: "إن إتقانه للغة العربية، واطلاعه الواسع على الأدب العربي، واهتمامه العميق بالتراث الأدبي العربي، كانت جميعها محل تقدير كبير لدى النخب العراقية."
وأضاف: "كان القائد الشهيد يستشهد في لقاءاته بأبيات من الشعر العربي عن ظهر قلب، بل وكان مطلعاً حتى على بعض ألوان الشعر الشعبي العراقي، وهو أمر ترك أثراً بالغاً في نفوس المثقفين والعلماء العراقيين، وعزز شعورهم بالقرب الثقافي منه."
وأشار أستاذ الحوزة العلمية أيضاً إلى اللقاء الذي جمع قائد الثورة الشهيد بالشاعر العراقي الكبير الراحل محمد مهدي الجواهري، موضحاً أن معرفته الدقيقة بأشعار الجواهري، والملاحظات التي دوّنها على قصائده، أثارت دهشة الشاعر العراقي نفسه؛ إذ لم يكن يتوقع أن يمتلك قائدٌ غير عربي هذا المستوى الرفيع من الإحاطة بالأدب العربي.
الشخصيات العراقية البارزة عززت الثقة الشعبية بقائد الثورة الشهيد
وفي جانب آخر من حديثه، أشار الشيخ عمار البهبهاني إلى الدور الذي أدته الشخصيات العراقية البارزة في ترسيخ مكانة قائد الثورة الشهيد في الوجدان العراقي، قائلاً: "إن المحبة الكبيرة التي أظهرها الشهيد أبو مهدي المهندس، وقادة الحشد الشعبي، وعدد من كبار علماء الحوزة العلمية في النجف الأشرف تجاه قائد الثورة الشهيد، كانت ذات دلالة عميقة بالنسبة إلى أبناء الشعب العراقي."
وأضاف: "لقد كان العراقيون يرون بأعينهم أن شخصيات عُرفت بالإخلاص والتضحية والحرص على مصلحة العراق، كانت تتحدث عن قائد الثورة الشهيد بكل احترام وإجلال، الأمر الذي عزز ثقة الناس بمكانته العلمية والروحية والقيادية."
وتابع قائلاً: "إن مجموع هذه العوامل جعل علاقة الشعب العراقي بقائد الثورة الشهيد تتجاوز حدود العلاقة السياسية أو علاقات الجوار بين البلدين، لتتحول إلى رابطة عقائدية وروحية وعاطفية عميقة، ازدادت رسوخاً مع مرور الزمن."
قائد الثورة الشهيد... شخصية تتجاوز الحدود الجغرافية وقائد لجبهة الحق
وفي ختام حديثه عن هذه المحاور، أوضح الشيخ البهبهاني أن طريقة طرح هذا السؤال تحتاج إلى مراجعة، قائلاً: "يُطرح أحياناً سؤال مفاده: كيف حظي قائد الثورة الشهيد بهذه المكانة في العراق رغم أنه كان قائد الجمهورية الإسلامية الإيرانية؟ لكن هذا السؤال، في نظر شريحة واسعة من العراقيين، ليس مطروحاً بهذه الصورة أصلاً."
وأضاف: "لقد أصبح قائد الثورة الشهيد، بفضل سنوات طويلة من الدفاع عن الأمة الإسلامية، ونصرة الشعوب المظلومة، وتعزيز الروابط بين شعوب المنطقة، شخصية تتجاوز حدود الانتماء الوطني، واستقر في قلوب كثير من العراقيين بوصفه قائداً ومقتدى وهادياً لجبهة الحق، لا مجرد قائد لدولة بعينها."
وأكد أستاذ الحوزة العلمية أن لقب "قائد الجمهورية الإسلامية الإيرانية" كان بالنسبة إلى كثير من العراقيين مجرد مسؤولية رسمية من مسؤولياته، أما مكانته الحقيقية فكانت تتمثل في مرجعيته الدينية، ودوره في الهداية، وقيادته المعنوية للأمة الإسلامية.
وأشار الشيخ البهبهاني إلى الإقبال الشعبي الواسع في العراق على استضافة مراسم تشييع قائد الثورة الشهيد، قائلاً: "إن إصرار مختلف شرائح الشعب العراقي على استضافة مراسم التشييع لم يكن نابعاً من اعتبارات سياسية، وإنما من إيمانهم العميق بمكانته الدينية والمعنوية."
وأضاف: "لقد كان العراقيون ينظرون إلى قائد الثورة الشهيد بوصفه نائباً للإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وقائداً لجبهة الحق، وشخصية أفنت عمرها في الدفاع عن الإسلام ومدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، ولذلك اعتبروا المشاركة في تشييعه وفاءً لقائد إلهي وأداءً لواجبهم تجاهه."
وأكد أن هذا الحضور الجماهيري الواسع سيحمل رسالة واضحة إلى المنطقة والعالم، مفادها أن القائد الديني والسياسي، إذا تحلى بالإخلاص، والعدالة، والدفاع عن المظلومين، فإنه يستطيع أن يتجاوز الحدود الجغرافية ويحتل مكانة راسخة في قلوب الشعوب.
التشييع المليوني... تجسيد عملي لمفهوم الأمة الإسلامية
وفي ختام المقابلة، تطرق الشيخ البهبهاني إلى الرسائل التي يحملها تشييع قائد الثورة الشهيد بالنسبة إلى مستقبل الأمة الإسلامية، قائلاً: "لقد نجح قائد الثورة الشهيد، طوال سنوات قيادته، في تحويل مفهوم الأمة الإسلامية من شعار نظري إلى حقيقة واقعية، إذ كان يحمل هموم العالم الإسلامي بأسره، ولم يكن يميز بين شعب وآخر، سواء في إيران أو العراق أو لبنان أو سوريا أو اليمن أو أي بقعة أخرى من العالم الإسلامي."
وأضاف: "وقد تجلت هذه الرؤية في محطات عديدة، ولعل أبرزها مرحلة الدفاع عن العتبات المقدسة ومواجهة الجماعات الإرهابية، حين لبّى الشباب الإيراني نداء الدفاع عن مقدسات العراق، وارتقى عدد منهم شهداء، كما قدم شباب العراق ولبنان وسائر شعوب المنطقة أرواحهم دفاعاً عن مراقد أهل البيت (عليهم السلام) ومواجهة الإرهاب."
وأوضح أن هذه الوقائع أثبتت أن الروابط بين شعوب الأمة الإسلامية لم تعد محصورة بالحدود السياسية، بل أصبحت قائمة على أساس الإيمان المشترك، والأهداف الواحدة، والشعور بالمسؤولية تجاه مصير الأمة.
وأضاف أن التشييع المهيب لقائد الثورة الشهيد يأتي امتداداً لهذا النهج، قائلاً: "إن المشاركة الواسعة لشعوب مختلفة في هذه المراسم تجسد عملياً فكرة الأمة الإسلامية، وتؤكد أن هذه الأمة قادرة على الاجتماع حول القيم المشتركة، والعدالة، ونصرة المظلومين."
وختم الشيخ عمار البهبهاني حديثه بالتأكيد على أن هذا الحضور المليوني، إلى جانب كونه تعبيراً عن وفاء الشعوب الإسلامية لقائد الثورة الشهيد، يحمل أيضاً رسالة واضحة إلى أعداء الأمة الإسلامية، مفادها أن مشروع وحدة الأمة لن يتوقف باستشهاد القادة الربانيين، بل سيزداد رسوخاً وقوة، وسيواصل مسيرته بثبات.
وأضاف: "لقد استطاع قائد الثورة الشهيد، بما تحلى به من إخلاص وعطاء وجهاد، أن يقرب قلوب شعوب الأمة الإسلامية بعضها من بعض، وستبقى هذه الثروة المعنوية إرثاً خالداً للأجيال ومستقبل العالم الإسلامي."
تعليقك