وفقا لما أفادته وكالة أنباء أهل البيت (ع) الدولية ــ أبنا ــ أحدثت الحرب الأمريكية ـ الإيرانية التي اندلعت عام 2026 تحولاً عميقاً في البيئة السياسية والأمنية في منطقة الخليج. فمع انتقال المواجهة من ساحات الصراع المباشر بين الولايات المتحدة وإيران إلى فضاء إقليمي أوسع، وجدت بعض الحكومات الخليجية نفسها أمام معادلة أمنية شديدة الحساسية: حماية أمن الدولة ومصالحها الاستراتيجية من جهة، وإدارة مجتمعات متعددة مذهبياً من جهة أخرى.
غير أن التطورات التي رافقت الحرب، ولا سيما خلال موسم محرم وعاشوراء 1448هـ/2026م، أثارت قلق ومخاوف متزايدة بشأن انتقال الإجراءات الأمنية من استهداف أفراد يُشتبه في ارتباطهم بنشاطات معادية للدولة إلى تضييق و ممارسة قمع وفرض قيود أوسع على المجال الديني والاجتماعي للشيعة.
وقد وثقت منظمات حقوقية خلال عام 2026 تصاعداً في الاعتقالات والقيود على الشعائر والمجالس الحسينية وسحب الجنسية في البحرين، كما وردت تقارير عن اعتقالات واستهداف شخصيات شيعية في الإمارات، في حين شهدت الكويت إجراءات مشددة تجاه مراسم عاشوراء وتزامن ذلك مع استمرار سياسة واسعة لسحب الجنسية شملت شخصيات شيعية بارزة.
وهنا تبرز مسألة تتجاوز حدود الطقس الديني ذاته: هل أصبحت الهوية المذهبية للشيعة في بعض دول الخليج تُعامل باعتبارها مؤشراً أمنياً في سياق الصراع مع إيران؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما أثر هذا التحول على مفهوم المواطنة والوحدة الوطنية؟
أولاً: الحرب وتحول الشيعة من مكوّن اجتماعي إلى "مسألة أمنية"..
من الضروري التوقف عند
الإجراءات الجماعية التي توسع دائرة الاشتباه لتشمل مكوّناً مذهبياً بأكمله أو نشاطه الديني والاجتماعي السلمي.
المشكلة خليجيا بدأت عندما أصبح الانتماء المذهبي أو ممارسة الشعائر الدينية عاملاً في تحديد درجة الاشتباه الأمني.
وهذا هو أحد أخطر التحولات التي أفرزتها الحرب الإقليمية الأخيرة؛ إذ تحولت الهوية الدينية من عنصر من عناصر التنوع الاجتماعي إلى معيار أمني محتمل.
وتشير تقارير حقوقية في البحرين إلى أن السلطات، منذ تصاعد الحرب مع إيران، وسعت نطاق الاعتقالات والاستدعاءات والإجراءات ضد مواطنين شيعة، وربطت السلطات بعض القضايا باتهامات تتعلق بإيران أو الحرس الثوري الإيراني. وفي مايو/أيار 2026، أعلنت السلطات البحرينية اعتقال 41 شخصاً قالت إنهم مرتبطون بالحرس الثوري الإيراني، بينما تحدثت تقارير حقوقية عن اعتقالات طالت رجال دين وشخصيات شيعية.
فيما اتخذ الإجراء الأبرز في البحرين بإعتقال نساء على تغريدة كما جرى بإعتقال السيدة بدور عبدالحميد الجمري والحكم عليها بالسجن المؤبد لتعاطفها مع ايران. لكن السؤال الحقوقي والسياسي يبقى قائماً: هل تتناسب هذه الإجراءات مع الأفعال الفردية المنسوبة إلى الأشخاص، أم أن الانتماء الاجتماعي والديني أصبح جزءاً من دائرة الاشتباه؟
ثانياً: الكويت ـ من ضبط المظاهر العاشورائية إلى توسيع المجال الأمني.
