25 مايو 2026 - 09:53
قراءة في كتاب (المنظومة الفكرية لابن أبي جمهور الأحسائي)

يمثل هذا الكتاب "المنظومة الفكرية لابن أبي جمهور الأحسائي" بحق إضافة مهمة إلى الدراسات المعاصرة في الفكر الإسلامي، إذ يسهم في إعادة قراءة مشروع ابن أبي جمهور الأحسائي من زاوية تكامل الحقول المعرفية.

وفقا لما أفادته وكالة أنباء أهل البيت (ع) الدولية ــ في البدء لابد من كلمة بحق الأستاذ الأخ الباحث علي باقر الموسى الذي تصدّى لجمع مؤلفات ابن أبي جمهور الأحسائي المخطوطة، ثم تحقيقها وطبعها ونشرها، فمن هنا يُعدّ عمل أخينا المجد علي باقر الموسى خدمة جليلة للتراث الإسلامي، حيث لم يقتصر جهده على الجمع المادي للمخطوطات المتناثرة، بل تجاوز ذلك إلى تحقيقها بعناية علمية سواءً بنفسه أو توزيع البحوث الى محققين أفاضل بمستوى المسؤولية والأمانة العلمية ليقوموا بتحقيق هذا التراث الإسلامي الأصيل، وإخراجها في صورة تليق بقيمتها الفكرية والتاريخية؛ لذلك فإن إحياء تراث ابن أبي جمهور الأحسائي، بما يحمله من عمق فقهي وفلسفي، يُعدّ إحياءً لجزءٍ مهمٍ من الذاكرة العلمية التي كادت أن تندثر.

ومن الطبيعي إن مثل هذا المشروع يتطلب صبرًا طويلًا، ودقّة في المقابلة بين النسخ، وفهمًا عميقًا بمضامين النصوص، وهو ما يعكس الإخلاص للعلم واهله من قبل الموسى وفريق المحققين معه، وبنشر هذه المؤلفات، فتح الباب أمام الباحثين وطلبة العلم للاطلاع على كنوز كانت حبيسة الرفوف، وأسهم في إعادة إدماج هذا التراث في دائرة البحث والدراسة، فله وللأساتذة المحققين الشكر والتقدير على هذا الجهد المبارك، الذي يُعدّ نموذجًا يُحتذى في خدمة التراث وتحقيقه، وجسرًا يصل الماضي العلمي بالحاضر.

ويجدر ذكره هنا فإن كل من يريد أن يطّلع على الفكر الفلسفي الشيعي الاثنا عشري ما عليه إلا بمراجعة هذه المنظومة الفكرية المباركة، والتي تُعدُّ بنظري القاصر منظومة متكاملة تبرز الفكر الفلسفي الشيعي الاثنا عشري بكل أمانة علمية، معتمدًا على الأدلة الفلسفية والفكرية كل مسألة في مظانها وموقعها. ومن هنا فإنَّ كتاب “المنظومة الفكرية لابن أبي جمهور الأحسائي” يُعنى بدراسة فكر ابن أبي جمهور الأحسائي، بوصفه أحد النماذج الفكرية التي سعت إلى تحقيق نوع من التوفيق بين الفلسفة الإسلامية وعلم الكلام والتصوف الإسلامي. ويأتي هذا العمل في سياق الاهتمام المعاصر بإعادة قراءة التراث الإسلامي من منظور تحليلي يكشف عن بنياته الداخلية وإشكالاته المعرفية.

تعريف مبسط لابن أبي جمهور الأحسائي:
هو محمد بن زين الدين علي بن إبراهيم بن حسن بن ابراهيم بن أبي جمهور الأحسائي الذي عاش في الفترة بين: (838 – 912 للهجرة) ( )، فقيه، محدث، فيلسوف، متكلم، ومتصوف، شيعي إمامي من أهل الأحساء في الجزيرة العربية التي كانت حينها من أعمال البحرين. ولد في اسرة معروفة بالعلم والتقوى، وكان والده زين الدين علي وجدُّه الشيخ ابراهيم في عداد العلماء. حيث حضر في بداية مسيرته العلمية مجالس درس الفضلاء من العلماء لينهل منهم العلوم المتداولة حينها، وأخذ الكثير من العلم عن والده، ثم شدَّ الرحال الى العراق، والتحق في النجف الأشرف بحلقة درس الشيخ شرف الدين الحسن بن عبد الكريم الفتّال، وحصل منه على إجازة في الرواية .

