وفقا لما أفادته وكالة أنباء أهل البيت (ع) الدولية ــ قال رجل الدين الإيراني "الشیخ علي رضا بيروزمند" إن الغدير ليس فقط نقطة انطلاق ولاية أمير المؤمنين (ع)، بل هو أيضا أساس للحكم العادل، ووحدة الأمة الإسلامية، وتنظيم طاقات المسلمين على طريق بناء الحضارة الإسلامية؛ وهي قدرة قادرة على تقديم نموذج مختلف للحياة الاجتماعية، على النقيض من الحضارة المادية الغربية.
وأشار إلى ذلك، حجة الإسلام والمسلمين "الشیخ علي رضا بيروز مند"، العضو في هيئة التدريس في جامعة الدفاع الوطني العليا في إیران، في حديث لوکالة "إكنا" للأنباء القرآنية الدولية بمناسبة عيد الغدير الأغر وتطرق إلى الأبعاد الحضارية والاجتماعية والسياسية لحادثة غدير خم.
وفي معرض ردّه على سؤال حول أهم سمات الحكم العلوي التي جعلته جديراً بمواصلة مسيرة الرسالة وحكم المجتمع الإسلامي، قال: "عند دراسة الحكم العلوي، تبرز أولى سماته، وهي الطاعة الكاملة لله عز وجل ولسنة رسول الله (ص)."
وأضاف: "قد كان أمير المؤمنين (ع) يعتبر نفسه ملزماً وملتزماً بتطبيق سنة النبي (ص)؛ فمن جهة، كان الإمام علي (ع) أقرب الناس إلى النبي (ص) علماً وأعلمهم بتعاليم وسيرة وسنة نبي الله (ص)، ومن جهة أخرى، كان أشدّ أنصار رسول الله (ص) نصرةً له في العمل والالتزام."
وأردف موضحاً: "قد تشكّلت شخصية أمير المؤمنين (ع) على غرار شخصية النبي (ص) ولذا كان في أسلوب حكمه ملتزماً التزاماً تاماً بتحقيق النهج النبوي وفكره".
وفيما يخص النظام الفكري لأمير المؤمنين (ع) ومكانة رضا الشعب واختيار المسؤولين، وعلاقتهما بتحقيق العدل في المجتمع، قال: "يؤكد أمير المؤمنين (ع) أن من لا يُنصف الشعب فهو ظالم، والله سيحاسب الظالم".
وتابع الشيخ بيروزمند قائلاً: "قد حذّر الإمام (ع) من عواقب الظلم، إذ أنه لا يؤدي فقط إلى انتهاك حقوق الناس، بل يُمهد أيضاً لسرعة العقاب الإلهي ونقص النعم، لذا، يُعدّ العدل والإنصاف مع الشعب من أهم واجبات الحكام المسلمين."
واستطرد مبيناً: "يذكر الإمام(ع) معياراً هاماً لاتخاذ القرارات في الحكم، وهو أن أكثر الأمور التي تحظى بشعبية لدى الحاكم هي تلك التي تتوافق مع الحق، وتُرسّخ العدل بأوسع معانيه في المجتمع، وتُحقق الرضا العام للشعب."
وأكدّ: "بناء على هذا، فإن معيار حكم المجتمع ليس تأمين مصالح فئات أو نخب محددة، بل كسب رضا الشعب العام ونشر العدل في أرجاء المجتمع."
وأضاف مشيراً إلى أقوال الإمام علي (ع)، قائلاً: "يؤكد أمير المؤمنين (ع) أن غضب وسخط عامة الناس أهم بكثير من سخط فئات محدودة تطالب بامتيازات خاصة؛ لذا، ينبغي على الحاكم أن يسعى دائما إلى تحقيق رضا العامة والحفاظ على صلته بمجتمعه."
في معرض ردّه على سؤال أنه كيف يمكن للغدير أن يلعب دورًا في تحقيق الحضارة الإسلامية الجديدة، وما هي العلاقة بين عقيدة الولاية ومستقبل العالم الإسلامي؟ قال: "يجب أولاً ملاحظة أن مسألة الحضارة الإسلامية الجديدة ليست مجرد قضية تتعلق بإيران أو حتى بالعالم الشيعي، بل هي قضية شاملة ومرتبطة بالأمة الإسلامية بأكملها. اليوم، يواجه العالم الإسلامي مواجهة حضارية، والمسلمون، بالاعتماد على تعاليم القرآن الكريم وسنة النبي الأكرم (ص)، لديهم القدرة على تقديم نموذج مختلف للحياة الفردية والاجتماعية للبشرية؛ نموذج يختلف اختلافًا جوهريًا في مبادئه وقيمه وأهدافه عن الحضارة المادية السائدة في العالم".
