26 يونيو 2026 - 21:42
السيد فضل الله: لنتعلم من الامام الحسين (ع) كيف نعد أنفسنا لإمتحانات كبرى ونرسخ الإيمان في قلوبنا

قال العلامة السيد علي فضل الله في خطبة الجمعة اليوم: فلنعمل على إعداد أنفسنا لهذه الامتحانات، ولنرسّخ الإيمان في قلوبنا، حتَّى نرجو أن نكون من النّاجحين في الامتحان، وأن نكون من أولئك الصَّابرين الثَّابتين على إيمانهم، المتمسّكين بمواقفهم، مهما اشتدّت التحدّيات، وعظمت التَّضحيات.

وفقا لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء ـ ابنا ـ ألقى سماحة العلامة السيّد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين ومما جاء في خطبته :

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ}. صدق الله العظيم.

سنَّة الابتلاء
لقد أشار الله سبحانه وتعالى من خلال هذه الآية إلى سنّة من السّنن الّتي أودعها في الحياة، وهي أنّه لن يكتفي من عباده بإعلان إيمانهم بأن يقولوا آمنّا، بل سيدخلهم في امتحانات واختبارات يميز من خلالها الخبيث من الطّيّب، والصّادق في إيمانه من الكاذب، وهذا ما أشارت إليه آية أخرى {الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}. فالمؤمنون الصَّادقون في إيمانهم، هم من يثبتون على إيمانهم، ولا يتراجعون عنه مهما بلغ الثَّمن، ولو كان على حسابهم، فيما نجد ضعاف الإيمان والكاذبين سرعان ما يتراجعون عنه، عندما يجدون أنَّ التزامهم به يكلّفهم ويمسّ بمصالحهم...

ونحن اليوم نشير إلى بعض هذه الامتحانات الَّتي تعرّض لها الَّذين جاء إليهم الحسين (ع) طالبًا نصرتهم والوقوف معه، فمنهم من فشل في الامتحان، ومنهم من نجح.

نماذجُ الخاسرين
النّموذج الأوّل: عبيد الله بن الحرّ الجَعفيّ الّذي كان من أشراف الكوفة، هذا الرّجل عندما علم أنَّ الحسين (ع) قادم إلى الكوفة، خرج منها حتّى لا يُحرَجَ بأمر الوقوف معه، ولجأ لذلك إلى الصّحراء، ونصب فيها خيمةً في مكان بعيد عن الطّريق الّذي يسلكه النّاس عادةً، حتّى لا يراه أحد، ريثما تحسم الأمور. ولكن شاءت الظّروف أن يسلك الإمام الحسين (ع) هذا الطّريق نفسه الّذي نصب فيه خيمته، فيسأل الإمام (ع) من صاحب الخيمة؟ 

قيل له عبيد الله بن الحرّ الجَعفيّ، فأرسل إليه رسولًا، وهو ابن عمّ الجعفيّ، ليدعوه إليه. فقال له عبيد الله: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، والله ما خرجت من الكوفة إلّا كراهية أن يدخلها الحسين (ع) وأنا فيها، والله ما أريد أن أراه ولا يراني.

رغم ذلك، جاء إليه الحسين (ع)، لعلّه يعدل عن موقفه، أو ليقيم الحجّة عليه، فكان جواب عبيد الله للحسين (ع): والله إنّي لأعلم أنَّ من شايعك كان سعيدًا في الآخرة، ولكنّ نفسي لا تسمح لي بالدّخول فيما تدخل إليه، ولكن يمكنني أن أعينك بفرسي، فوالله ما طلبت عليها شيئًا إلّا أدركته، ولا طلبني أحد وأنا عليها إلّا سبقته، وسيفي الّذي أقاتل به خذهما لك.

فردّ الإمام (ع): "يا بن الحرّ، ما جئناك لفرسك وسيفك! إنّما أتيناك لنسألك النّصرة لدينك، فإن كنت قد بخلت علينا بنفسك، فلا حاجة لنا في شيء من مالك". 
ولم يغتنم عبيد الله بن الحرّ الجَعفيّ الفرصة الثَّمينة، ليندم بعد ذلك على قراره الَّذي خسر فيه فرصة لم ينتهزها، ولم يستفد منها عزًّا له في الدّنيا والآخرة.

