3 يوليو 2026 - 10:24
السيد محمد مهدي نجل شهيد الأمة يروي عن لحظات من الذاكرة والوفاء للشهيد الخامنئي

مع اقتراب مراسم تشييع قائد الثورة الإسلامية، السيد الإمام الذي قدّم حياته دفاعاً عن شعبه ووطنه، استحضر السيد محمد مهدي نصر الله، نجل السيد حسن نصر الله، شهادة مطوّلة في محطات مفصلية من الذاكرة السياسية والروحية، وتفتح نافذة على مسار طويل من التفاعل بين شخصيات شكّلت جزءاً كبيراً من تاريخ المنطقة المعاصر، وفي مقدمتها قائد الثورة الإسلامية الإمام الشهيد السيد علي خامنئي.

وفقا لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء ـ ابنا ـ مع اقتراب تشييع قائد الثورة الإسلامية الإمام السيد علي الخامنئي(رض)، يقدّم السيد محمد مهدي نصر الله لـ"تسنيم" شهادة نادرة تستحضر محطات العلاقة الروحية والسياسية بين والده الشهيد وقائد الثورة، في نصّ يتجاوز التأبين إلى تاريخ من المقاومة والولاء.

أمل شبيب
مع اقتراب مراسم تشييع قائد الثورة الإسلامية، السيد الإمام الذي قدّم حياته دفاعاً عن شعبه ووطنه، استحضر السيد محمد مهدي نصر الله، نجل السيد حسن نصر الله، شهادة مطوّلة في محطات مفصلية من الذاكرة السياسية والروحية، وتفتح نافذة على مسار طويل من التفاعل بين شخصيات شكّلت جزءاً كبيراً من تاريخ المنطقة المعاصر، وفي مقدمتها قائد الثورة الإسلامية الإمام الشهيد السيد علي خامنئي.

هذه الشهادة لا تأتي بوصفها سرداً شخصياً فحسب، بل كقراءة داخلية لمشهد امتد لعقود، تداخلت فيه القيادة بالفكر، والسياسة بالبعد الرمزي، في سياق أعاد تشكيل ملامح المشهد الإقليمي.

إنه نصّ يتجاوز حدود التأبين التقليدي، ليقترب من أرشفة الذاكرة السياسية والوجدانية لجيل كامل، صنع حضوره في لحظات التحول الكبرى، وترك أثره في بنية الأحداث الممتدة حتى اليوم.

كتب السيد محمد مهدي نصر الله معزياً في القائد الأممي الشهيد:
ونحن على أعتاب تشييع قائدنا العظيم، الشهيد آية الله العظمى وليّ أمر المسلمين سماحة الإمام علي الحسيني الخامنئي (قدّس سرّه)، أحبّ أن أشير إلى العلاقة الاستثنائية التي جمعت بينه وبين والدي الشهيد، سماحة السيد حسن نصر الله (رضوان الله تعالى عليه). وهي علاقة لم تبدأ بعد تولّي الإمام الخامنئي قيادة الثورة الإسلامية، ولا بعد تسلّم السيد للأمانة العامة، بل تعود إلى سنوات سبقت ذلك، حيث نشأت مبكراً وترسّخت مع الأيام.

وعن تولي السيد الخامنئي قيادة الأمة كتب السيد محمد مهدي نصرالله:
رغم ما كان يعتري الكثيرين من القلق بشأن المرحلة اللاحقة لرحيل الإمام الخميني (قدّس سرّه)، فإنّ سماحة السيد استقبل خبر انتخاب الإمام الخامنئي قائداً للأمة بفرح كبير وبشائر خير، لِما كان يعرفه فيه من حكمة وبصيرة وكفاءة قيادية، ولما كان يحمله له من ثقة عميقة. ومنذ تلك اللحظة تعامل معه بوصفه وليّ أمر المسلمين ونائب الإمام صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، فكان أطوع له من بنانه.

وعن الطاعة المحببة والعميقة عند شهيد الأمة للولي الفقيه أكمل السيد نصر الله كاتباً:
لم يكن مفهوم الطاعة عند سماحة السيد يقتصر على امتثال أوامر الوليّ واجتناب نواهيه، بل كان أوسع من ذلك وأعمق، فهو كان يرى أنّ من تمام الطاعة أن نفعل ما نحتمل أنّ الوليّ يحبّه، وأن نترك ما نحتمل أنّه يكرهه، ليس فقط من دون أمر مباشر أو نهي صريح، بل بمجرّد ورود الاحتمال نتصرّف على أساسه. هكذا كانت علاقته بالولي الفقيه المعظّم.

ولم تكن تلك العلاقة علاقة طاعة فحسب، بل كانت علاقة عشق أيضاً. كيف لا، وهو القائل: "بالنسبة لنا، وليّ الأمر ليس فقط يأمر وينهى، بل نحن نعشقه، لأنّ الولاية تعني العشق".