كانت الكويت تاريخياً من أكثر البيئات الخليجية انفتاحاً على المشاركة السياسية والاجتماعية الشيعية. وقد احتفظ الشيعة بحضور ديني ومجتمعي وسياسي واضح، بما في ذلك المشاركة في الحياة البرلمانية.
إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً مهماً في علاقة الدولة بملف المواطنة، تمثل خصوصاً في سياسة واسعة لسحب الجنسية.
وفي عام 2026 استمر هذا المسار، وشمل شخصيات من اتجاهات مختلفة، ولم يكن جميع المستهدفين من الشيعة أو من خلفية مذهبية واحدة. لذلك من غير الدقيق علمياً وصف كل عمليات سحب الجنسية في الكويت بأنها حملة ضد الشيعة.
لكن دلالة التطورات تتغير عندما يتعلق الأمر بشخصيات شيعية دينية بارزة.
ففي يوليو/تموز 2026 أعلنت الكويت سحب جنسية ستة أشخاص، بينهم رجل الدين الشيعي البارز آية الله الشيخ حسين المعتوق، في سياق حملة أوسع لسحب الجنسية شملت عشرات الآلاف خلال السنوات السابقة.
أما في المجال الديني، فقد شهد موسم عاشوراء إجراءات وقيوداً على تنظيم المجالس والمظاهر الحسينية. وكانت هذه الإجراءات امتداداً لمسار بدأ قبل الحرب؛ ففي 2025 أعلنت السلطات الكويتية ترتيبات أمنية لنقل بعض تجمعات محرم من الحسينيات إلى أماكن عامة مخصصة، بحجة توفير الحماية الأمنية.
وفي 2026 ازدادت المخاوف من أن تتحول الإجراءات الأمنية المؤقتة إلى نمط دائم من إدارة الشعائر من خلال المنع والترخيص والمراقبة.
وتكمن حساسية الحالة الكويتية في أن الشيعة ليسوا جماعة وافدة أو طارئة على المجتمع الكويتي، بل هم جزء أصيل من النسيج الاجتماعي والسياسي للدولة، ولهم حضور تاريخي في التجارة والاقتصاد والسياسة والمؤسسات الدينية.
ومن ثم فإن أي التضييق الواسع على مجالهم الديني أو السياسي لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد إجراء إداري.
ثالثاً: الإمارات ـ انتقال القيود من الفضاء العام إلى المجال الخاص
الحالة الإماراتية تبدو أكثر حساسية من زاوية أخرى، وهي مسألة الحدود بين المجال العام والمجال الخاص.
فقد ظهرت خلال موسم محرم 2026 تقارير تفيد بتشديد الرقابة على المجالس والمآتم الشيعية، وصولاً إلى منع إقامة بعض المجالس حتى داخل المنازل الخاصة. وقد وصفت تقارير إعلامية هذه الإجراءات بأنها تصعيد غير مسبوق في القيود على إحياء مراسم محرم داخل المجتمع الشيعي الإماراتي.
كما أفادت تقارير أخرى باعتقال عدد من المواطنين والمقيمين الشيعة ورجال الدين في أبريل/نيسان 2026، ومن بين الأسماء التي وردت الشيخ غدير ميرزا، المرتبط بالأوقاف الجعفرية وإمام مسجد الإمام علي، إضافة إلى رجال دين آخرين. وهذه المعلومات صادرة عن جهات حقوقية، ولذلك ينبغي التعامل مع تفاصيلها باعتبارها تقارير حقوقية تحتاج إلى مقابلة مع البيانات الرسمية لكل حالة.
لكن حتى مع وضع هذا التحفظ المنهجي، فإن مجرد انتقال القيود من المجلس الحسيني المرخص أو المجال العام إلى الاجتماع الديني داخل المنزل يطرح سؤالاً بالغ الأهمية:
أين ينتهي حق الدولة في تنظيم التجمعات لأسباب أمنية، وأين يبدأ الحق في ممارسة الشعائر داخل المجال الخاص؟
فإذا كان اجتماع عدد من الأشخاص في فضاء عام يخضع لتنظيم قانوني لأسباب تتعلق بالسلامة، فإن تمديد المنع إلى الاجتماع الديني الخاص داخل المنزل يمثل مستوى مختلفاً تماماً من التدخل.
وهذا لا يتعلق بالشيعة وحدهم؛ لأن المبدأ الذي يُقبل تطبيقه على جماعة دينية واحدة يمكن أن يصبح قاعدة قابلة للتوسع لتشمل جماعات أخرى.
رابعاً: البحرين ـ النموذج الأكثر وضوحاً في التصعيد
تبدو البحرين الحالة الأكثر وضوحاً في مسار التصعيد خلال عام 2026.
فمنذ بداية الحرب مع إيران، أعلنت السلطات البحرينية عن عمليات أمنية واعتقالات واسعة، وربطت بعضها بصلات بإيران أو الحرس الثوري.
وفي مايو/أيار أعلنت السلطات اعتقال 41 شخصاً قالت إنهم مرتبطون بالحرس الثوري الإيراني.
لكن التقارير الحقوقية تحدثت عن نطاق أوسع بكثير من الاعتقالات والاستدعاءات.
ففي يونيو/حزيران 2026 تحدثت منظمة Americans for Democracy & Human Rights in Bahrain عن اعتقال 53 رجل دين شيعياً ضمن حملة أمنية، إلى جانب إجراءات أخرى شملت ناشطين وشخصيات اجتماعية ودينية.
كما تحدثت تقارير حقوقية عن إجراءات طالت المواطنين الشيعة خلال موسم عاشوراء، بما في ذلك قيود على المواكب والمظاهر الدينية وتنظيم الفعاليات، بينما أشارت تقارير إعلامية إلى تقليص الفترة التقليدية لمراسم عاشوراء وفرض قيود على توقيت المواكب.
الأكثر خطورة كان ملف الجنسية.
ففي أبريل/نيسان 2026 أعلنت السلطات البحرينية سحب الجنسية من 69 شخصاً، وفق ما نقلته منظمة DAWN، على خلفية اتهامات تتعلق بتمجيد الهجمات الإيرانية أو التعاون مع جهات أجنبية. ووصفت المنظمة القرار بأنه أول سحب جماعي للجنسية منذ 2019.
وفي أغسطس/آب 2026، قالت مجموعة من المنظمات الحقوقية إن السلطات البحرينية اعتقلت أو استدعت أكثر من 600 شخص منذ فبراير/شباط في سياق حملة قالت إنها استهدفت ممارسة دينية سلمية وحرية التعبير والتجمع.
وهنا تصبح الصورة أكثر تعقيداً من مجرد "منع عاشوراء".
فنحن أمام حزمة من الإجراءات تشمل:
- الاعتقال.
- الاستدعاء والتحقيق.
- التضييق على رجال الدين.
- تقييد المجالس والمواكب.
- القيود على التعبير السياسي.
- سحب الجنسية.
- وربط بعض الممارسات أو المواقف بعلاقات خارجية.
وهذا التداخل بين الأمني والسياسي والمذهبي والديني هو الذي يجعل الحالة البحرينية الأكثر إثارة للقلق.
خامساً: منطق "الأمن القومي" ومشكلة التعميم
من الطبيعي أن تشعر دول الخليج بالقلق في ظل حرب اقليمية مفتوحة مع إيران.
فالكويت كما باقي الدول الخليجية فتحت مجالها الجوي والأرضي والبحري للقوات الأمريكية لضرب ايران، وقد قامت ايران بالرد بضرب القواعد العسكرية الأمريكية في الدول الخليجية حيث تعرضت خلال الحرب لضربات صاروخية وطائرات مسيرة، كما استهدفت الهجمات منشآت حيوية وقواعد مرتبطة بالوجود العسكري الأمريكي.
ومع ذلك، فإن تشديد الإجراءات الأمنية واستهداف المكون الشيعي لا يكفي تبريره بالحملات الصاروخية الموجهة ضد المصالح الأمريكية في المنطقة.
إن المشكلة السياسية تبدأ عندما تتحول المعادلة من:
"نعاقب من يتعاون مع دولة أجنبية ضد بلاده"
إلى:
"ندين جماعة اجتماعية بسبب احتمال ارتباط بعض أفرادها بدولة أجنبية."
الفارق بين العبارتين جوهري.
الأولى تقوم على المسؤولية الفردية.
أما الثانية فتقوم على المسؤولية الجماعية.
والدولة الحديثة لا تستطيع بناء أمن مستدام على أساس المسؤولية الجماعية؛ لأن ذلك يحول مكوناً من مكونات المجتمع إلى جماعة تشعر بأنها مطالبة دائماً بإثبات ولائها. بينما المتهم الأول في الارتباط بالدول الأجنبية في الواقع الخليجي هم الحكومات الخليجية نفسها، التي قدمت جزء من أراضيها للقواعد الأجنبية وجزءا من سيادتها للقرار الأجنبي.
سادساً: هل يمكن اختزال شيعة الخليج في علاقتهم بإيران؟
هذه ربما تكون القضية المركزية التي أفرزتها الحرب.
فوجود إيران كقوة إقليمية شيعية لا يعني أن شيعة الخليج يمثلون امتداداً سياسياً لها.
الشيعة في الكويت والبحرين والإمارات مواطنون أو مقيمون لهم مصالحهم المحلية، وعلاقاتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الخاصة، كما أن بين الشيعة أنفسهم تيارات واتجاهات متعددة تختلف الرؤية والمنهج.
ومن الخطأ المنهجي تحويل المذهب إلى هوية سياسية واحدة.
فالشيعي الكويتي ليس بالضرورة إيرانياً في ولائه السياسي.
والشيعي البحريني ليس بالضرورة تابعاً لطهران.
والشيعي الإماراتي ليس بالضرورة ممثلاً للمشروع الإيراني.
بل إن هذه النظرة نفسها قد تنتج النتيجة التي يُفترض أن الدولة تريد تجنبها: دفع المواطن الشيعي إلى الشعور بأن الدولة لا تراه مواطناً كاملاً وإنما تراه أولاً وأخيرا باعتباره شيعياً وليس مواطنا.
سابعاً: التوقيت يطرح أسئلة مشروعة
من أكثر الجوانب إثارة للتساؤل أن موجة الإجراءات الأمنية والسياسية تزامنت مع الحرب ومع موسم عاشوراء.
وهذا التزامن يثبت وجود "خطة خليجية موحدة" ضد الشيعة، و توجد في الاجراءات التي أعلنتها الحكومات الخليجية وخاصة الكويت والبحرين والإمارات والسعودية أدلة كافية تسمح بالجزم بوجود قرار خليجي مركزي واحد للتضيق وضرب الشيعة.
إن التشابه في المسار والنهج الأمني ضد شيعة الخليج داخل أكثر من دولة يبرر طرح أسئلة سياسية جدية.
ومن أبرز هذه الأسئلة:
1. هل أصبحت الحرب مجرد ذريعة لتوسيع الإجراءات الأمنية ضد شيعة الخليج؟
أي هل ستبقى الإجراءات مرتبطة بفترة الحرب، أم ستتحول إلى قواعد دائمة في التعامل مع المجال الشيعي؟
2. هل تعبر الإجراءات عن مرحلة انتقال من استهداف السلوك إلى استهداف الهوية؟
الفرق كبير بين معاقبة شخص يثبت تعاونه مع دولة أجنبية وبين مراقبة نشاط ديني لمجرد أنه شيعي.
3. هل أصبحت الشعائر الدينية، الشيعية تحديدا، جزءاً من مفهوم الأمن القومي؟
لقد حدث ذلك، وإن المجال الديني أصبح ميداناً أمنياً دائماً، وهو أمر بالغ الخطورة على الاستقرار الاجتماعي.
4. هل يتم التعامل مع الولاء الوطني باعتباره اختباراً مذهبياً؟
والكلام هنا، إنه إذا أصبح على المواطن الشيعي أن يقدم باستمرار أدلة على ولائه الوطني بسبب مذهبه، فإن مبدأ المواطنة المتساوية قد تعرض لضربة مباشرة.
5. هل الهدف مؤقت أم استراتيجي؟
وهذا هو السؤال الأهم.
المرشح إن هذه القيود إجراءات ليست مؤقتة مرتبطة بظروف الحرب، فمن المتوقع أن تستمر وتصبح جزءا من المشهد العام في الدول الخليجية حتى مع انتهاء التوتر.
وهنا إذا استمرت بعد الحرب، وأصبحت جزءاً من قوانين أو ممارسات مؤسسية، فإننا أصبحنا في واقع جديد و أمام تحول أعمق في علاقة الدولة بالمكون الشيعي.
ثامناً: المفارقة التاريخية
تكمن المفارقة في أن الشيعة في الخليج ليسوا جماعة جديدة ظهرت مع الثورة الاسلامية في ايران.
فوجود الشيعة في المنطقة سابق على قيام الدولة الحديثة نفسها.
وقد تشكلت مجتمعاتهم عبر قرون من التجارة والهجرة والتداخل الاجتماعي والاقتصادي والثقافي.
ولهذا فإن تصويرهم باعتبارهم "جسماً خارجياً" أو "امتداداً لدولة أجنبية" يتجاهل حقيقة تاريخية واجتماعية أساسية: الخليج كان ولا يزال فضاءً بشرياً متداخلاً، ولم تكن الحدود السياسية الحديثة هي التي أنشأت مكوناته المذهبية.
والشيعة جزء أصيل من التركيبة الاجتماعية الخليجية، بل نجزم إنهم في بعض البلدان الخليجية كالبحرين والكويت هم الجزء الأصيل والمكون الأساسي في المجتمع.
ومن هنا فإن تحويل الخلاف السياسي مع إيران إلى خلاف مذهبي مع الشيعة فإنه سيؤدي إلى نتيجة عكسية تماماً.
تاسعاً: هل التضييق على الشيعة يقوي الجبهة الوطنية؟
الجواب من منظور علم الاجتماع السياسي هو: ليس بالضرورة، بل قد يحدث العكس.
فالجبهة الوطنية القوية لا تقوم على تشابه المواطنين، وإنما على شعورهم بأنهم متساوون أمام الدولة.
عندما يشعر المواطن بأن هويته المذهبية قد تجعله موضع شك إضافي، تنشأ تدريجياً ظاهرة يمكن تسميتها بـ"المواطنة المشروطة".
أي أن المواطن لا يشعر بأن مواطنته حق أصيل، وإنما يشعر بأنه مطالب دائماً بإثباتها.
وهذا يخلق ثلاث نتائج محتملة:
أولاً: الانكفاء الاجتماعي.
حيث تتجه الجماعة إلى بناء فضاءاتها الخاصة نتيجة شعورها بعدم الأمان في الفضاء الوطني العام.
ثانياً: فقدان الثقة.
فالثقة بين الدولة والمجتمع لا تبنى بالخطابات، وإنما بالمساواة في الحقوق والواجبات.
ثالثاً: زيادة قابلية الخطاب الطائفي للانتشار.
كلما شعر المواطن بأنه مستهدف بسبب هويته، أصبح أكثر قابلية لتفسير الأحداث من زاوية طائفية.
وهكذا قد تؤدي سياسة تهدف إلى منع "التسييس الطائفي" إلى إنتاج الطائفية التي تحاول الدولة الخليجية أن تتمظهر بمحاربتها.
عاشراً: الأمن الحقيقي لا يقوم على الاشتباه الجماعي
بصراحة أقول أنه يجب على الدول الخليجية أن تحسم خياراتها وأن تتعامل بصرامة كاملة مع التدخلات الأجنبية، وإبعاد المنطقة عن شبح الحروب ومخاطر الصراعات الأجنبية ومنع ان تتحول جغرافيا المنطقة الخليجية لساحات مواجهة وتصفية حسابات الصراعات السياسية الأجنبية..
وليس من الصرامة جعل الجماعة الشيعية وهم من المكونات الأساسية في المجتمع الخليحي محل اتهام أمني عام وبسبب صراع سيطرة ونفوذ اجنبي على المنطقة.
إن أي اعتقال تقوم به الدولة الخليجية حتى في ظرف الحرب يجب أن يكون فرديا، قائما على أدلة، وخاضعا للقانون، قابلا للمراجعة القضائية، غير مرتبط قطعا بالمذهب، ولا تمتد إلى الأسرة أو الجماعة أو المؤسسة الدينية لمجرد ارتباط (المتهم) بها.
وفي كل الأحوال ينبغي ألا تستخدم الدول الخليجية الحرب ذريعة للتضييق على أي نشاط للجماعات.
المعادلة الصحيحة هي:
مواجهة الحقائق بلا تردد، وحماية حرية الدين وحفظ المواطنة بلا تمييز. وهذه ليست معادلة متناقضة.
بل هي جوهر الدولة الحديثة.
الحادي عشر: من المسؤول عن حماية الوحدة الوطنية؟
الوحدة الوطنية ليست مسؤولية المواطنين وحدهم.
إذا كانت الدولة تطلب من جميع المواطنين الوقوف صفاً واحداً في مواجهة التهديدات الخارجية، فإن عليها في المقابل أن تجعل هذا الصف الواحد قائماً على المساواة.
ومن غير المنطقي أن يقال للمواطن:
"أنت جزء من الجبهة الوطنية عندما تحتاج الدولة إلى دفاعك، لكنك تصبح موضع اشتباه عندما تمارس شعيرتك الدينية."
الجبهة الوطنية الحقيقية تعني أن الشيعي والسني، الحاكم والمعارض، رجل الدين والمواطن العادي، يشعرون بأن القانون يحميهم بالمعايير نفسها.
وإلا تحولت عبارة "الوحدة الوطنية" من مشروع سياسي جامع إلى شعار أمني يُطلب من المجتمع الالتزام به من طرف واحد.
الثاني عشر: ما بعد الحرب ـ الاختبار الحقيقي:
ربما لا يمكن الحكم النهائي على الاتجاه الذي تتخذه الدول في حالات الحرب إلا بعد انتهاء حالة الحرب والطوارئ، لكن الإجراءات المبالغ بها التي اتخذتها الحكومات الخليجية ضد شيعة الخليج وجعلهم في خانة الخونة على الهوية يثير التساؤلات المشروعة حول المواطنة في كل الدول الخليجية.
والاختبار الحقيقي سيكون في الأشهر والفترات المقبلة:
هل ستعود المجالس والحسينيات إلى نشاطها الطبيعي؟
هل سيُفرج عن المعتقلين الذين لم تثبت إدانتهم؟
هل ستتم مراجعة قرارات سحب الجنسية أو يعاد النظر أساسا في مسألة اسقاط الجنسية لحساسيتها الشديدة من جهة القانون الدولي وحفظ حقوق المواطنة؟
هل سيعود علماء الدين إلى ممارسة نشاطهم الديني بصورة طبيعية؟
هل ستُرفع القيود الاستثنائية على مواكب عاشوراء وسائر الطقوس المذهبية المعروفة؟
وهل ستعود الدولة إلى الفصل بين المذهب وبين حقوق المواطنة دون تمييز أو إقصاء؟
إذا حدث ذلك، يمكن تفسير بعض الإجراءات الأمنية المتشددة ضد شيعة الخليج باعتبارها تدابير استثنائية فرضتها ظروف الحرب.
أما إذا استمرت الإجراءات بعد زوال مبرراتها الأمنية التي قامت بموجبها الحكومات الخليجية بالضغط وتشديد الخناق على الشيعة، فإن ذلك سيشير إلى أن الحرب لم تكن سوى نقطة تحول في سياسة أوسع تجاه المكونات الشيعية، وستصبح حينها الحكومات الخليجية اكبر تهديد للمواطنة.
خاتمة:
تكشف أحداث 2026 عن واحدة من أكثر المعضلات حساسية في منطقة الخليج: كيف يمكن للدولة أن تواجه خطر التهديدات الاستراتيجية وخاصة الخارجية بعد أن اصبحت القواعد الأجنبية تمثل مركز هذه الأخطار من دون أن تحول جزءاً من مواطنيها إلى "جبهة داخلية محتملة"؟
إن الخطر ليس في أن تتخذ الدول إجراءات أمنية مشددة خلال الحروب؛ فهذا أمر مفهوم في الظروف الاستثنائية، لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما يصبح المذهب قرينة أمنية، والشعيرة الدينية موضع اشتباه، والمجلس الحسيني مساحة تحتاج إلى تبرير، ورجل الدين هدفاً أمنياً لمجرد انتمائه، والجنسية أداة يمكن استخدامها في الصراع السياسي وتوظيفها كورقة سياسية في مواجهات الآخرين، ودون أن تتم مقاربة المصادر الأساسية للتهديد.
وفي هذه الحالة لا يعود السؤال متعلقاً بحق الشيعة وحدهم، بل يصبح السؤال متعلقاً بمستقبل الدولة والمواطنة الخليجية نفسها.
فالدولة التي تريد جبهة داخلية قوية لا تستطيع بناء هذه الجبهة على الريبة والخوف من مكوّن من أحد مكوناتها الاجتماعية.
وغني عن القول بأن الدولة التي تريد ولاءً وطنياً حقيقياً لا تستطيع أن تطلب من مواطنيها أن يختاروا بين هويتهم الدينية ومواطنتهم.
والدولة التي تريد مواجهة بحجم المواجهات الأخيرة أبدا لا تحتاج إلى محاربة التشيع داخل حدودها؛ بل تحتاج إلى بناء دولة يشعر فيها الشيعي قبل غيره أن أمنه وكرامته وحريته ومواطنته وجميع حقوقه المدنية مصونة بالقانون.
لقد أثبت تاريخ الخليج أن المجتمعات تستطيع أن تتعايش رغم اختلافاتها المذهبية.
أما تحويل الاختلاف المذهبي إلى قضية أمنية دائمة، فإنه قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة تماماً للهدف المعلن: بدلاً من توحيد الجبهة الوطنية، قد يخلق جبهات داخلية جديدة.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس فقط:
كيف تحمي دول الخليج نفسها من التدخلات الأجنبية بوجود عشرات القواعد العسكرية بعد أن اثبتت التجربة بأنها كشفت هشاشة أوضاعهم الاستراتيجية؟
بل أيضاً:
كيف تحمي دول الخليج مجتمعاتها من أن تتحول حرب امريكا مع إيران إلى حرب داخلية مع جزء من مواطنيها؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد، إلى حد كبير، شكل الدولة الخليجية في مرحلة ما بعد الحرب: هل ستكون دولة مواطنة تتسع لكل مكوناتها، أم دولة أمنية يصبح فيها الاختلاف المذهبي سبباً دائماً للإتهام والريبة؟ أو أن تتصرف الحكومات الخليجية وكأن حقيقة الحرب هي بينها وبين ايران او تصدق بأن هذه الحرب هي حرب هويات؟
وهذا هو الاختبار الحقيقي الذي تضعه أحداث 2026 أمام دول الخليج.
راشد الراشد
تعليقك