النّموذج الثّاني: هو عمر بن سعد، هذا الرّجل الّذي التقاه الحسين (ع) بعدما علم أنّه هو من سيتولّى قيادة الجيش الَّذي سيقاتله، بعدما وُعِدَ بأن يكون له مقابل ذلك ملك الرّي الّذي كان منيته، وقد التقى الإمام (ع) لعلّه يعدل عن هذا القرار، أو ليلقي الحجَّة عليه، فقال له: يابن سعد، أتقاتلني؟ 
أما تتَّقي الله في معادك؟ 
فأنا ابن من علمت، ومن قال فيَّ رسول الله (ص): "حُسينٌ مِنِّي وأنا مِن حُسينٍ، أحبَّ اللهُ مَن أحبَّ حُسينًا"، ومن قال فيَّ وفي أخي: "الحسنُ والحُسَينُ سيِّدا شبابِ أهلِ الجنَّةِ"، ألا تكون معي، وتدع يزيد الرّجل الفاسق الفاجر القاتل للنّفس المحترمة، وهؤلاء الَّذين لزموا طاعة الشّيطان وتركوا طاعة الرّحمن، وأحلّوا حرام الله وحرّموا حلاله، واستأثروا بالفيء وعطّلوا الحدود، فإنّه أقرب لك إلى الله تعالى وإلى موقعك عنده؟! 
فقال له عمر بن سعد: أخاف أن يهدم داري. فقال له الحسين (ع): أنا أبنيها لك، فقال ابن سعد: أخاف أن تؤخذ ضيعتي. 
فقال له الحسين (ع): أنا أخلف عليك خيرًا منها، فقال ابن سعد: إنّ لي بالكوفة عيالًا وأخاف أن يقتلهم ابن زياد... عندها تركه الإمام الحسين (ع) بعد أن عرف أنّه لا فائدة منه، بعد أن باع دينه ومستقبل أمّته، وبات أسير مصالحه وأطماعه الّتي كان يريد أن يصل إليها، والّتي عاد وعبّر عنها عندما رمى أوّل سهم في معسكر الحسين (ع) وقال: "اشهدوا لي عند الأمير (ابن زياد) أنّي أوّل مَنْ رمى"، فخسر الدّنيا والآخرة، وهو الخسران المبين، بعدما لم يحصل على ملك الرّيّ، وقتل على يد المختار الثّقفي شرّ قتلة.

الفائزون في الامتحان
النّموذج الثّالث: هم أصحاب الحسين (ع)، فقد تعرّضوا لامتحان عندما أجاز لهم في ليلة العاشر من المحرَّم الانصراف في جنح اللّيل، وقال لهم: "هذا اللّيل قد غشيكم فاتّخذوه جملًا، وليأخذ كلّ رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، فجزاكم الله جميعًا خيرًا، وتفرّقوا في سَوادِكم ومدائنكم حتّى يُفرجَ الله، فإنَّ القومَ إنّما

يطلبونني، ولو قد أصابوني، لَهوا عن طلب غيري"، فقالوا له جميعهم وبلسان واحد: "الحمد لله الّذي أكرمنا بنصرك وشرّفنا بالقتل معك، أولا نرضى أن نكون معك في درجتك يا ابن رسول الله؟!"، فنجحوا في الامتحان، وفازوا في الآخرة.

أمَّا النَّموذج الأخير، فهو الحرّ بن يزيد الرّياحيّ الَّذي التحق بالحسين (ع) يوم العاشر، بعد أن كان قد قاد الجيش الَّذي حاصر الحسين (ع) في أرض كربلاء، لمنعه من متابعة مسيره إلى الكوفة.

هذا الرّجل عندما جاء اليوم العاشر، وتيقَّن أنَّ المعركة ستحصل، وأنَّ عمر بن سعد جادّ في قتال الحسين (ع)، وقف يومها متحيّرًا في تحديد موقعه بين الصّفَّين؛ هل يبقى في جانب يزيد وعبيد الله بن زياد وعمر بن سعد، ليحفظ موقعه، وقد يترقّى في الموقع عندهم، ولكنَّه سيكون شريكًا في قتل الحسين (ع) ومن معه، ومن بعد ذلك النَّار والعذاب، أم يلحق بالحسين (ع) ويقف معه في موقع العزّة والكرامة والإنسانيَّة، ويرضي الله الَّذي لأجله انطلق الحسين (ع) وضحَّى، وتكون له الجنَّة، لكن من وراء ذلك القتل؟!