وعن الإرتباط الروحي لشهيد الأمة بالشهيد السيد القائد استذكر السيد محمد مهدي نصرالله لحظات خاصة عن العشق المقدس قائلاً:
كنت أرى هذا العشق بعيني. فكم جلست إلى جانبه وهو يتابع خطابات الإمام الخامنئي على شاشة التلفاز، فأراه محدّقاً في وجهه المبارك بكل حضور وانجذاب، فيكون منفصلاً عمّا حوله، لا يشغله شيء عن الإصغاء إليه. وقد شاهد الناس جميعاً في المقاطع المنشورة من اللقاءات التي جمعتهما مقدار الأدب والمحبة والاحترام الذي كان السيد يُظهره في حضرة الإمام الخامنئي، في وقوفه وجلوسه وحديثه وسلوكه بجانبه.

وحول محبة القائد الشهيد لسيد شهداء الأمة أضاف السيد نصر الله:
وكما كان السيد يُكنّ للإمام الخامنئي هذا الحب العظيم، فقد علمنا من العائلة والمقرّبين أنّ الإمام الخامنئي كان يبادله المحبة نفسها، وكان يستبشر بلقائه ويفرح بقدومه، حتى كانوا يذكرون أنّ آثار ذلك الفرح كانت تبقى بادية على وجهه المبارك أياماً بعد لقاء سماحة السيد.

هذا ما كان يراه الناس من ظاهر العلاقة بينهما، أمّا باطنها فأعمق وأسمى. فبين رجلٍ كان يدعو الله أن يأخذ بقية عمره ويزيدها في عمر وليّه، وإمام وصف السيد بقوله: «أخي وعزيزي ومبعث افتخاري...»، قامت علاقة لا يمكن للكلمات أن تحيط بعمقها وصدقها، علاقةٌ مبنيّة على حبّ الله ورسوله وأهل بيته.

وعن محطات اللقاء بين السيد محمد مهدي نصرالله والسيد الإمام الخامنئي، يذكر السيد نصرالله أولى الزيارات وما بعدها والتشرّف بخدمته:
خلال إحدى زيارات والدي الشهيد، سماحة السيد حسن نصر الله (رضوان الله عليه) إلى الجمهورية الإسلامية للقاء سماحة القائد، اصطحبني معه، وكانت المرّة الأولى التي تشرّفت فيها برؤية الوجه النوراني لسماحة الإمام الخامنئي (قدّس سرّه) وبقي لقائه حُلُماً يراودني الى أن التقيته اللقاء الثاني بعد شهادة والدي، وما تلا ذلك من لقاءات معدودة كانت في تلك الفترة الفاصلة بين شهادة سماحة السيد وشهادة الإمام (رضوان الله تعالى عليهما).

وقد وفّقني الله تعالى في عدد من تلك الزيارات لخدمة سماحته، وكان الإمام الخامنئي يقول لي في أكثر من مناسبة إنّ مقام سماحة السيد حسن نصر الله في الجنّة في ارتفاع مستمر، وأنّه لا ينساه أبداً.

وفي خصال وفضائل القائد الشهيد، وكيف كان يراها شهيد الأمة يقول السيد نصر الله:
لطالما كنّا نسأل سماحة السيد عن الإمام الخامنئي (رضوان الله تعالى عليهما)، فكان يجيبنا بشوق ظاهر ولهفة تنمّ عن محبة لا نظير لها. وكان يفيض في الحديث عن خصاله وفضائله، ويثني على شخصيته وقيادته، إلا أنّ أكثر ما كان يحرص على بيانه لنا هو مظلوميته، وما تحمّله من أعباء وآلام في سبيل الإسلام والأمة.

وقال لي في احدى المرّات أن أتعلّم اللغة الفارسية لكي استمع خطابات القائد مباشرةً منه، دون الاعتماد على الترجمة، لأن هذا الأمر وحده له من الاستفادة والبركات ما يكفي لبذل الجهد والوقت لتعلّم لغة أخرى من أجله، وبدأتُ مباشرةً بتعلّمها.

يستفيض السيد محمد مهدي نصر الله، في حديثه عن القائد الشهيد، مضيفاً:
لا عجب أن يكون الإمام الخامنئي (قدّس سرّه) قائداً استثنائياً، فمن يتأمّل في سيرته الشخصية يدرك بعضاً من أسرار هذه العظمة. فمنذ نعومة أظفاره ارتبط بالقرآن الكريم، فبدأ تعلّمه وهو في الخامسة من عمره، وظلّ ملازماً له حتى آخر أيام حياته المباركة، فالجلسة الأخيرة التي عقدها قبل أيام قليلة من استشهاده كانت جلسة أُنسٍ بالقرآن الكريم، بل حتى في لحظات شهادته كان مشغولاً بتلاوة كلام الله عز وجل ولقي الله على ذلك الحال.

