10 مايو 2026 - 18:48
"ينتقون أهدافهم بهدوء".. صيادو حزب الله يطاردون الجنود الإسرائيليين بثكناتهم

تتصدر المشاهد التي ينشرها حزب الله اللبناني بصفة شبه يومية اهتمام الأوساط الإعلامية والسياسية في إسرائيل، على وجه الخصوص تلك التي توثق استهداف الجنود الإسرائيليين بشكل مباشر بالمسيّرات المفخخة داخل الأراضي اللبنانية.

وفقا لما أفادته وكالة أنباء أهل البيت (ع) الدولية ــ لم يعد الأمر يقتصر على ضربات عسكرية تقليدية، بل تحول إلى ما يشبه "المطاردة" الممنهجة، وقد نشر إعلاميون إسرائيليون مقطع توثيق مسجل من كاميرات مراقبة يظهر طائرة بدون طيار مفخخة تتبع لحزب الله، وهي تجوب سماء قرية "كفر غلعادي" في إصبع الجليل شمالي إسرائيل بكل حرية، في مشهد يعكس حجم التهديد والاختراق الجوي.

مطاردة في قلب المواقع المستحدثة

شكل الحادثان الموثقان في مطلع مايو/أيار الجاري نقطة تحول في فهم التكتيك الجديد الذي يتبعه مشغلو المسيرات، ففي السادس من الشهر الجاري، نشر حزب الله مقطع توثيق لاستهداف تجمع للجنود في بلدة "البياضة"؛ حيث ظهرت الطائرة المفخخة وهي تسير بطريقة هادئة، وتمر من بين تجمع الآليات حتى وصلت إلى مقر مستحدث لجيش الاحتلال، وطاردت المسيرة الجنود الذين كانوا يهرعون للاختباء داخل المبنى، واصطدمت عند الباب بالجنود الذين لم يلحقوا بالدخول للاحتماء.

وبعد يومين فقط، نشر الحزب توثيقا جديدا لاستهداف دبابة "ميركافا" في موقع "نمر الجمل" المستحدث مقابل "علما الشعب" في جنوب لبنان، ويظهر المقطع المصور توجيه المسيرة بطريقة مدروسة وعناية فائقة، حيث انقضت على الموقع المحصن بالسواتر الترابية والتجهيزات، وما إن وصلت إلى الدبابة، حتى خرج جندي إسرائيلي يقفز من الآلية ويفر للهروب من الاستهداف المباشر.

وتظهر هذه التوثيقات 3 معطيات في سياق المعارك الدائرة:

المعطى الأول: عملية الرصد المتقدمة التي ينفذها حزب الله لمواقع تمركز الجيش داخل الأراضي اللبنانية، وهو ما ساعد في استهداف مواقع مستحدثة في "البياضة" و"علما الشعب".

المعطى الثاني: انعدام الوقت؛ حيث لم يكن لدى الجنود الوقت الكافي لاستخدام أي نوع من الأسلحة المضادة للمسيرات، في حال كان لديهم من الأصل.

المعطى الثالث: القدرة الواضحة والاحترافية لدى مشغلي المسيرات في توجيه الطائرة نحو أهداف حيوية قادرة على إلحاق خسائر بشرية محققة في صفوف الجنود.

وقد التقط الصحفي الأمريكي إيثان ليفنز هذه الدلالات، وعلق على المشاهد بقوله إن "مشغلي مسيرات حزب الله لم يعودوا في حالة عجلة، بل باتوا يختارون الأهداف؛ حيث يستطلع المشغل المعسكر، ثم يختار هدفه بعناية"، ووصف ليفنز هذا التطور بأنه يمثل أخبارا مرعبة للجيش الإسرائيلي.

100 إصابة وتكتيك الاستهداف المزدوج

وفق تقرير مفصل نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" ، فقد أصيب أكثر من 100 جندي ومجندة جراء المسيرات منذ استئناف القتال في لبنان.

