وفقاً لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء _ ابنا_ قال أية الله الشيخ "عيسى أحمد قاسم" في خطبة صلاة الجمعة اليوم (25/5/2012) في مسجد الإمام الصادق (ع) بـ"الدراز"، فقد أصبحَ الوضعُ في البحرين يُسابق في تعامُله مع الشعب أكثر الدول انتهاكاً لحقوق الإنسان في كلّ مجالاتها، وصارت قضيّة انتهاك هذه الحقوق غير قابلةٍ للإنكار ومُدانةً دوليّاً حتّى من الحُلفاء الرئيسينَ للنّظامِ الرسميّ القائمِ هُنا، كما كشفت عن ذلك نتائجُ المُناقشات لتقرير البحرين المُتعلّق بالوضع الحقوقيّ في مجلس حقوق الإنسان التّابع للأمم المتحدّة بِجُنَيْف، وقد طَالَبَ العديد من الدول النّظام الرسميّ باحترام حقوق الإنسان والتحقيق المستقلّ في شكاوى واستخدام القوّة المُفرطة وتقديم من يَثبت في حقّهم ذلك للمُحاكمة العادلة بما يَشملُ المسؤولين الكبار المُتورّطين في مثل هذه التعديّات الخطيرة.
وفي ما يلي نص هذا الخطبة:
..."أمّا بعدُ أيّها الأخوة والأخوات الأعزّاءُ في الله والأحبّاءُ في الله فاليومَ تعيشُ الأمّة المؤمنة ذكرى استشهاد الإمام العاشر من أئمة أهل البيت عليهم السلام الإمام الهادي عليه السلام، وهم الذين كانوا ولا زالوا طريقاً لمعرفة الله وطاعته وعزّاً للإسلام وسبباً لوحدة الأمّة المُسلمة، هُم الهُداة إلى الدِّين كانوا ولا زالوا كذلك، وستبقى هِدايتهم للحقّ مَحلّ حَاجة الأمّم كلّ الأمم وحتّى يَرِثَ اللهُ الأرض ومن عليها"...
أمّا الآن فإلى الحديث تحت عنوان:
إقامة القِسط:
"لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ".
إقامةُ القِسط وتحقيقُ العدل ضَرورة دُنياً وضَرورة دِين، ولا وجود لهذا الكون إلا بالعدل وغيابُ العدل عن بناء الكون وعلاقاته طرفة عينٍ يعني نهايته، والحياةُ فوضى وبُؤسٌ وشقاءٌ وعذابٌ وانحطاطٌ في غيابِ العدل، وأمر القسط لا يخصّ في ضرورته بُعداً من أبعاد الحياة ولا مساحةً من مساحاتها ولكنّه يعمّ في ذلك كلّ مجاليها ومساحاتها.
والسياسة اليومَ لا تترُك زاويةً من زوايا الحياة إلّا وتتدخّلُ فيها وتُحكِمُ قبضتها عليها فإذا غاب القِسط عن السياسة وتنكّرت له وانفصلت عنه عَمّ الظُلم والفوضى والبؤس والشقاء كلّ جنبات الحياة.
والمُسلم ليس مُختاراً من ناحية التشريعِ الإلهي أن يَقِفَ من عدل السياسة وظلمها كيفما أراد، وليسَ متروكاً له أن يَقِفَ من ذلك موقف الحياد، وليسَ لهُ أن يقف من ذلك موقف اللّا مُبالاة، فسواءٌ مسّه ظُلمُ السياسة في نفسه وأهله أو لم يَمسَسهُ فعليه أن يتحمّل مسؤوليّته في إقامة القِسط وتحقيق العدل ومواجهة الظُلم والفساد.
الرُسُلُ والبَيِّنَاتُ و إنزال الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ كلّ ذلك يَستهدِف أن يَقوم النّاسُ بالقسط ويُمكّنوا له في كلّ مستويات الحياة ويُعطوه الهيمنة والحاكميّة في كلّ أبعاد وُجُودهم.
في مجال السياسة تتحمّل الحُكوماتُ مسؤوليّةً خاصّةً في إقامة القِسط، وعلى المُجتمعات أن تُعِيْنها في ذلك ووأن تَقِفَ في وجهِ أيّ ظُلمٍ منها وتُعيدها إلى المسار الصحيح مسار العدل الذي لا ميل فيه.
والأرضُ اليومَ تكادُ تمتلىء ظُلماً إنْ لَمْ تمتلىء بالفعل؛ لأنّ ظلم الدول الكبرى والدول التابعة لها قد دخل في كلّ مكان، وهذا ما دفع الشُعوب إلى حركةٍ تصحيحيّةٍ بدرجةٍ وأخرى في أكثر من مكانٍ من العالم العربيّ.