وفي عام 877 للهجرة / 1472م تشرَّف بزيارة الكعبة الشريفة من طريق الشام، وحضر في هذا السفر في مدينة (كرك نوح) من أعمال جبل عامل بلبنان مجلس درس الشيخ علي بن هلال الجزائري ومكث عنده شهرًا، وحصل منه على إجازة في الرواية. ومن ثم عاد الى الإحساء، ثم توجَّه الى زيارة العتبات المقدسة في العراق، ومنها انتقل الى زيارة مشهد الإمام علي بن موسى الرضا (ع) في مدينة طوس. وألَّف في هذا السفر رسالة بعنوان: (زاد المسافرين في أصول الدين) ثم كتب عله لاحقًا بطلبٍ من السيد محسن بن محمد الرضوي القمّي - وهو من كبار ومشاهير العلماء في مدينة مشهد في ذلك الوقت - شرحًا بعنوان: (كشف البراهين).

أمضى ابن أبي جمهور بقية حياته في خراسان، وكان دائم السفر والترحال بين طوس والمدن العلمية الأخرى، وأثناء إقامته في طوس فبالإضافة الى التدريس والتأليف كان يناظر علماء أهل السنة لإثبات أحقيَّة مذهب التشيُّع وخلافة الإمام علي (ع).

لم يقيّد أحد بصورة دقيقة سنة وفاة ابن أبي جمهور، لكن الذي يلوح من القرائن كما ينصُّ غلام رضا رشيديان في بحثه عن السيرة الذاتية لابن أبي جمهور هو أن الشيخ كان على قيد الحياة حتى شهر ذي القعدة من عام (904 للهجرة / 1499م) وذلك إذ كتب هذا التأريخ بطلب من بعض أصحابه وتلاميذه شرحًا على كتاب (الباب الحادي عشر).

وللإختصار في المقام أترك ذكر عناوين مؤلفات والآثار العلمية لابن أبي جمهور، ومن أراد التعرف على ذلك فليراجعه في مظانها، وقد ذكر كثير من الباحثين عناوين وأسماء تلك المؤلفات والبحوث.

أودُّ التأكيد في خاتمة التعريف هذا بأن ابن أبي جمهور بوصفه شخصية احتل موقعًا مرموقًا وهامًا في مسار دمج مختلف الفروع النظرية في حقل التعاليم الامامية الى إقامة نظريته المعرفية على مثلث الأسس الفللسفية والدينية والعرفانية. وهو المشروع الذي أكمله من بعده الفيلسفوف المشهور صدر المتألهين الشيرازي (979 – 1050 للهجرة)، وقدمه في إطار نظرية: (الوحدة المعرفية لمفاد القرآن والعرفان والبرهان)، ويعدّ، كتاب (مجلي مرآة المنجي في الكلام والحكمتين والتصوف) من أهم كتب ابن أبي جمهور كموسوعة عقدية وفلسفية وعرفانية، والذي ألَّفه بقصد المواءمة بين التفكير الفلسفي والكلامي والإشراقي، ليقدِّمَ من خلاله منهجًا مبتكرًا للمعرفة الانسانية، وهي مواءمة بين ثلاثة من المصادر المعرفية.

ويجدر ذكره هنا أن خير من أوضح طريقة (دمج مختلف الفروع النظرية في حقل التعاليم الامامية الى إقامة نظريته المعرفية على مثلث الأسس الفللسفية والدينية والعرفانية) هو شخص ابن أبي جمهور الأحسائي الذي يقول في كتابه "رسالة التحفة الكلامية" ما نصه: أن (الشريعة والطريقة والحقيقة أسماء مترادفة صادقة على حقيقة واحدة هي حقيقة الشرع المحمدي) .