وتزرع هذه الطائرات الخوف والعجز في قلوب القوات الإسرائيلية، خاصة مع اعتماد حزب الله على تكتيك "الاستهداف المزدوج"، الذي يتمثل في إطلاق النار أو تفجير مسيرة مرة واحدة، ثم إرسال طائرة مسيرة أخرى لتستهدف قوات الإنقاذ.

وفي نهاية الأسبوع الماضي، شهدت جبهة جنوب لبنان حوادث قاسية عدة، فقد أصيب جنود من جيش الاحتلال جراء مسيرات حزب الله التي تعمل عبر الألياف الضوئية، حيث أصيب جندي احتياط بجروح خطيرة، كما أصيب ضابط وجندي آخر بجروح متوسطة إثر انفجار مسيرات مفخخة داخل إسرائيل بالقرب من الحدود اللبنانية.

وفي حادث آخر، أطلق الحزب مسيرات مفخخة نحو القوات العاملة في جنوب لبنان، فأصابت إحداها آلية هندسية غير مأهولة وألحقت بها أضرار مادية، وفي يوم الجمعة، أصيب 3 جنود إثر انفجار مسيرات مفخخة؛ حيث انفجرت إحداها قرب "رأس الناقورة" مما أدى إلى إصابة جنديين بجروح خطيرة ومتوسطة، بينما انفجرت أخرى قرب القوات داخل الأراضي اللبنانية وأسفرت عن إصابة جندي بجروح متوسطة.

عجز تكنولوجي ومناشدات لجمع التبرعات

وفي شهادة تعكس حجم التهديد بالنسبة للجنود الإسرائيليين، أوضح رقيب في قوات الاحتياط يُدعى "هـ" للصحيفة الإسرائيلية أن هناك منظومة تصويب تسمى "الخنجر"، قادرة على تتبع الأهداف المتحركة، لكن الجيش لا يملك الكثير منها، ولا تتوفر أي منها لدى القوة الحالية.

وأضاف أن الطائرات المسيرة في جولات سابقة كانت تصدر ضجيجا مرتفعا يسهل سماعه، لكن في الوقت الحالي بالكاد يمكن سماعها، وهو ما يترك الجنود في حالة من العجز التام.

وفي ظل هذا التخبط، بدأت بعض القوات ترتجل حلولا ميدانية باستخدام "شباك الصيد" التي حصلت عليها القوة بجهد ذاتي، بهدف إبعاد نقطة اصطدام المسيرة لتخفيف الإصابة وتجنب الموت.

والمفارقة أن الجنود باتوا يقومون بجمع تبرعات لشراء هذه الشباك من خلال نشر روابط يطلبون فيها المال من المدنيين لشراء معدات تنقذ حياتهم، في حين يُفترض بالجيش توفيرها.

وقال الرقيب إن الجنود كمقاتلين لا يفهمون كيف ينجح جيش الدفاع في الوصول إلى قدرات اعتراض خارج الغلاف الجوي، وفي النهاية يقف بغير أي قدرة على الرد أمام مسيرات مفخخة من موقع "علي إكسبريس".

وينتقد هؤلاء انشغال الحكومة بقضية التهرب من التجنيد في وقت يحتاج فيه الجنود، الذين يخدمون للمرة السادسة بعد عامين ونصف من الحرب، إلى حلول فعلية لمنع فقدان أطرافهم أو حياتهم.

وبحسب الجيش، تم تعيين قائد القوات البرية العميد "ع" (وهو طيار سابق) لإيجاد حلول، بينما تدرس لجان مختصة توفير حلول عبر شباك الحماية، وتحسين الرادارات، وتطوير قدرات الاعتراض عبر استخدام بنادق الصيد للمسافات القصيرة.

خلايا "الصيادين".. التكنولوجيا تتجاوز الرادارات

من جهته، كشف تقرير موقع "ماكو" الإسرائيلي عن تحدي "الألياف الضوئية" الذي يرهق الجيش؛ حيث باتت المسيرات الموجهة بهذه التقنية هي المشكلة الرئيسية للقوات في لبنان، ومن بين 160 إلى 200 مسيرة أطلقت في الفترة الأخيرة، كانت نسبة 90% منها تعمل بهذه التقنية التي لا يمكن التشويش عليها.

وتقدر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن حزب الله يشغل نحو 100 عنصر مدرب يطلق عليهم اسم "الصيادين"، وهم يعملون في خلايا صغيرة ومشتتة تنشط من داخل بيئات مختلفة ومفتوحة، ورغم توفير الجيش لبعض الحلول والأدوات للتعامل مع المسيرات، تبقى هذه الحلول تتطلب يقظة عالية، وفي الغالب لا يتم اكتشاف المسيرات إلا بعد فوات الأوان.

واعترف أحد القادة الميدانيين في اللواء (226) بصعوبة التعامل مع هذا التهديد، مع الإشارة إلى أن التوجيهات تقتصر على مطالبة الجنود باليقظة وإطلاق النار عند رصد المسيرة.

وتكمن الصعوبة في أن القوات الإسرائيلية تصبح ثابتة في أثناء القتال المستمر، مما يؤدي إلى تراجع اليقظة العملياتية لدى الجنود، في الوقت نفسه، يبدو أن الصراع على التفوق الجوي في الطبقات القريبة من الأرض سيظل التحدي الأبرز لجيش الاحتلال في المرحلة المقبلة.

سقوط معادلة الشمال

مع تصاعد الهجمات النوعية والإخفاق في مواجهتها، تعالت أصوات النخبة السياسية والمحللين للمطالبة باستخدام الكثافة النارية ضد لبنان، وعلق "أور فيالكوف"، خبير استخبارات المصادر المفتوحة، على مشهد استهداف قاعدة "عيتا الشعب" بقوله إنه لا توجد شباك حماية، ولا يوجد أي دفاع، وهذا حدث لم يكن من المفترض أن يقع.

وكتب وزير الدفاع السابق "يوآف غالانت" أن "وقاحة حزب الله لا تعرف حدودا في ظل وهن حكومة إسرائيل"، مع التأكيد أن دماء سكان الشمال وجنود جيش الدفاع ليست مستباحة.

وطالب بأن "ترتعد بيروت وبعلبك والنبطية وصيدا تحت نيران جيش الدفاع ولساعات طويلة في كل حالة إطلاق نار تستهدف إسرائيل"، مع التحذير من التفريط في "إنجازات" عام 2024 التي منحتهم حرية مهاجمة كل هدف يتبع للحزب في لبنان حتى الشهر الماضي.

وفي إذاعة الجيش، طالب المحلل السياسي "يعقوب باردوغو" بوضع معادلة جديدة في لبنان، بحيث يتم الرد على أي حدث واحد يخص الطائرات المسيرة بضربة نار تزيد بمقدار 20 مرة.

من جانبه، شن رئيس أركان الجيش الأسبق "غادي آيزنكوت" هجوما لاذعا، لوصف ما جرى ظهيرة الجمعة بأنه "روتين جولات"؛ حيث يقبع المدنيون في الملاجئ ويصاب مقاتلو جيش الدفاع بمسيرات انقضاضية تتبع لحزب الله.

واعتبر آيزنكوت أن هذا الوضع، بعد أكثر من عامين ونصف من الحرب، يمثل دليلا آخر على فشل الحكومة وحقيقة أنها فقدت الشمال، مع المطالبة بالتوقف عن شعارات "النصر المطلق" في وقت يعيش فيه إقليم كامل تحت رحمة حزب الله، وفي حين يتواجد جنود الجيش في لبنان بلا مهمة واضحة وهم مقيدون بتصاريح فتح النار من الولايات المتحدة.

ولخص زعيم حزب "إسرائيل بيتنا" المعارض، "أفيغدور ليبرمان"، حالة العجز بالقول إن الشمال تحت النار بلا توقف، وإن سكان الشمال والجنود في الجبهة يتعرضون للإهمال بصفة تامة، مع التأكيد أنه لا يمكن الاستمرار في العيش ضمن واقع يفرضه التهديد الأمني من جولة إلى جولة.

تعليقك

You are replying to: .
captcha