وأضاف: "بمعنى آخر، في هذا الصراع العالمي، يمكن للمسلمين، بالاعتماد على تعاليم القرآن وسنة النبي (ص)، أن يكونوا رسلًا لحياة جماعية بخصائص مختلفة تمامًا عن خصائص الحضارة الغربية للبشرية، وهذه قضية وجودية للعالم الإسلامي. من هذا المنظور، فإن الاستفادة من قدرات الإسلام لبناء حضارة جديدة ليست مجرد خيار، بل هي ضرورة تاريخية وحضارية للعالم الإسلامي".
وصرّح الشیخ علي رضا بيروزمند: "إذا لم يتمكن العالم الإسلامي من الاستفادة من هذه القدرة الهائلة، فسوف يخضع أكثر فأكثر للحضارة المادية الغربية، وهذا ظلم وإهدار لرأس المال وعدم تقدير للنبي الكريم (ص) وعائلته، وسيتأثر ويسيطر عليه النماذج المادية أكثر فأكثر، وهذا نوع من تجاهل رأس المال الهائل الذي وضعه النبي الأكرم (ص) والقرآن الكريم في أيدي المسلمين. لذلك، فإن مسألة بناء الحضارة الإسلامية هي قضية وجودية ومصيرية للأمة الإسلامية".
وقال العضو في هيئة التدريس في جامعة الدفاع الوطني العليا في إیران إن "أحد المحاور في نقاش بناء الحضارة هو مسألة الإمام والأمة. إذا لم يكن للأمة الإسلامية إمام؛ إمام عادل، شجاع، تقي، يتمتع بالفضائل الأخلاقية، ومحب للأمة الإسلامية والمستضعفين في العالم، فلن تكتمل مسألة بناء الحضارة الإسلامية".
وبیّن أنه "في غضون ذلك، يكتسب الغدير أهمية خاصة لأن أحد الأركان الأساسية لأي حضارة هو كيفية العلاقة بين الإمام والأمة، أو بعبارة أخرى، القيادة والمجتمع. المجتمع الذي يفتقر إلى قيادة صالحة، عادلة، شجاعة، تقية، محبة، وتتمتع بالفضائل الأخلاقية، لا يمكنه تنظيم قدراته بشكل صحيح واستخدامها في طريق التقدم. الغدير هو رمز استمرارية وتعيين الولاية الإلهية على الأرض، ويعبر عن ضرورة وجود قيادة إلهية لهداية المجتمع نحو الصلاح والكمال".
وأكد الشيخ بيروزمند أنه "كان أمير المؤمنين (ع) في أوج الفضائل الإنسانية والأخلاقية والإدارية، ولهذا السبب كان مؤهلاً لقيادة الأمة. على الرغم من أنه في عصر الغيبة لا يمكن الوصول إلى تلك المرتبة الكاملة من القيادة، إلا أن المجتمع الإسلامي يجب أن يقترب قدر الإمكان من نموذج الحكم والإدارة القائم على القيم العلوية. من هذا المنظور، يلهم الغدير هذه الحقيقة بأن إدارة المجتمع يجب أن تُعهد إلى الأفراد الذين يتمتعون بالعدل والتقوى والشجاعة والمحبة والالتزام بمصالح الناس أكثر من غيرهم".
وقال إنه "من ناحية أخرى، يتطلب بناء الحضارة الإسلامية أن يعتبر العالم الإسلامي نفسه جسدًا واحدًا. هذا لا يعني تجاهل الحدود الجغرافية أو الهياكل السياسية للدول الإسلامية، بل يعني أن المسلمين يجب أن يصلوا إلى مستوى من النضج والتضامن بحيث يعتبرون مصالحهم ومصيرهم مترابطين، ويتصرفون كأمة واحدة في مواجهة القضايا الكبرى للعالم الإسلامي".
وأردف مبيناً أنه "بناءً على ذلك، فإن الغدير ليس مجرد تذكير بحدث تاريخي، بل هو نموذج لتنظيم قدرات الأمة الإسلامية في طريق تحقيق مجتمع عادل، وفي النهاية، الحضارة الإسلامية الجديدة.كلما انتشرت تعاليم الولاية والعدالة والمسؤولية والتضامن الإسلامي التي تجلت في الغدير في المجتمعات الإسلامية، كلما توفرت الأرضية لتشكيل حضارة قائمة على الروحانية والكرامة الإنسانية والعدالة".
.....................
انتهى / 323
تعليقك