إشكالية الكتاب وأهدافه:
ينطلق المؤلف من فرضية مفادها أن فكر ابن أبي جمهور يشكّل منظومة فكرية متكاملة، تسعى إلى التوفيق بين العقل والنقل والعرفان. وعليه تتمحور إشكالية الكتاب حول اختبار مدى تماسك هذه المنظومة، والكشف عن الأسس التي تقوم عليها.

الهدف من الدراسة:
1 – التعريف بشكل مختصر لابن أبي جمهور الأحسائي، مستلاً ذلك مما كتبه بعض الزملاء في أوراقهم لتعميم الفائدة، ولتعريف ابن أبي جمهور للقراء الكرام ممن فاتهم الاطلاع على كتبه ومؤلفاته القيمة.
2- قراءة الأنماط الفكرية لابن أبي جمهور الإحسائي من خلال القراءات التي وردت في كتاب (المنظومة الفكرية لابن أبي جمهور) من قبل عدد من الباحثين والأساتذة في مؤلفات الإحسائي.
3- متابعة ما سطّره أقلام الباحثين الأكارم وكشف من يمكن الإطلاع عليه من سهوٍ في المعلومة أو المصدر وما شابه ذلك.
4- يهدف الكتاب إلى إعادة بناء النسق الفكري لابن أبي جمهور مع تحديد مصادره المعرفية، إضافة الى تحليل آليات التوفيق بين الحقول المختلفة. غير أن هذه الأهداف، رغم وضوحها، تُطرح أحياناً في إطار أقرب إلى التقرير منها إلى الإشكال النقدي المفتوح، مما يؤثر في عمق المعالجة.

منهج البحث:
كتاب (المنظومة الفكرية لابن أبي جمهور الأحسائي) مهم في حد ذاته لاشتماله قراءات وبحوث عن مؤلفات وأفكار الفيلسوف والمنظِّر والفقيه والمتكلم ابن أبي جمهور الاحسائي، فمن يقرأ هذا الكتاب القيِّم فكأنما قرأ أفكار ونظريات والمبادئ التي اتخذها وأبدع فيها الاحسائي في كتابة أفكاره ومبادئه وعقائده التي يؤمن بها.

وعادة عند دراسة فكر أي منظِّرٍ أو مفكِّر أو حدثٍ تاريخيّ أو وثيقة تاريخية تفرض على الباحث دراسة لوازمها وهي الأبعاد الثلاثة: الزمان، المكان، والشخوص وهي العادات والعقائد المنتشرة في المحيط الذي يسيطر عليه الفكر والعقيدة المبحوث عنها من خلال المفكِّر. وهذه الأبعاد تولّد أسئلة تساعد الباحث على تفسير المبادئ والنظريات التي التزم بها المفكّر المبحوث عنه، كيف التزم بهذه المبادئ؟ وبأفكار أي من أساتذته تأثَّر؟ ولماذا التزم بهذه المبادئ في كتابة أفكاره؟ وماذا استهدف من خلال ذلك؟ وما هي النتيجة التي أراد الوصول اليها في نشر أفكاره ومبادئه؟ فضلاً عن الظروف السياسية والاجتماعية والعقدية المنتشرة المحيطة بالمفكِّر في ذلك الوقت، ومن هنا فإنَّ القارئ لكتاب (المنظومة الفكرية لابن أبي جمهور) يجد أن المؤلف يعتمد على مزيج من المناهج، أبرزها: المنهج التحليلي النصي، والمنهج التاريخي، والمقاربة المقارنة. ورغم هذا التنوع، يلاحظ أن الطابع الوصفي يغلب على التحليل، حيث يركّز المؤلف على عرض آراء ابن أبي جمهور أكثر من تفكيكها أو مساءلتها نقدياً. كما أن المقارنة مع مفكرين آخرين لا تُستثمر بما يكفي لإبراز خصوصية المشروع أو حدوده.

طريقة البحث:
الطريقة تعتمد على الإحاطة الكلية والجامعة لأفكار المبحوث عنه بعد القراءة المتأنية على البحوث المطروحة من قبل الباحثين والأساتذة المحترمين حول أفكار ومبادئ ابن أبي جمهور من خلال كتاباتهم وبحوثهم المطبوعة في كتاب (المنظومة الفكرية لابن أبي جمهور)، مع الإشارة لبعض موارد الخلل في البحوث والقراءات المدرجة في الكتاب.

