11 يونيو 2026 - 11:15
باحث معاصر: يجب أن تكون البحوث حول علوم القرآن بهدف تحقيق حلول لاحتياجات المجتمع

أوضح سيد مهدي مصطفوى أن "خروج البحوث القرآنية من الوضع الراهن يتطلب تغييرًا في المنظور والمنهج"، وقال: "ستُكسر هذه الحلقة المفرغة عندما نُخرج القرآن من مجرد كونه كتابًا مكتبيًا وندخله في نسيج حياة الناس والبيئة الحقيقية للقضايا الاجتماعية".

وفقا لما أفادته وكالة أنباء أهل البيت (ع) الدولية ــ قال الباحث الايراني في مؤسسة البحوث الاسلامية التابعة للعتبة الرضوية "سيد مهدي مصطفوي" إنه يمكن للعلوم القرآنية أن تكون أكثر تفاعلاً مع القضايا الاجتماعية والثقافية الناشئة. ينبغي لهذا المجال أن يتجاوز مجرد تفسير النص، وأن يتناول القضايا الراهنة بناء على الأهداف الکلیة، والروح السائدة، والتوجهات الأساسية للقرآن".

وأعلن عن ذلك، الباحث في العلوم القرآنية بمؤسسة البحوث الاسلامية التابعة للعتبة الرضوية المقدسة "سيد مهدي مصطفوي" في حوار خاص له مع وكالة الأنباء القرآنية الدولية (إكنا).

وأوضح قائلاً: "من أهم الأسئلة المطروحة في البيئة العلمية اليوم، إلى أي مدى يُصمَّم البحث القرآني ويُنفَّذ بطريقة تركز على الاحتياجات والقضايا الحقيقية للمجتمع؟ 

وقال: والواقع أن جزءًا كبيرًا من هذه البحوث لا يزال محصورًا في البيئة التقليدية والمكتبية، ونادرًا ما يتناول آلام المجتمع الملموسة والراهنة".

وأضاف: "يواجه مجتمعنا اليوم العديد من التحديات، منها الفجوة بين الأجيال، وأزمة الهوية لدى الشباب، والتغيرات الثقافية المتسارعة، والقضايا الأخلاقية الناشئة، وتعقيدات الفضاء الإلكتروني، والتغيرات الواسعة في أنماط الحياة الفردية والاجتماعية. ومع ذلك، لم تتمكن سوى عدد محدود من الدراسات البحثية في العلوم القرآنیة من الخوض في هذه المجالات الحساسة والملموسة نظرًا لطبيعتها الأكثر تحديًا، ولم يصبح هذا النهج سائدًا بعد."

أوضح سيد مهدي مصطفوى أن "خروج البحوث القرآنية من الوضع الراهن يتطلب تغييرًا في المنظور والمنهج"، وقال: "ستُكسر هذه الحلقة المفرغة عندما نُخرج القرآن من مجرد كونه كتابًا مكتبيًا وندخله في نسيج حياة الناس والبيئة الحقيقية للقضايا الاجتماعية". 

وأضاف: "بالطبع، قد يكون التوجه نحو القضايا الراهنة خطيرًا إذا لم يتم ذلك دون الدقة العلمية والمنهجية اللازمة. ولهذا السبب، بالإضافة إلى ضرورة تحديث البحوث القرآنية، يجب أن نكون حذرين من أن هذا المسار لا يؤدي إلى التفسير  بالرأي أو التبسيط المفرط أو الابتعاد عن المعايير الصحيحة لفهم النص الديني".

وصنّف هذا الباحث في مؤسسة العتبة الرضوية المقدسة للبحوث الإسلامية العوائق التي تحول دون تحويل بحوث العلوم القرآنية إلى حلول عملية ومؤثرة على ثلاثة مستويات: معرفي، ومنهجي، وهيكلي، وقال: "في المستوى الأول، لا يزال هناك نوع من النظرة التاريخية والتقريرية، وأحيانًا الصحفية، يسيطر على جزء من البحوث؛ نظرة تسعى أكثر إلى إعادة سرد الأقوال، ووصف الآراء، أو إعادة بناء تاريخي للمباحث، وتقلل من التفكير في كيفية أن تكون هذه المباحث فاعلة في حل قضايا المجتمع الراهنة".

وتابع: "في المستوى الثاني، نواجه عائقًا منهجيًا. فالعديد من الباحثين في العلوم القرآنية لا يزالون غير مطلعين بشكل كافٍ على الأساليب الحديثة لتحديد المشكلات، والتحليل الاجتماعي، والدراسات البينية. ونتيجة لذلك، حتى لو كانت لديهم الرغبة في الدخول في قضايا المجتمع الحقيقية، فإنهم لا يمتلكون الأدوات اللازمة لصياغة المشكلة بشكل صحيح وربطها بالمفاهيم والمقاصد القرآنية".

وأضاف مصطفوي: "العائق الثالث هيكلي، وحاليًا يتم إنتاج جزء كبير من الأطروحات والرسائل الجامعية دون طلب جاد للحصول على مخرجات تطبيقية. ومن ناحية أخرى، فإن المؤسسات الفاعلة في مجال القرآن في كثير من الحالات بعيدة عن المراكز الرئيسية لصنع القرار الثقافي والاجتماعي، وهذا الانفصال يؤدي إلى أن بحوث العلوم القرآنية، حتى لو كانت ذات قيمة علمية، نادرًا ما تجد طريقها إلى مجال السياسات، والتخطيط، وحل المشكلات".

ضرورة التنسيق الفعال للعلوم القرآنية مع قضايا المجتمع الناشئة
وأشار إلى أن العلوم القرآنية يمكن أن تكون أكثر تفاعلاً مع القضايا الاجتماعية والثقافية الناشئة، وقال: "يجب أن يتجاوز هذا المجال مجرد تفسير النص، وأن يتجه نحو القضايا المعاصرة بناءً على الأهداف الكلية، والروح السائدة، والتوجهات الأساسية للقرآن. بعبارة أخرى، المسألة ليست فقط تفسير النص، بل يجب أن يتضح ما هي الآفاق التحليلية والاستراتيجيات التي تقدمها التعاليم القرآنية في مواجهة الأوضاع الاجتماعية والثقافية الجديدة. على سبيل المثال، في قضايا مثل الأسرة والإعلام ونمط الحياة والهوية والأخلاق العامة والعدالة الاجتماعية، يمكن من خلال الرجوع المنهجي إلى القرآن استخلاص مبادئ ومعايير ونماذج تكون ذات صلاحية نظرية وتكون أيضًا مفيدة في مجال العمل لصياغة السياسات الثقافية والاجتماعية".

وتابع هذا الباحث في مؤسسة البحوث الإسلامية التابعة للعتبة الرضوية المقدسة: "في الفضاء الحالي، تعد قضايا مثل محو الأمية الإعلامية، والعيش في العالم الافتراضي، وعلاقة الفرد بالشبكات الاجتماعية، وإعادة تعريف الهوية، والعدالة في العلاقات الاجتماعية، وحتى قضايا مثل العدالة الجندرية، من المجالات التي تتطلب قراءة تحليلية ومعاصرة للمفاهيم القرآنية، وإذا تمت هذه القراءة بدقة علمية، يمكن أن تؤدي إلى فهم حديث وموثوق وعملي لقدرات القرآن في مواجهة القضايا الجديدة".

وأشار الى "النهج الذي يُعرف بالتطبيق المعاصر للمفاهيم القرآنية"، قال: "يهدف هذا المنهج إلى إعادة قراءة وشرح المفاهيم والقيم والتوجهات الكبرى للقرآن الكريم في ضوء واقعنا المعاصر، لا بمعنى فرض فرضيات جديدة وغير منظمة على النص، بل بهدف تعزيز فهم وتفعيل دور القرآن الكريم في توجيهنا في ظل الظروف الجديدة".

وتحدث مصطفوي عن دور الأطروحات والرسائل الجامعية في إنتاج النظرية وحل المشكلات ودعم صنع القرار الثقافي والاجتماعي، قائلاً: "لم يكن نصيب هذه الأعمال حتى الآن ذا أهمية كبيرة، ففي كثير من الحالات، تكتفي الأطروحات بمقارنة عدة وجهات نظر، أو تقرير آراء المفسرين، أو شرح قضية كلاسيكية، ونادرًا ما تتجه نحو إنتاج نظرية جديدة أو تقديم حل لمشكلة حقيقية في المجتمع.

وأضاف الباحث الايراني في العلوم القرآنية: "هذه المسألة لا تعني أن هذه البحوث تفتقر إلى القيمة العلمية، بل تشير إلى عدم وجود رابط فعال بين القدرة العلمية للجامعة والاحتياجات العملية للمجتمع، وإذا تشكل هذا الرابط، يمكن للأطروحات والرسائل أن تتجاوز مستوى النصوص الأرشيفية وتتحول إلى مصادر لصنع القرار الثقافي والتعليمي والاجتماعي، وفي الظروف الحالية، من الضروري أن يولي نظام التعليم العالي والمراكز البحثية، عند تحديد مواضيع البحث، اهتمامًا أكبر من ذي قبل للاحتياجات الحقيقية للمجتمع، والتغيرات الثقافية، والقضايا الناشئة، وعندها فقط يمكن توقع أن تقترب بحوث العلوم القرآنية من إنتاج نظريات فعالة وقابلة للاستخدام في المجال العام".

وعن الأولويات المستقبلية لهذا المجال، قال مصطفوي: "إذا أردنا أن تكون بحوث العلوم القرآنية مبتكرة علميًا وفعالة اجتماعيًا، فيجب التوجه إلى المجالات التي تثير المشكلات وتؤثر، ومن هذه المجالات يمكن الإشارة إلى الأخلاق في الفضاء الافتراضي، والأخلاق الطبية، والنماذج القرآنية لصياغة سياسات الأسرة، وعلاقة القرآن بالعدالة الاجتماعية، وكذلك القضايا المتعلقة بنمط الحياة والهوية".

وأضاف: "إن أزمة الهوية لدى جيل الشباب، وكيفية العيش الأخلاقي في الشبكات الاجتماعية، والاقتصاد المقاوم، وتطورات الأسرة، والتحديات المتعلقة بالعدالة، كلها من بين المواضيع التي يمكن أن تفتح آفاقًا جديدة للبحث في العلوم القرآنية. فهذه المواضيع لا تقتصر على كونها قريبة من احتياجات المجتمع الراهنة فحسب، بل تتميز أيضًا بقدرة عالية على الابتكار النظري ووضع أطر تحليلية جديدة".

وفي الختام، تحدث هذا الباحث في مؤسسة البحوث الإسلامية التابعة للعتبة الرضوية المقدسة عن المناهج المطلوبة لمستقبل هذه البحوث، قائلاً: "بالإضافة إلى المواضيع الجديدة، يجب أن يكون هناك تحول في المنهج أيضًا، فمناهج مثل التحليل التلوي، والمراجعة المنهجية والنقدية لمجموعة البحوث السابقة، والدراسات متعددة التخصصات، والتنظير القائم على البيانات الحديثة، يمكن أن تساعد في رفع جودة وفعالية بحوث العلوم القرآنية. يمكن للبحث القرآني أن يكون مؤثرًا في المجال العلمي والاجتماعي عندما يلتزم، من جهة، بالمتانة العلمية والمنهجية والدقة التفسيرية، ومن جهة أخرى، يدخل في حوار مع قضايا المجتمع الحية والحقيقية، وإذا تم النظر إلى هذين الجانبين معًا، يمكن للعلوم القرآنية أن تلعب دورًا أكثر فاعلية في فهم وتحليل وحتى حل جزء من المشكلات الثقافية والاجتماعية. مستقبل بحوث العلوم القرآنية مرهون بابتعاد هذا المجال عن تكرار المواضيع قليلة التأثير، وأخذ قضايا المجتمع الحقيقية على محمل الجد، والتحرك نحو إنتاج معرفة فعالة ومفيدة وقابلة للاستخدام في المجال العام، مع الحفاظ على الأسس العلمية".

.....................

انتهى / 323 

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha