3 يونيو 2026 - 10:02
إعادة قراءة منهج العلامة الأميني في التعامل مع الخلافات المذهبية

كتاب «الغدير» ليس ثمرة الصمت تجاه الخلافات العقدية، كما أنه ليس بياناً لإشعال النزاعات المذهبية، بل يمثل نموذجاً فريداً للتعامل العلمي والمنصف والمسؤول مع واحدة من أهم القضايا الخلافية في التاريخ الإسلامي.

وفقا لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء ـ ابنا ـ شكّلت العلاقة بين الالتزام بالانتماء المذهبي والمحافظة على وحدة الأمة الإسلامية إحدى القضايا الأساسية في تاريخ الفكر الإسلامي. 

وقد ساد لدى بعض الأوساط تصوّرٌ مفاده أن إثارة المسائل الخلافية بين المذاهب الإسلامية، ولا سيما القضايا المرتبطة بالإمامة والخلافة، تؤدي بالضرورة إلى تعميق الانقسامات المذهبية وإثارة النزاعات الطائفية. وفي المقابل، اتجه آخرون إلى تجنّب الخوض في هذه القضايا أو تهميشها بدعوى الحفاظ على الوحدة الإسلامية.

غير أن التجربة العلمية والعملية لعلماء كبار أمثال العلامة الشيخ عبد الحسين الأميني تكشف أن هذه الثنائية ليست سوى تصورٍ قاصرٍ للواقع. 

فكتاب «الغدير» ليس ثمرة الصمت تجاه الخلافات العقدية، كما أنه ليس بياناً لإشعال النزاعات المذهبية، بل يمثل نموذجاً فريداً للتعامل العلمي والمنصف والمسؤول مع واحدة من أهم القضايا الخلافية في التاريخ الإسلامي.

وقد أكد سماحة آية الله العظمى الشهيد السيد علي الخامنئي في أكثر من مناسبة على ميزتين أساسيتين لهذا الأثر الخالد: متانته العلمية ودوره في تعزيز الوحدة الإسلامية. ومن هذا المنظور، لا تكمن أهمية «الغدير» في إثبات قضية كلامية فحسب، بل في المنهج الذي اعتمده العلامة الأميني في معالجة هذا الموضوع؛ وهو منهج يمكن أن يشكّل نموذجاً قيّماً لإدارة الخلافات المذهبية في العالم الإسلامي المعاصر.

الخلاف المذهبي: حقيقة لا يمكن إنكارها
إن الاختلاف في فهم النصوص الدينية وتفسير الأحداث التاريخية حقيقةٌ رافقت الأمة الإسلامية منذ العقود الأولى من تاريخها. وقد تباينت المذاهب الإسلامية في العديد من المسائل الكلامية والفقهية والتاريخية، ولا يمكن تجاهل هذه الحقيقة أو القفز عليها.

ومن هنا، فإن القضية الأساسية لا تتمثل في وجود الخلاف أو عدمه، بل في الكيفية التي نتعامل بها معه. فهل ينبغي أن يتحول الاختلاف إلى خصومة وصراع؟ وهل يعني طرح الآراء العقدية المختلفة بالضرورة إلغاء إمكانية التعايش والتعاون بين المسلمين؟ أم أن بالإمكان الحفاظ على القناعات المذهبية مع إيجاد مساحة للحوار والاحترام المتبادل؟
يقدم كتاب «الغدير» جواباً عملياً عن هذه التساؤلات.

منهج العلامة الأميني: الاستدلال بدل الجدل
سلك العلامة الأميني في تأليف «الغدير» طريقاً يختلف جذرياً عن كثير من السجالات المذهبية التقليدية. فقد ابتعد عن الإثارة العاطفية والشعارات الانفعالية والأحكام المسبقة، واتجه إلى المصادر التاريخية والحديثية، محاولاً بناء رؤيته على أساس الوثائق والأدلة القابلة للبحث والنقاش.

وتكمن إحدى أهم نقاط القوة في هذا العمل الموسوعي في أن مؤلفه لم يقتصر على المصادر الشيعية، بل رجع إلى طيف واسع من كتب الحديث والتاريخ والتفسير والأدب عند أهل السنة، الأمر الذي نقل النقاش من دائرة التعصب والانفعال إلى فضاء البحث العلمي الرصين.

ومن هذا المنطلق وصف قائد الثورة الإسلامية الشهید كتاب «الغدير» بأنه كتاب «كله استدلال وبرهان»، يدعو قارئه إلى التأمل والتحقيق وإصدار الأحكام على أساس الإنصاف والبحث الموضوعي، لا على أساس العصبية والانتماء المسبق.

الغدير وقضية الوحدة الإسلامية
من أكثر التصورات الخاطئة شيوعاً حول «الغدير» الاعتقاد بأن إثارة قضية الغدير والإمامة تتعارض مع مشروع الوحدة الإسلامية. إلا أن الشهيد الأستاذ مرتضى مطهري قدّم في تحليله الشهير لهذا الكتاب رؤية مغايرة تماماً.

فالوحدة الإسلامية، في نظر الشهيد مطهري، لا تعني التخلي عن المعتقدات المذهبية أو إلغاء النقاشات العلمية، كما لا تعني أن يتنازل الشيعة أو السنة عن خصوصياتهم الفكرية والعقدية. وإنما تعني تعاون المسلمين على أساس المشتركات الكبرى التي تجمعهم، مع الامتناع عن تحويل الخلافات العلمية إلى صراعات وعداوات.

وفي هذا الإطار يندرج كتاب «الغدير». فهو لا يطالب المسلمين بالتخلي عن قناعاتهم، بل يدعوهم إلى دراسة التاريخ الإسلامي بصورة أعمق، وإلى مناقشة قضاياه الكبرى على أساس الدليل والبرهان. ومن هنا يمكن النظر إلى هذا الكتاب بوصفه نموذجاً للجمع بين الهوية المذهبية والمسؤولية تجاه وحدة الأمة الإسلامية.

التمييز بين الحوار العلمي والتوتر المذهبي
من أبرز الدروس التي يقدمها «الغدير» ضرورة التمييز بين النقد العلمي والخصومة المذهبية. ففي منطق العلامة الأميني، يمثل الاختلاف العلمي ظاهرة طبيعية يمكن أن تسهم في نمو المعرفة الدينية وتطويرها، أما الإهانة والتحقير وإثارة المشاعر الطائفية فلا تمت بصلة إلى البحث عن الحقيقة.

ولهذا، فإن الخلافات المذهبية عندما تُختزل في لغة السباب والتشهير والكراهية، فإنها تغلق أبواب الحوار وتمنع إمكان الوصول إلى فهم متبادل بين المسلمين. أما حين تُطرح القضايا العقدية في إطار البحث العلمي والالتزام بأخلاقيات النقاش، فإن الاختلاف نفسه يمكن أن يتحول إلى عاملٍ من عوامل التعارف والاحترام المتبادل، حتى وإن بقيت المواقف المختلفة على حالها.

ويمثل «الغدير» نموذجاً بارزاً لهذا النهج؛ فهو يدافع بوضوح عن عقائد مدرسة أهل البيت عليهم السلام، لكنه يبتعد في الوقت نفسه عن أساليب الإثارة والصراع المذهبي، ويخاطب القارئ بلغة الوثيقة والدليل.

رسالة الغدير في عصرنا الحاضر
يواجه العالم الإسلامي اليوم تحديات معقدة تتجاوز نطاق الخلافات المذهبية التقليدية. وفي ظل هذه الظروف، تبدو الحاجة إلى تعزيز تماسك الأمة الإسلامية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. غير أن هذا التماسك لا يتحقق بإلغاء الهويات المذهبية، كما لا يتحقق عبر تأجيج النزاعات الطائفية.
إن التراث العلمي الذي خلّفه العلامة الأميني يقدّم طريقاً ثالثاً؛ طريقاً تُطرح فيه المعتقدات الدينية بصراحة وثقة، ولكن دون أن تتحول هذه الصراحة إلى إساءة أو عداوة أو قطيعة. ففي هذا المنهج لا يُنظر إلى البحث عن الحقيقة والوحدة الإسلامية بوصفهما قيمتين متعارضتين، بل باعتبارهما قيمتين متكاملتين يمكن أن تجتمعا في ظل الأخلاق العلمية والحوار المسؤول.

خاتمة
إن «الغدير» ليس مجرد كتاب كلامي يبحث في واقعة تاريخية، بل هو مدرسة متكاملة في كيفية إدارة الخلافات المذهبية. لقد أثبت العلامة الأميني، عبر عقود طويلة من الجهد العلمي، أن الدفاع عن عقائد أهل البيت عليهم السلام يمكن أن يقترن باحترام سائر المسلمين، والالتزام بأخلاقيات الحوار، والحرص على وحدة الأمة الإسلامية.

ومن هنا فإن إعادة قراءة هذا المنهج لم تعد مجرد حاجة تاريخية أو فكرية، بل أصبحت ضرورة حضارية. فالعالم الإسلامي اليوم بحاجة إلى نماذج تجمع بين الثبات على المعتقد والانفتاح على الآخر، وبين الدفاع عن الحقيقة والحفاظ على وحدة الأمة. ويظل «الغدير» واحداً من أبرز هذه النماذج، بما يجسده من قيم الاستدلال والإنصاف والاحترام المتبادل والحوار العلمي الرصين.

علي‌رضا مکتب‌دار
رئیس التحریر لأسبوعیة الآفاق

..................

انتهى / 232

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha