10 أبريل 2011 - 19:30

أن تثور ثائرة الإدارتين: الأمريكيّة والبريطانيّة، على أثر صفعة قاسية تلقّتها الإدارتان في المنطقة عندما انتصرت الثورة الإسلاميّة الإيرانيّة، فهذا أمر طبيعيّ، ومفهوم، ومبرّر..

ابنا : تقوم الدنيا ولا تقعد عند قوى الاستكبار؛ لأنّها صعُبَ عليها أن تتقبّل فكرة أنّ بلداً من بلدان الشرق الأوسط يسعى لتطوير نفسه من دون إذنٍ منها، ومن دون أن يمرّ في القنوات الضيّقة التي تحدّدها هي له، فهذا أيضاً أمر عاديّ جدّاً، وليس مستغرباً ولا مفاجئاً.. وأن لا تتحمّل الدول العظمى وأقطاب الرأسماليّة فكرة أنّ وطناً ما في (العالم الثالث) يسعى لحماية نفسه، ويطلب الاكتفاء الذاتيّ الذي يُتيح له أن يستغني عنها، وأن لا يكون في قراراته السياسيّة والمبدئيّة وسياساته الاجتماعيّة والثّقافيّة تابعاً لها وخاضعاً لسلطتها وشروط بنكها الدوليّ، فهذا ليس بجديد ولا عجيب. إنّنا لا نشكّ لحظةً في أنّ الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران محارَبةٌ لأجل كلّ ذلك، ولو أنّها، في لمحةٍ خاطفة، تُبدي استعدادها، أو تلوّح (تلويحاً فقط) إلى إمكانيّة انقيادها لميول ورغبات (المجتمع الدّولي)، لَتَغَيَّر الوضع كلّه، وارتفع الحصار، وزالت العقوبات الاقتصاديّة وغيرها، وحلّق اسم إيران عالياً في المحافل الدوليّة.. حينئذٍ فقط، يصير من حقّها أن تمتلك ما شاءت من الطاقة النوويّة، وحينئذٍ فقط، تصير لها الأهليّة للتمتّع بحقوقها، الذاتيّة منها والمُكتَسَبة. وملخّص القول: أنّها لو فعلت ذلك، لفُتِحَت لها أبواب الرحمة الأمريكيّة، على مصاريعها، ولصارت إذاً واحدةً من الدول الكُبرى، التي لها كلّ الحقّ أن تتدخّل وتُبدي رأياً في كافّة أزمات المنطقة. ولِمَن يقول عكس ذلك، نذكّره بالشاه الإيرانيّ المخلوع: ألم تكن إيران في عهده بوّابة الشرق الأوسط؟! ألم يكن الشاه آنذاك مقدَّماً على كلّ ملوك العرب وحُكّامهم؟! ألم يكن شُرطيّ الخليج في وقته؟! فليست القضيّة إذاً، مجرّد أزمة سلاحٍ نوويٍّ يُخشى من قيام إيران بتصنيعه، لتستخدمه فيما بعد في إرعاب أعدائها أو تهديد جيرانها، ولا هي قضيّة الحكم ولا الهلال الشيعيّ، ولا ولاية الفقيه، ولا الدستور الذي يعتمد الإسلام وفقهه مرجعيّةً له، ولا (خنق الحرّيّات)!! التي يزعمون أنّ إيران تمارسه على شارعها ومواطنيها. المسألة وراء ذلك كلّه، وأعمق من ذلك كلّه، إنّها مسألة الانقياد والتبعيّة والولاء السياسيّ الأعمى، التي ينبغي أن تُعلنها الجمهوريّة الإسلاميّة مبدأً لها. إنّها مسألة احتضان الجمهوريّة الإسلاميّة لكلّ حركات المقاومة.. إنّه الدعم السياسيّ والمعنويّ، والمادّيّ أيضاً، الذي لا تبخل به إيران على حماس والجهاد الإسلاميّ وسائر فصائل المقاومة في غزّة وأرجاء فلسطين المحتلّة، وعلى حزب الله في لبنان، وعلى القوى المناضلة في العراق. إنّ السرّ، ببساطةٍ تامّة، يكمن هنا، فمصالح أمريكا وربيبتها إسرائيل في المنطقة وفي العالَم بأسره يتهدّدها الخطر، كلّما ارتفع صوت حرّ واعٍ من مكانٍ ما، ليُطالب بالعدالة والمساواة بين الدول وترك الشعوب لحقّها في تقرير مصيرها ونظام حُكمها وممثّليها الشرعيّين. لذلك كان طبيعيّاً ومبرّراً أن تستعر نيران الأحقاد الصهيونيّة والأمريكيّة والغربيّة والرأسماليّة ضدّ الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة.. ولذلك أيضاً نفهم السرّ في إصرار أمريكا ومن معها على زرع الفتن في بلدان المنطقة، وإشاعة أجواء الكره والبغضاء في دول الجوار، أملاً منها بأن تضيّق الخناق أكثر فأكثر على الشعب الإيرانيّ المسلم، لكي يُعلن هذا الشعب رضوخه واستسلامه لها، وعدوله عن مسيرة التقدّم العلميّ التي هو يقودها اليوم ويرفع لواءها.. ولكن... أن تعمد بعض الدول العربيّة، الإسلاميّة، الشقيقة، إلى استعداء جارتها المسلمة، وشقيقتها في الدين والحضارة، وشريكتها في جبهة الصراع، فهذا أمر غير مفهوم، ولا منطقيّ، ولا مبرَّر، ولا معقول!! فما هو المبرّر اليوم لما نشاهده من قيام بعض الدول العربيّة باستعداء إيران حكومةً وشعباً؟ ولمصلحة مَن ـ يا تُرى ـ إثارة الأحقاد وافتعال أجواءٍ من المشاحنة الطائفيّة أو العرقيّة ضدّ المسلمين من أبناء إيران؟ ومن هو المستفيد من ذلك؟ لقد اتّبعت الجمهوريّة الإسلاميّة، ومنذ انتصار الثورة، سياسةً خارجيّةً متوازنة تقوم على توطيد أواصر المحبّة والحرص على تحكيم دعائم العلاقات الطيّبة بينها وبين دول الجوار.. ولطالما كانت تصرّ على الدعوة إلى تحويل هذا الوسط الإسلاميّ إلى وطنٍ واحد كبير متلاحم متراصّ في مواجهة الأطماع الخارجيّة المحدقة بشعوب المنطقة وحضارتها وثرواتها.. ولطالما كانت هي الداعم الأوّل لكافّة القضايا العربيّة والإسلاميّة، بل هي لا تنفكّ تُعلن على الدوام، وعلى ألسنة كبار مسؤوليها، أنّها ترى القضايا العربيّة المحقّة، وكذلك الهموم التي تشغل الشارعين العربيّ والإسلاميّ، جزءاً لا يتجزّأ من قضاياها وهمومها.. وما دعم القضيّة الفلسطينيّة، واحتضان حركات المقاومة، ومساندة الوحدة العربيّة، وتبنّي الوحدة الإسلاميّة، إلّا غيض من فيض هذه السياسة الحكيمة.. لكنّ هذا كلّه، لا يمنع من قول كلمة حقّ... وهكذا كان.. فلقد دعمت إيران، حكومةً وشعباً، كافّة الثورات العربيّة الحرّة والشريفة التي قامت في المنطقة، ولم تستثْنِ منها ثورةً، لا في تونس، ولا في مصر، ولا في اليمن، ولا في ليبيا، ولا في البحرين.. وأعلنت موقفها هذا بكلّ صراحة وشجاعة ووضوح... فلماذا كان دعمها لثورة البحرين بالخصوص (تدخّلاً سافراً في الشؤون العربيّة)؟! بينما لم يكن دعم سائر الثورات تدخّلاً؟ بل ولم يكن التدخّل الأمريكيّ من وراء البحار تدخّلاً؟! ثمّ كيف ماتت النخوة العربيّة في النفوس حتى لم نرَ أحداً يستنكر ما يجري على شعب البحرين المظلوم والمضطهد؟! انتهی/158