يجدر ذكره إنه ليس من البساطة بمكان الإحاطة بكل أفكار ومبادئ الفيلسوف القدير ابن أبي جمهور من خلال قراءات وكتابات قصيرة عن أفكاره ومبادئه، بل لابد من قراءة الفكر من مصادره الأصلية وهي كتب العلامة ابن أبي جمهور الإحسائي ومؤلفاته، لكن من باب ما لا يدرك كله لا يترك جله، والمطلوب كان قراءة في الكتاب المذكور أعلاه، ولأجله جاء هذا البحث المختصر عن ابن أبي جمهور بشكل عام، وعن الكتاب المذكور أعلاه بشكل خاص.

بنية المنظومة الفكرية:
البعد الفلسفي: يكشف الكتاب عن حضور واضح للفلسفة في فكر ابن أبي جمهور، خاصة في قضايا الوجود والمعرفة والعلاقة بين العقل والوحي. غير أن التحليل لا يحسم طبيعة هذا الحضور: هل هو تبنٍّ لنموذج فلسفي محدد، أم مجرد توظيف انتقائي لأدوات فلسفية؟ وهو سؤال جوهري لفهم استقلالية المشروع.

البعد الكلامي:
يحافظ ابن أبي جمهور على انتمائه إلى الإطار الكلامي، لا سيما في القضايا العقدية المرتبطة بالإمامة والصفات الإلهية، إلا أن الكتاب لا يعالج بشكل كافٍ التوتر المحتمل بين هذا الالتزام الكلامي وبين النزعة الفلسفية، 
الأمر الذي يطرح إشكالاً حول مدى انسجام الخطاب.

البعد العرفاني:
يبرز البعد العرفاني بوصفه مكوّناً أساسياً في فكر ابن أبي جمهور، حيث يمنح للمعرفة الذوقية دوراً مكملاً للمعرفة العقلية. غير أن هذا التوجه يطرح إشكالات منهجية، تتعلق بطبيعة هذه المعرفة وحدودها، وهو ما لم يُناقش بعمق كافٍ، خاصة في ظل صعوبة إخضاع التجربة العرفانية لمعايير التحليل العقلي.

تقييم تماسك المنظومة:
يسعى الكتاب إلى إثبات وجود منظومة فكرية متكاملة، إلا أن التحليل يكشف عن مجموعة من الإشكالات، منها: غياب إطار منهجي واضح ينظم العلاقة بين الفلسفة والكلام والعرفان. مع وجود توترات داخلية بين مستويات الخطاب المختلفة، إضافة الى هيمنة الطابع التوفيقي على حساب البناء النسقي. وبناءً على ذلك، يمكن القول إن ما يقدمه ابن أبي جمهور أقرب إلى تركيب فكري مفتوح، منه إلى نسق فلسفي مغلق ومتماسك.

فلكتاب "المنظومة الفكرية لابن أبي جمهور الأحسائي" قيمة علمية كبيرة تضاف الى المكتبة لإفادة الباحثين وأهل العلم والفضل، لأن الكتاب يسلِّط الضوء على شخصية فكرية لم تنل حظها الكافي من الدراسة طيلة قرون مضت، مع تقديم عرض شامل لمختلف أبعاد الفكر، بالاضافة الى الإسهام في ربط مجالات معرفية متعددة داخل إطار واحد.

ومن خلال الأبعاد المذكورة أعلاه يجد الباحث أن ابن أبي جمهور في مؤلفاته حاول الإجابة عن سؤال محوري: هل يمكن بناء منظومة فكرية متماسكة توفّق بين العقل (الفلسفة والكلام) والذوق (التصوف)؟
وهذا السؤال يعكس توتراً معروفاً في الفكر الإسلامي بين علم الكلام (الجدل العقلي العقائدي)، والفلسفة الإسلامية، والتصوف الإسلامي.

فمن خلال القراءات المطروحة لمؤلفات ابن أبي جمهور يجد القارئ أن الشيخ الأحسائي العظيم نجح موفقًا لبناء منظومة فكرية متماسكة توفق بين العقل والذوق، مع المحافظة على انتمائه إلى الإطار الكلامي الشيعي، خاصة في الإمامة والولاية والصفات الإلهية.

ملاحظات في بعض المعلومات التي وردت في بعض القراءات:

الملاحظة الأولى: 
يظهر أن المؤلف الحكيم ابن أبي جمهور عاش في زمن تفكك الدولة العباسية، وكان الفكر الصوفي والعرفان والطريقة منتشرًا بين علماء الدين في تلك الفترة، فلربما تأثر الأحسائي فيهم، أو مداراةً لهم في نقله الأحاديث والروايات من مصادر العامة وطرقهم، حيث اتَّسمت أواخر الدولة العباسية بضعف الخليفة وتعاظم نفوذ القادة الترك العسكريين أمثال ( بغا الكبير وغيره) مما مهَّد لتفكك الدولة العباسية. ومعروف عن القادة العسكريين الترك تعظيم شأن علمائهم الصوفيين وأهل الطرق وحتى ما يسمَّون بالدراويش.

الملاحظة الثانية:
لربما من أهم أسباب إهتمام ابن أبي جمهور الأحسائي بدراسة الفلسفة والحكمة والعرفان والصوفية لأنه عاش وتعلَّم ودرس في العصر الذهبي للعلوم، حيث ازدهرت حينها ترجمة النصوص الفلسفية الرومانية والطب والفلك في بغداد وسامراء من ناحية، ومن ناحية أخرى إنتشار مصطلحات الطريقة والصوفية بين علماء الأتراك المسلمين، والذين أسَّسوا دواوين وتكايا في بغداد وسامراء ومرو وخراسان وبلاد الأناضول وفي شمال العراق تحت رعاية سلاجقة الروم، هذا ما جهة، ومن جهة أخرى كانت الدولة التيمورية تحكم سنة 850 للهجرة "حيث كان ابن أبي جمهور" يعيش فترة شبابه حينها، فكان التيمورييون يحكمون بلاد ما وراء النهر خراسان، وأجزاء من إيران، وأفغانستان، وكان الحاكم التيموري في سنة 850 للهجرة السلطان أبو سعيد التيموري، وكانت تُعدُّ أقوى دولة اسلامية في شرق العالم العالم الاسلامي حينها بعد وفاة تيمورلنك، وبنفس الفترة عاصر الشيخ ابن أبي جمهور توسُّع الدولة العثمانية في بلاد الأناضول والبلقان.

وجدير بالذكر في هذا المقام تُعدُّ تاريخيًا مدينة "شوشا" في إقليم ناكوري قره باغ في آذربايجان المدينة الروحية للأتراك بشكل عام، حيث تتمتع مدينة شوشة الأذربيجانية بمكانة استثنائية ورفيعة لدى الأتراك (في تركيا والعالم التركي عموماً)، حيث تُعدُّ رمزاً ثقافياً وتاريخياً واستراتيجياً هاماً، وتوصف بأنها "مهد الثقافة الأذربيجانية" و"قلب قره باغ" الذي تم تحريره مؤخرًا في عام 2020م من سيطرة أرمينيا التي احتلته عام 1991م أبان سقوط الاتحاد السوفيتي.

وبالنسبة لتاريخ بناء "شوشا" يذكر الموقع الرسمي للدولة التركية: (بنيت مدينة "شوشا" في سنة 1752م على يد الأمير الآذري "بيناهالي خان" بإقليم قره باغ، وهي مدينة مهمة لجميع الأتراك الآذريين بشكل خاص، لولادة العديد من علماء الدين والشخصيات الثقافية المتميزة على أراضيها) ( ). من جهة، ومن جهة أخرى (حيث ضمت المدينة بين حناياها الأضرحة والمساجد للدلالة على ماهية البعد الروحي الإسلامي. ويُعدُّ المسجد الذي شيدته على نفقاتها (جوهر آغا ابنة إبراهيم خان)، وصممه المهندس المعماري الشهير (كربلاي صفي خان) من أبرز صروحها الأثرية في القرن التاسع عشر، الى جانب مساجدها الأخرى، كـ: مسجد (أشاغي جوهر آغا)، ومسجد (يوخاري جوهر آغا)، ومسجد (جولفالر)، ومسجد (حاجي يوسيفلي)، ومسجد (كوجارلي)، ومسجد (ماماي)، ومسجد (ماردنلي)، ومسجد (قويولق)، ومسجد (ساعتلي)، ومسجد (سيدلي)، ومسجد (جول قالى)، ومسجد (خوجا مرجنلي)، ومسجد (تازي محلى)، وكنيسة (غازانشي)؛ الى جانب المتاحف والمسارح ولاسيما مسرح شوشا الذي يرجع تاريخ تشييده الى أواخر القرن التاسع عشر الميلادي)( ).

رأيت من الضرورة بمكان ذكر هذا الجزء من التاريخ السياسي لفترة حياة ابن أبي جمهور لأخلِصَ الى نتيجة مفادها أن الطريقة والصوفية انتشرت خصيصًا بين علماء الأتراك المسلمين السنَّة في عهد التيموريين والسلاجقة والعثمانيين بالتوالي.

ومن هنا أحتمل قويًّا نظرًا لكثرة أسفار الشيخ ابن أبي جمهور بين المدن والولايات الاسلامية ولقاءاته ومناظراته مع علماء السنة وفلاسفتهم وفقهائهم تولَّد عنده تنوُّعٌ ثقافي وعلمي رصين، مع الالتزام بنفس الوقت بخصوصيات ومبادئ المذهب الشيعي الإثنا عشري الذي يؤمن ويعتقد به أمام الله تعالى.

فكتبت هذه الملاحظة بالذات جوابًا لما كتبه الأستاذ السيد علي باقر الموسى في مقدمته للكتاب ما نصه: (ولا نعرف الذين كانوا يحيطون به، أو يترددون عليه). ومعلوم أن الانسان يتأثَّر ويؤثِّر في البيئة المحيطة به، لذلك أحببت تفصيل بعض الشيء للمحيط الذي عاصره الشيخ ابن أبي جمهور الأحسائي.

لربما من خلال معايشته هذا الجو الثقافي المتنوع، وإبداعه في العلوم الذي حصلها وتوفَّق في دراستها (يُعدُّ ابن أبي جمهور من أبرز الحكماء والمتكلمين الشيعة في القرن التاسع الهجري، من خلال تقديمه تلفيقًا بديعًا بين الآراء الكلامية والفلسفية بتوظيف آراء ومباني الفلسفة الاشراقية لتوضيح وبيان وتثبيت الآراء الكلامية وتوسيعها وتأسيس آراء ومباني كلامية جديدة وجامعة) ( ). بل ارتقى الباحثان "طاهرة كمالي زادة و رضا كوهكن" في بحثهما المعنون "ابن أبي جمهور الأحسائي (مؤسس الكلام الشيعي الاشراقي" وقالا ما نصه في صفحة 469: (وأما ابن أبي جمهور فإنه يقدم إطارًا وعرضًا جديدًا للكلام الشيعي، ولذلك يجب اعتباره بحق مؤسسًا للكلام الشيعي الإشراقي) ( ).

الخاتمة: 
يمثل هذا الكتاب "المنظومة الفكرية لابن أبي جمهور الأحسائي" بحق إضافة مهمة إلى الدراسات المعاصرة في الفكر الإسلامي، إذ يسهم في إعادة قراءة مشروع ابن أبي جمهور الأحسائي من زاوية تكامل الحقول المعرفية. غير أن هذه الإضافة تظل جزئية، بسبب محدودية المقاربة النقدية المعتمدة. وعليه، فإن أهمية الكتاب تكمن أساساً في جهده الوصفي وإعادة البناء، أكثر من قدرته على تقديم قراءة نقدية عميقة تكشف عن البنية الداخلية للمشروع وحدوده المعرفية.

بقلم: الدكتور عباس الإمامي 

.....................

انتهى / 323 

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha