9 مايو 2011 - 19:30

لا يستطيع من يتابع الأحداث في العالم العربي الا ان يشعر بالبلبلة والحيرة، فما الذي يحدث هناك بالضبط؟ إن مصر وتونس في مرحلة مأسسة الثورة التي تشتمل على انشاء اجهزة حكم جديدة وصياغة من جديد لنظام العلاقات بين المجتمع والسلطة.

ابنا : وفي مقابلهما فان ليبيا  واليمن والبحرين في ذروة معركة استنزاف إن لم نقل حربا أهلية بين نظام الحكم وأجزاء واسعة من المجتمع، في حين ما يزال غير واضح كيف سينتهي هذا الصراع. وفي دول كثيرة اخرى تجري مظاهرات بين الفينة والاخرى، في حين تحاول نظم الحكم تهدئة الغليان باتخاذ خطوات مختلفة، مثل اقالة الحكومة أو منح إفضالات اقتصادية واصلاحات في محاولة لارضاء الجمهور. وفي المقابل، يسود عددا من الدول وفيها السلطة الفلسطينية، هدوءٌ نسبي. فكيف نستطيع ان نفسر التطورات في الدول العربية المختلفة؟
صك المؤرخ البريطاني، تيموثي غيرتون آش، في بحث نشره عن الثورات في شرق اوروبا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في 1989 مصطلح 'رفليوشن' (إصلاثورة) كي يعبر على نحو أفضل عما حدث في هذه الدول والذي كان في زعمه أقل من ثورة لكن أكثر من اصلاح. إن أهمية هذا المزيج اللغوي كامنة في حقيقة انه يؤكد انه توجد طائفة من الامكانات عندما يجري الحديث عن تغيير النظم الحاكمة.
إن التغييرات التي تحدث في العالم العربي أحدثت طرزا مختلفة من نظم الحكم، مع درجات مختلفة من التعددية بل الديمقراطية. ما يزال من السابق لأوانه أن نحلل في قطع الأحداث في مصر منذ تم اسقاط نظام حكم مبارك. يبدو في هذه المرحلة ان مصطلح 'ثورة' كبير عليها لان النخبة العسكرية والبيروقراطية بقيت في هذه الاثناء في مكانها ولم تحدث حتى الآن تغييرات مهمة من جهة اقتصادية واجتماعية. لكن لا تمكن الاستهانة بالتغييرات السلطوية والدستورية؛ وإن تكن التغييرات تُنفذ من أعلى في الأساس، لكن يبدو ان الطبقات التي لم يُسمع صوتها حتى الأحداث الاخيرة الطبقة الوسطى والدنيا والمثقفين والعمال والشباب وغيرهم ستكون عاملا مهما في السياسة المصرية في المستقبل. لهذا قد يكون مصطلح 'إصلاثورة' ذا صلة ايضا بالوضع في مصر.
على كل حال، لا شك في أن النموذج المصري سيكون قدوة لدول عربية اخرى. كما كان نظام حكم الضباط المصري الذي تولى السلطة في 1952 نموذجا لانقلابات عسكرية في العراق وسورية واليمن وليبيا والسودان ودول اخرى، وكما أثرت الاشتراكية العربية التي أبدعها عبد الناصر ـ والتي اشتملت على اصلاح زراعي وعلى تأميم واستثمارات حكومية وغير ذلك ـ في دول عربية كثيرة. إن دخول مصطلحات جديدة في شأن حقوق الانسان في الخطاب العربي سيوجب على الحكام العرب إدخال اصلاحات وتعديلات يتعلق مقدار عمقها بقوة الاحتجاج وقوة المعارضة ومبلغ (عدم) شرعية النظام وتصميمه، ومبلغ مشاركة الجهات الخارجية في الغرب.
إن الأدوات التي تم اقتراحها هنا تساعدنا على أن نقيس قوة التغييرات وعمقها في العالم العربي، برغم ان من الواضح ان المنظار التاريخي وحده سيُقدم الجواب الكامل. مع ذلك يبدو انه حدث تغيير واضح في مجال واحد ـ وهو صورة العرب في نظر أنفسهم وفي نظر الغرب. إن الاستعمال المباشر لمثقفين لمصطلح 'الثورة' يرمي الى منح الأحداث صورة ايجابية. أكد رشيد الخالدي وفؤاد العجمي ايضا، وهما مفكران عربيان رائدان في الولايات المتحدة، في مقالاتهما التحول الايجابي الذي حدث لصورة العربي إثر 'ربيع الثورة العربي'.
أحسنت التعبير عن هذا التغيير ساجدة تسنيم في الصحيفة الاسبوعية المصرية المعتبرة 'الأهرام ويكلي': 'إن الشرقيين الذين عُرضوا على أنهم (غير عقلانيين) و(ضعفاء)، و(عديمو القدرة السياسية)، والذين كانوا يُرون غير قادرين على الاتيان بالنظام و(غير ملائمين للديمقراطية)، فضلا عن انهم نجحوا الآن في خلع دكتاتور وتمهيد الطريق لاصلاحات دستورية وسياسية كبيرة، فعلوا ذلك بأنفسهم دون يد الغرب السخية'.
اذا حدث هذا التغيير حقا لصورة العربي ـ في الغرب وفي الدول العربية ـ فلن يكون أقل من ثورة.

 محاضر في قسم الاسلام والشرق الاوسط في الجامعة العبرية

هآرتس