فلا غرابة أن يصنع الإسلام والقرآن الكريم شخصيةً بهذه العظمة، ولا عجب أن يخرّجا قائداً بهذه البصيرة والثبات. وكيف يمكن للكلمات أن تُحيط بشخصية استثنائية قدّمت لله كلّ ما تملك، وعانت في سبيله كلّ صنوف العناء، من السجن والأسر، إلى النفي، ومحاولات الاغتيال، والجراح، وغيرها، حتى ختم مسيرته ببذل النفس والروح في هذا الخط المبارك، الخطّ نفسه الذي قدّم فيه سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) نفسه الزكية، وأهل بيته وأصحابه قرابيناً، حفاظاً على دين الله وإصلاحاً في أمة جدّه رسول الله (ص).

ويكمل السيد محمد مهدي نصر الله، مستحضراً ثمار هذه التربية الربانية:
لقد ربّى الإمام الخميني والإمام الخامنئي، ومعهما ثلّةٌ من العلماء والمجاهدين والثوريين مثل سماحة السيد حسن نصر الله، أجيالاً واعيةً ومثقفةً ومدركةً لحقيقة الصراع ومسؤولةً تجاه قضايا أمتها. واليوم أصبح الناس أكثر وعياً وبصيرة من أي وقتٍ مضى، ببركة كلماتهم وجهادهم ودمائهم الزكية التي كشفت الحقائق وأزالت كثيراً من الغموض والالتباس.

ولذلك، ليس هناك موجب للخوف على الأجيال القادمة، فهي ثمرة تربية هؤلاء العظماء، بل أعتقد أنّ الإمام الخامنئي الشهيد سيكون بعد ارتقائه أكثر حضوراً وقوة وأشدّ تأثيراً، كما هي سنّة القادة الربانيين الذين تمتد رسالتهم بعد شهادتهم ولا تنتهي بها.

ويكمل نجل شهيد الأمة، مستبشراً بالقيادة الجديدة لسماحة السيد مجتبى الخامنئي، فيؤكد:
كما أنّ موقع القيادة ليس خالياً حتى يُخشى على مستقبل الأمة. ومن أُنيطت به هذه المسؤولية ليس شخصاً عاديّاً، بل إنّ سماحة آية الله السيد مجتبى الحسيني الخامنئي (روحي فداه) صاحب شخصية استثنائية. ولا أقول ذلك بدافع العاطفة، وأعتقد أنّ الأيام ستكشف للناس شجاعته وحكمته وجوانب شخصيّته الفذّة إن شاء الله. لا خوف على الأمة ما دامت متمسكةً بقيادته، مطيعةً لأمره، وسائرةً تحت ظلّه المبارك.

وللمشيعين في ايام التشييع المبارك، توجه السيد نصر الله برسالة قال فيها:

إلى المشيّعين الكرام...

حان وقت الحزن والبكاء الذي كان مؤجّلاً، حان وقت توديع الأجساد المباركة ودفنها في القلوب لتحيا فينا أبداً ما بقينا. غير أنّ عزاءنا بالإمام الشهيد هو من جنس عزائنا بسيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام)، كما قال الإمام الشهيد في حديثه عن عزائنا بسماحة السيد حسن نصر الله (رضوان الله عليه).

عزاءٌ باعثٌ على التمسّك بالقيم والمبادئ أكثر من ذي قبل...

اغضبوا لله، وقوموا لله، فلن نترك الثأر، ولن نسامح...

ولإمامنا وقائدنا الشهيد نقول: والله لن يذهب دمك هدراً، بل سنحمل رسالتك، ونواصل نهجك، نهج أجدادك الأطهار، وسنكمل الطريق الذي رسمته بدمك، حتى نبلغ إحدى الحسنيين، وسندافع عن الإسلام بأرواحنا ودمائنا، وبكل ما نملك. ستبقى قبضاتنا مرفوعة، وستظل أيدي أبطالنا على الزناد حتى يُقام الحق، وتبقى كلمة الله هي العليا.

وكما كنّا نخاطبك في حياتك، نخاطبك اليوم بعد شهادتك، ونجدّد العهد أيضاً لإمامنا وقائدنا، سماحة آية الله السيد مجتبى الحسيني الخامنئي (روحي فداه)، فنقول:

"والله يا سيدنا وإمامنا، لو أنّا نعلم أننا نُقتل، ثم نُحرَق، ثم نُنشر في الهواء، ثم نُحيا، ثم نُقتل، ثم نُحرَق، ثم نُنشر في الهواء، ويُفعل بنا ذلك ألف مرّة، ما تركناك يا ابن الحسين (عليه السلام)".

..................

انتهى / 232

تعليقك

You are replying to: .
captcha