وراح لأجل ذلك يرتعد، حتّى قال له أحدهم لمـّا رآه: أترتعد، ولو قيل لنا من أشجع أهل الكوفة لما عَدَوناك؟ 
قال: لا أرتعد خوفًا، ولكنّي أخيِّر نفسي بين الجنَّة والنَّار. 
ثمّ قال: "فوالله لا أختار على الجنّة شيئًا، ولو قطِّعت أو حُرّقت". 
وانحاز إلى جيش الحسين (ع)، حاملًا موقفه الحرّ وقراره الشّجاع، وجاء إليه تائبًا، نادمًا على ما بدر منه، واستشهد بين يديه، وأعطاه الحسين (ع) يومها وسام الحريّة قائلًا له: "أنت حرٌّ كما سمّتك أمّك، حرّ في الدّنيا والآخرة".

تهيئة النّفس للاختبار
أيُّها الأحبَّة، لقد واجه أولئك جميعًا امتحانهم، فمنهم من نجح فيه، تاركًا وراء ظهره كلّ شيء، وجاعلًا همَّه الأكبر أن يصلح أمَّة رسول الله (ص)، وأن يعيد تصويب مسارها، فربح بذلك خير الدّنيا والسَّلامة في الآخرة، ومنهم من خسر الدنيا والآخرة من أجل دنيا لم تبق له، أو ملكٍ زائل لم يدم.

ويبقى علينا أن نعدَّ أنفسنا لأن ننجح فيما قد نختبر به، ولكلّ منَّا امتحانه، فقد يُختبر أحدنا بالمال الَّذي يُعرض عليه من غير حقّ، أو بالموقع الَّذي قد يخسر من أجله إيمانه ومبادئه، أو بشهوةٍ محرَّمة تُعرض عليه، وقد نُختبر كما اختُبر أهل كربلاء، بالوقوف مع الحقّ في مواجهة الباطل.

فلنعمل على إعداد أنفسنا لهذه الامتحانات، ولنرسّخ الإيمان في قلوبنا، حتَّى نرجو أن نكون من النّاجحين في الامتحان، وأن نكون من أولئك الصَّابرين الثَّابتين على إيمانهم، المتمسّكين بمواقفهم، مهما اشتدّت التحدّيات، وعظمت التَّضحيات.

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخطبة الثّانية
عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بوصيَّة الإمام الحسين (ع) الَّتي أوصى بها أخاه محمّد بن الحنفيَّة قبل أن يغادر المدينة المنوَّرة، وجاء فيها: "إنِّي لم أخرجْ أشرًا ولا بطرًا، ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنَّما خرجْتُ لطلبِ الإصلاحِ في أمَّةِ جدِّي رسولِ الله (ص)، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي وأبي عليّ بن أبي طالب (ع)، فمن قبلني بقبول الحقّ فالله أولى بالحقّ، ومن ردَّ عليَّ هذا أصبر حتَّى يقضي الله بيني وبين القوم، وهو خير الحاكمين... هذه وصيّتي يا أخي إليك، وما توفيقي إلَّا بالله، عليه توكَّلت وإليه أنيب".

فقد حدَّد الإمام (ع) بكلِّ وضوح أهداف ثورته، والَّتي من أجلها بذل دمه وقدَّم التَّضحيات الجسام.

ومن هنا، فإنَّ إخلاصنا للحسين (ع) لن يقف عند ذرفنا للدّموع فحسب عند ذكر مصابه، بل أن نعمل للأهداف الَّتي لأجلها كان هذا المصاب، وكانت كلّ هذه الآلام، بأن نكون حاضرين في كلِّ ساحة من ساحات الحقّ والعدل، وصوتًا يرتفع في مواجهة كلِّ ظالم أو فاسد أو منحرف عن جادة الحقّ، لا نجامل في ذلك مهما كانت هويَّة الفاسد والظَّالم أو المنحرف، ومن أيّ طائفة أو مذهب كان، وبذلك نكون قادرين على مواجهة التّحدّيات...

