وفقا لما أفادته وكالة أنباء أهل البيت (ع) الدولية ــ أبنا ــ صرح الدكتور طاهر الهاشمي، المفكر المصري وعضو الجمعية العامة لأهل البيت (عليهم السلام)، في خطابٍ بعنوان "أربعين الإمام الحسين (عليه السلام) ومسؤولية الإعلام في التعريف بهذه الظاهرة العالمية"، والذي أرسله إلى وكالة أنباء أبنا، قائلاً: "إن الحديث عن أربعين الإمام الحسين (عليه السلام) لم يعد مجرد مناسبة دينية، بل هو حديث عن إحدى أعظم الظواهر الإنسانية والحضارية في عصرنا. فهذه المسيرة التي تضم مليون شخص، والتي تُقام كل عام ببهاءٍ متجدد رغم كل التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية، تُجسد نموذجاً فريداً للتضامن الاجتماعي، والتعايش الإنساني، والخدمة التطوعية، والتسامح، والتضحية، والإيثار؛ وهي قيمٌ يحتاجها المجتمع الإنساني اليوم أكثر من أي وقت مضى".
الأربعين؛ ظاهرة حضارية تم تجاهلها في وسائل الإعلام العالمية
وأكد أن "هذه الحقيقة الحضارية العظيمة لم تُعكس بعد في وسائل الإعلام العالمية كما تستحق"، مضيفًا: "في كثير من الحالات، نشهد صمتًا متعمدًا أو تجاهلًا واضحًا لهذا الحدث، بينما تُسلَّط الأضواء على أحداث أخرى أقل نطاقًا وتأثيرًا. ولا يمكن تفسير هذا الغياب بمجرد اعتبارات مهنية أو معايير إخبارية، بل يعود جزئيًا إلى طبيعة رسالة حركة الإمام الحسين (عليه السلام)؛ وهي رسالة تقوم على الحرية والكرامة الإنسانية ومحاربة الظلم، وهذه القيم لا تتوافق دائمًا مع مصالح التيارات التي تسعى إلى احتكار الخطاب الإعلامي وتشكيل الرأي العام العالمي".
وأضاف طاهر الهاشمي، في إشارة إلى جهود بعض الجماعات للحد من التأثير الإعلامي لأربعينية محمد: "يتم هذا الجهد أحياناً بتجاهل هذا الحدث، وأحياناً بتشويهه، وأحياناً باختزاله إلى مناسبة دينية بحتة، في حين أن الأربعينية في الواقع رسالة إنسانية شاملة لجميع الناس؛ رسالة يشارك فيها المسلمون وغير المسلمين، والعرب وغير العرب، ويختبرون مثالاً ملموساً للأخلاق والتضامن والتضحية".
مهمة الإعلام؛تعريف العالم بالأربعين بلغة اليوم
لذا، فإن مسؤولية وسائل الإعلام الملتزمة اليوم لا تقتصر على نقل الأخبار فحسب، بل إن مهمتها الأساسية هي التوعية وإعادة تقديم الأربعين للعالم بلغة وآداب العصر؛ وتقديمها كظاهرة حضارية وإنسانية جديرة بالدراسة والبحث والتأمل. فالعالم اليوم لا يحتاج فقط إلى رؤية صور الملايين، بل يحتاج أيضاً إلى فهم فلسفة تكوين هذا المجتمع الضخم، وفهم كيف استطاع معتقد ديني أن يُرسي هذا المستوى من النظام، وتوفير الخدمات المجانية، والتضامن الاجتماعي، والأمن العام، والتسامح، والعمل التطوعي.
وتابع، مشيرًا إلى الإمكانات الهائلة لوسائل الإعلام الحديثة في عصرنا الحالي، قائلاً: "تمتلك وسائل الإعلام الحديثة اليوم أدوات لم تكن موجودة في العقود الماضية؛ من المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي إلى إنتاج الأعمال الوثائقية، والبيانات الضخمة، والقدرة على النشر بلغات متعددة. ومع ذلك، من المؤسف أن حضورنا في العديد من هذه المجالات لا يزال غير متناسب مع عظمة هذا الحدث. إن الأربعينية تتجاوز كونها مناسبة محلية أو إقليمية، وتستحق أن تُقدم كمشروع إعلامي عالمي؛ مشروع يخاطب جميع الناس، بغض النظر عن الحدود الجغرافية، ويُعرّف العالم بالإمام الحسين (عليه السلام) كرمز عالمي للعدالة والحرية والكرامة الإنسانية."
من الإعلام الموسمي إلى مشروع الأربعين الإعلامي العالمي
أكد الدكتور الهاشمي: اليوم، أكثر من أي وقت مضى، نحتاج إلى الانتقال من الإعلام الموسمي إلى الإعلام المؤسسي؛ من التركيز على ردود الفعل إلى التركيز على المبادرات؛ ومن الخطاب المقتصر على الجمهور المحلي إلى خطاب عالمي يعتمد على لغة العلم والإحصاءات والتوثيق والبحث الأكاديمي ووسائل الإعلام الرقمية المؤثرة؛ حتى يصبح الأربعين موضوعًا دائمًا في الجامعات ومراكز البحوث ووسائل الإعلام الدولية، لا مجرد خبر عابر في أيام معينة.
ينبغي إيلاء اهتمام خاص لتدريب المتخصصين في الإعلام؛ أولئك الذين يجمعون بين المعرفة الفكرية والمهارات المهنية، والقادرين على مخاطبة مختلف الثقافات بلغة وأسلوب ملائمين لكل مجتمع، بعيدًا عن الإثارة والأدب غير المفهوم وغير الفعال للجمهور العالمي. اليوم، المعركة الرئيسية هي معركة الوعي؛ معركة لا تُخاض بالشعارات، بل بالمعلومات الدقيقة، والصور المؤثرة، والروايات الإنسانية، والإنتاج الإعلامي الاحترافي.
وأضاف: إن أربعينية الإمام الحسين (عليه السلام) ليست مجرد إحياء لذكرى حدث تاريخي، بل هي أيضًا مدرسة حية لتثقيف البشر، وإيقاظ الضمائر، وترسيخ ثقافة العدل والتضحية والمسؤولية الاجتماعية. إذا استطاع الإعلام أن يُعرّف العالم بهذه الأبعاد الحضارية على النحو الأمثل، فلن يقتصر دوره على خدمة مناسبة دينية فحسب، بل سيقدم أيضًا نموذجًا حضاريًا للإسلام للعالم؛ نموذجًا قادرًا على الحوار مع العالم والمشاركة في بناء مستقبل أكثر عدلًا وإنسانية.
دور مجمع أهل البيت العالمي (ع) في صياغة الرواية الدولية للأربعين
وأضاف الهاشمي، مخاطباً المحافل الدينية والدولية، كالجمعية العالمية لأهل البيت (عليهم السلام): نأمل أن تضطلع الجمعية العالمية لأهل البيت (عليهم السلام) بدور ريادي في إطلاق مشاريع إعلامية دولية، وإقامة تعاون فعّال مع المراكز العلمية والإعلامية حول العالم، ودعم إنتاج الأعمال الوثائقية والبحوث متعددة اللغات، ودعم المبادرات الرقمية التي تُعرّف العالم بهذه الظاهرة الفريدة؛ وهي أعمال تتفق مع عالمية رسالة الإمام الحسين (عليه السلام)، وتسهم في تصحيح الصورة السائدة وتعزيز الحوار الحضاري بين الأمم.
نسأل الله العلي القدير أن يوفق الجميع في خدمة مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، وأن يجعلنا من أتباع نهج الإمام الحسين (عليه السلام) الصادقين، ومن الداعين إلى مبادئه بحكمة وبصيرة؛ إنه هو السميع المجيب للدعاء.
........................
انتهی/
تعليقك