وأرضنا هذه من الأرض التي امتلأت جوراً وظلماً، وهذا ما فجّر الحراك الشعبيّ الذي ضاقت به الحكومة ودفع الشعب على طريقه أبهظ الأثمان.
المسيرات والاعتصامات وكلّ أنواع الاحتجاج السياسيّ وأساليب المُطالبة بالحقوق على سلميّتها مُكلفة، وقد دفع الشعب الكثير في سبيلها وبالأصلِ في سبيل الإصلاح والعدل، ولم يأتِ شيءٌ من ذلك تسليةً وملهاةً ولَعِباً وعَبَثاً ولم ينطلق من روحِ انتقام ولا تَشَهٍّ ولا مُجرّدِ مُسايرةٍ لثورات السّاحة العربيّة ولا من مُنطلق الاستجابة لتحريضٍ هُنا أوهناك، كيفَ والمُطالبّةُ بالحقوق لم تتوقّف من عشراتِ السنين ولم يخفت لها صوتٌ على هذا الطريق؟
فقد أصبحَ الوضعُ في البحرين يُسابق في تعامُله مع الشعب أكثر الدول انتهاكاً لحقوق الإنسان في كلّ مجالاتها، وصارت قضيّة انتهاك هذه الحقوق غير قابلةٍ للإنكار ومُدانةً دوليّاً حتّى من الحُلفاء الرئيسينَ للنّظامِ الرسميّ القائمِ هُنا، كما كشفت عن ذلك نتائجُ المُناقشات لتقرير البحرين المُتعلّق بالوضع الحقوقيّ في مجلس حقوق الإنسان التّابع للأمم المتحدّة بِجُنَيْف، وقد طَالَبَ العديد من الدول النّظام الرسميّ باحترام حقوق الإنسان والتحقيق المستقلّ في شكاوى واستخدام القوّة المُفرطة وتقديم من يَثبت في حقّهم ذلك للمُحاكمة العادلة بما يَشملُ المسؤولين الكبار المُتورّطين في مثل هذه التعديّات الخطيرة.
ولم يجد المجلس الصِدقيّة المزعومَة لتطبيق توصيات لجنة تقصّي الحقائق التي شُكّلَت بإرادةٍ رسميّةٍ بعيدةٍ عن اختيار الشعب، وكان جوابُ "هيومان رايتس" على الدعوى الجريئة التي يعرف مئات الآلاف من هذا الشعب مُجافاتها للحقيقة ومثّلت صدمةً لهم أو مَثار سخريّة من أنّه لا يُوجَدُ سجينٌ سياسيٌ واحدٌ في سجون البحرين، بأنّها دعوى لا يصدّقها أحد وأنّه آن الأوانُ للتوقّف عن إنكار الواقع واتّخاذ خطواتٍ جادّةٍ لإنهاء أزمة حقوق الإنسان في البحرين.
ونحن نقولُ بأنّه قد آن الأوان فعلاً وقبل اليوم للتخلّي عن الإعلام الزائف وإنكار الحقائق السّاطعة مثل المُعارضة الجماهيريّة الواسعة[1] والتعبيرِ السلميّ الحضاريّ المُستمرّ عن المطالب الشعبيّة العادلة وامتلاء المُعتقَلات بسُجناء الرأي السياسيّ واستمرارِ انتهاك حقوق الإنسان على يد السلطة بصورةٍ واسعةٍ فاضحة [2].
وآن الأوان للاستجابة للمطالب الشعبيّة في البُعد الحقوقيّ والسياسيّ معه، وأنّه لا حلّ للأزمة الخانقة للوطن من غير الاعتراف بهذه الحقوق والاستجابة السريعة للمُطالبَةِ بتحقيقها.
لم يعد في مقدور كلّ أساليب القمع والتخدير والتفتيت وإثارة الفتن والتسويف والمُغالطة والالتفاف والمُراوغة والدّعاوى الإعلاميّة الزائفة وكلّ ما يُمكن أن تتفتّقَ عنه عقليّة السلطة أن تُوقِفَ هذه المُطالَبَة من الشعب والإصرار على الوصول إلى حقوقه الثابتة العادلة التي لا تسمحُ الضَرورةُ البالغة التي تفرض نفسها على الشعب حفاظاً على أمنه ودينه وعزّته وكرامته أن يُفكّر في التنازل عنها أو أن يَفْتُرَ في مواصلة الطريق إليها [3] .
وشعبُ البحرين هُنا يعجبُ كيفَ سمحَ وفدُ البحرين الرسميّ لِمَجلس حقوقِ الإنسان التّابع للأمم المتّحدة بأن يُعلنها دعوىً صريحةً صارِخة بأنّه لا وجود لسُجناء سياسيّين في مُعتقلات البحرين وهُو يعرف أنّ مئاتاً وأُلوفاً قَبَعوا ويقبعون في سُجونِ البحرين كلّ جريمتهم مَشاركةٌ في مسيرةٍ أو اعتصام أو رأيٌ سياسيّ غيرُ مصحوبٍ بشيءٍ من العنف والإرهاب.
نسأل أيّ قَتْل؟ أيّ حَرْق؟ أيّ إتلافٍ لمُمتلكات خاصّة أو عامّة؟ أيّ هجومٍ على مؤسّسةٍ حكوميّةٍ أو أهليّةٍ؟ شنّه سماحة المشايخ: عبد الجليل المقداد، الشيخ محمد المقداد، الشيخ محمد علي المحفوظ، الشيخ محمد سعيد النّوري، الشيخ ميرزا المحروس، الشيخ عبدالهادي المخوضر، الأساتذة والرّموز السياسيّون: عبد الوهاب حسين، حسن مشيمع، عبد الجليل السنكيس، الخواجة...كلّ الأخوة الآخرون من زملائهم، المئاتُ والألوف ممّن تعرّضوا للتوقيف والتعذيب والمحاكمة والسجن[4].
كم قضيّةً من قضايا المُعتقَلين والمُعَذَّبين من بين مئاتِ وألوفِ القضايا التي استطاع القضاء أن يُثبت فيها بالدليل القاطع ومن غير خلفيّة الاعترافات المأخوذة تحت التعذيب أنّ المعنيّ بها قد مارس فعلاً ما اتُّهِمَ به وتمّت إدانته على أساس ذلك ؟ لو تنازلنا جدلاً وقبلنا أنّ قضيّةً أو خمس قضايا قطع القضاء بأنّها كذلك، فما شأن مئات القضايا وألوف القضايا الأخرى لمن ذاقوا ويذوقون ويلات السجون؟.. ولا سجينٌ واحد سياسيّ...ولا سجين واحد سياسي؟ لو كان كلّ الأعداد الهائلة من السُّجناء من أبناء البحرين قتلةً وإرهابيّين ومُتلفين للمُمتلكات وفي كلّ هذه المدّة الطويلة فكم نتصوّرُ من قتلى على يدهم؟ وماذا يكون قد بقي من ثروة هذا البلد ومؤسساته القائمة على الأرض؟ [5] .
صحيحٌ أنّ هناك إدانات على مستوى دوليٍّ واسعٍ لانهتاك حقوق الإنسان الذي يُمارَسُ في حقّ هذا الشعب، وهناك توصياتٌ بالتخلّصِ من وضع انتهاك الحقوق وباحترام الإنسان وحقوقه، والاعتراف بهذا الشعب ودوره في رسم سياسة وطنه وبحريّته وكرامته وحريّة التعبير عن رأيه السياسيّ ..
ولكن ما دام التّنفيذ متروكاً لرأي السلطة فالسلطة تقولُ عملاً: لا تنفيذ. وجواب الشعب هُنا: لا تراجُعَ لا تراجُعَ لا تراجُعَ عن الحقوق ولا فتور.
-----------------
[1] - هذي حقيقة.. من حقيقة على الأرض.. حقيقة أنّ مُعارضة جماهيريّة واسعة لها مطالبها والتي استمرّت أكثر من سنة الآن سنة وما يقرب من ثلاثة أشهر وهي تتظاهر وتخرج المسيرات وتقوم بالاعتصامات.. إلى آخره..
ومع ذلك نسمع أحياناً ماذا؟ أنّ لا شيء على الأرض وأنّ كلّ شيءٍ على ما يُرام، وأنّ هُناك شرذمة قليلة ربّما كان لها دورٌ من هذا...
[2] - هذا أمرٌ لا تحتاجُ أن تُحدّثَ به النّاس.. أمرٌ تَشهدُه كلّ عين، تسمعُه كلّ أُذُن، يَتأذّى لهُ كلّ قلب، يَألمُ له كلّ ضمير.. هذا لا يحتاجُ إلى إعلام على مستوى شعب البحرين.
[3] - هتاف جموع المصلّين: "هيهات منّا الذلّة".
[4] - قدّم لي إحصاءاً.. أيّها الناطق بما نطقت.. قدّم لي إحصاءاً .. قدّم لهذا الشعب ليس لي.. قدّم لهذا الشعب إحصاءاً موضوعيّاً دقيقاً.. ما هي الجرائم؟ ما هي الانتهاكات؟ ما هو العنف ما هو الإرهاب الذي مارسه هؤلاء؟ قدّم كشفاً كاملاً لذلك..
هتاف جموع المصلّين: "نطالب بالإفراج عن المساجين".
[5] - ألوف وكلّهم مجرمون كلّهم إرهابيّون كلّهم أهل عُنف كلّهم يحرقون كلّهم يقتلون..ماذا سيبقى لهذا البلد طوال هذه المد