العدوّ يخرق التّفاهم
والبداية من استمرار العدوّ في خروقاته لوقف إطلاق النَّار، عبر اعتداءاته على العديد من المناطق في الجنوب وبقيّة المناطق، والّتي أدّت إلى سقوط شهداء وجرحى عبر طائراته الحربيّة، أو عبر مسيّراته الّتي تجوب المناطق اللّبنانيّة، والّتي لا تفارق بيروت، ما يؤكّد ما أشرنا إليه سابقًا حول نيّة العدوّ لإجهاض القرار الَّذي ورد في ورقة التَّفاهم الّتي تمّ التّوصّل إليها بين الولايات المتّحدة الأميركيّة والجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، القاضي بإيقافٍ تامّ لإطلاق النّار، والّذي لا يريده العدوّ لكونه يقيّد حركته. ما يدعو الدّول الرّاعية لهذا القرار إلى الإسراع في القيام بدورها وبذل جهودها لمنع العدوّ من الاستمرار في خروقاته، وما قد يؤدّي إليه من تصعيد، ولتأكيد مصداقيّة هذا التّفاهم وجدّيّة العمل على إنهاء الحرب، والّذي توسّم به اللّبنانيّون خيرًا ويراهنون عليه...

مفاوضات غير مجدية!
في هذا الوقت، تستمرّ المفاوضات اللّبنانيّة مع الكيان الصّهيونيّ، والّتي أصبح من الواضح أنّها لن تؤدّي إلى نتيجة ترتجى من انسحاب كامل من الأراضي اللّبنانيَّة الّتي احتلّها، وعودة الأهالي إليها، وخروج الأسرى من سجون الاحتلال، وحتّى جدولة الانسحاب، لعدم رغبة العدوّ في ذلك، وهو ما كان صرّح به قادة العدوّ قبل المفاوضات وفي أثنائها وبعدها... 

لهذا نعيد التّأكيد على الدّولة اللّبنانيّة، أن تفعّل دورها في العمل على انسحاب كامل للعدوّ من الأراضي اللّبنانيّة، وتحقيق آمال اللّبنانيّين بالعودة إلى مدنهم وقراهم، بما لا يمسّ بسيادة البلد وبوحدته الدَّاخليَّة، وأن تستند في ذلك إلى مواقع القوَّة الّتي تمتلكها في الدّاخل، والّتي أثبتت قدرتها في إرباك العدوّ، وإلى ما نتج من المفاوضات الّتي جرت في سويسرا بين الولايات المتّحدة الأميركيّة وإيران، والّتي حرصت الجمهوريّة الإسلاميّة فيها على وضع لبنان في الأولويّات، إن على صعيد وقف النّار، أو انسحاب العدوّ من كلّ أراضيه، وكذلك دعم كلّ من يريدون خيرًا بهذا البلد... 

الوحدة.. وتثبيت العودة
فيما نشدّد على اللّبنانيّين بضرورة الحرص على وحدتهم الدَّاخليَّة، والخروج من كلّ خطاب مستفزّ يهدّد وحدة الوطن واستقراره، والتَّلاقي فيما بينهم على كلّ الصّعد، للعمل معًا لمواجهة التّحدّيات المحليّة والإقليميّة الرّاهنة، حيث لا يمكن أن تواجَه بالتّرهّل والانقسام الَّذي نشهده، بل إنّ ذلك يؤدّي إلى المزيد من معاناتهم، في الوقت الّذي يجعل وطنهم في مهبّ رياح الآخرين.

فيما ندعو الدّولة إلى القيام بدورها لتأمين البنية التّحتيَّة في المناطق الّتي تمكّن الأهالي من العودة إليها، إن على صعيد شبكات الكهرباء والماء أو الطّرقات، وترميم المؤسّسات التّربويّة والصّحيّة، بما يمكنها من استئناف عملها، وإعادة تشغيل الإدارات الرّسميّة، ما يساعد الأهالي على تثبيت عودتهم ورسوخهم في أرضهم.

نهج الولاء للحسين (ع)
وأخيرًا، لا بدَّ من الاعتزاز بالمشاعر الجيّاشة الّتي عبّر عنها المحبّون لأهل البيت (ع) من خلال حضورهم للمجالس أو عبر مسيراتهم، وعن هذا الحبّ والولاء للحسين (ع)، ولكلّ الّذين قدّموا التّضحيات من أجل الله ونصرة دينه، ومعه سيكون التَّعبير في العمل لتحقيق الأهداف الّتي لأجلها كانت هذه التّضحيات.

..................

انتهى / 232

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha