وفقا لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء الدولية ــ أبنا ــ تناول الكاتب والباحث الديني محمد حسين أمين، في مقالٍ خاص، الجوانب المميزة لإدارة قائد الثورة على مدى أربعة عقود في مواجهة مختلف الأزمات. وفي هذه الأيام التي يخيّم فيها الحزن على فراق هذا القائد البصير، فإن إعادة قراءة سيرته العملية ومدرسته في الإدارة لا تمثل مجرد مواساة، بل تشكل دليلاً للمستقبل. فقد كان، كالجبل الشامخ والشجرة الوارفة ذات الجذور العميقة، ثابتاً أمام عواصف الأحداث، وبسط بظلّه الطمأنينة على الأمة حتى تمكنت من عبور أصعب المراحل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجبل الراسخ للثورة
بقلم: محمد حسين أمين – كاتب وباحث ديني
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الاتصال بمنبع القوة... سرّ السكينة وسط العواصف
في عالم اليوم المضطرب، حيث تقوم المعادلات السياسية على موازين القوة المادية وحسابات الربح والخسارة، مثّل أسلوبه القيادي نموذجاً فريداً للارتباط بالله. فقد واجه أشد الأزمات بقلب مطمئن وإرادة صلبة، مستنداً إلى التوكل المطلق على الله والإيمان بنصره، وهو ما مكّنه من إحباط أكثر مخططات خصومه تعقيداً.
ويصف القرآن الكريم هذا الثبات بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾. وقد أثبتت هذه الشجرة الطيبة، على مدى أربعة عقود من الضغوط، أن الجذور الراسخة في الإيمان والتوكل لا تقتلعها العواصف، بل تثمر دائماً ثباتاً واقتداراً.
كما شبّه الإمام علي (عليه السلام) في نهج البلاغة الإنسان الإلهي بالجبل الراسخ الذي لا تزعزعه الرياح العاتية. وكانت قراراته الحاسمة في أحلك الظروف نابعة من الإيمان وأداء الواجب، لا من الخوف أو المصالح، فقاد سفينة المجتمع بثبات نحو برّ الأمان.
بصيرة نافذة... فنّ التمييز في أحلك الفتن
تُعدّ قيادة المجتمع في أوقات الفتن، حين يختلط الحق بالباطل، من أصعب مهام الإدارة. وفي مثل هذه اللحظات، كان يتمتع ببصيرة عميقة مكّنته من كشف وجوه التضليل سريعاً، ورسم الطريق الصحيح للرأي العام بلغة واضحة وبسيطة، حتى لا تضلّ الجماهير في ظلمات الشك.
وكان، بفضل إحاطته بمخططات قوى الاستكبار، يسبق مراكز التفكير المعادية بخطوات، فيتعامل مع بوادر الأزمات قبل تفاقمها. وفي هذا السياق، يقول الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «العالِمُ بِزَمانِهِ لا تَهجُمُ عَلَيهِ اللَّوابِسُ»، أي إن من يعرف زمانه لا تفاجئه الشبهات ولا تضلله.
وقد مكّنته هذه الرؤية العميقة من اتخاذ قرارات في أكثر اللحظات حساسية أدهشت حتى الساسة المخضرمين، كما نجح، وسط الضجيج الإعلامي، في توضيح الحقائق وتحصين المجتمع من اليأس والإحباط.
الإيمان بالشعب... مفتاح تجاوز العقوبات
إلى جانب التوكل على الله، كان الإيمان العميق بقدرات الشعب الركيزة الثانية في نجاح هذه المسيرة الممتدة لأربعين عاماً. فالعقوبات والضغوط الاقتصادية التي كان يمكن أن تُسقط أي نظام سياسي، تحولت، بفضل حضور الشعب وتفاعله، إلى فرصة لتعزيز الثقة بالنفس وتحقيق قفزات علمية وتنموية.
ويستند هذا النهج إلى سيرة النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل البيت (عليهم السلام)، الذين اعتبروا الأمة شريكاً أساسياً في صناعة القرار والصمود. ويؤكد القرآن الكريم هذه الحقيقة بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾، أي إن النصر يتحقق بعون الله وبمساندة المؤمنين.
وتتجلى ذروة الإدارة الناجحة في القدرة على تحويل أصعب التحديات إلى أفضل الفرص. فمن خلال الاعتماد على طاقات الشباب والإمكانات الوطنية، أرسى بنية مقاومة تنبع من الداخل وتستمد قوتها منه، لتغدو نموذجاً يؤكد أن الإيمان الصادق، إلى جانب شعب واعٍ ومتكاتف، قادران على تحويل المستحيل إلى واقع.
..........
انتهى/ 278
تعليقك