الآن كل شيء يميل إلى الحزن الشديد ليس اعتراضاً على قضاء الله وقدره وهو سبحانه يعطي ويأخذ ولكن لأن الكبار يتعبون أيضاً وينزلون عن أفراسهم ويغادرون الميدان إلى نعسهم المزمن ويغمضون أعينهم على جروح العطش الذي لا يندمل وعلى التراب العليل وهم يعرفون أن تراب أجسادهم وحده يعيد إلى الأرض ألقها لتصعد أشجار الحياة الكثيرة والمزدهرة.

الآن اللغة الهادئة الهادفة الرصينة الناضجة القوية المتدفقة كشلال، لغة المجد الكربلائي، لغة الحواريين والحسينيين الأوائل الذين خرجوا ليكرزوا في القرى والذين خرجوا الى شهادتهم من أجل أن يستقيم الدين – الآن – هذه اللغة تبحث عن مفردات للرثاء ولتعبيرات الحزن الجميل في الابتسامة الواثقة.

الآن، كل من في الشرق من المسلمين والمسيحيين سينتبهون الى أنهم فقدوا مرجعاً كان يحرسهم من هوجاء التعصب والتمذهب وسينتبهون غداً الى أنهم أشد حاجة اليه في اللحظات العصيبة الضاغطة على عالمنا الإسلامي من حدوده عند سور الصين العظيم الى غرب أفريقيا.

الآن، كل اللبنانيين، بكل طوائفهم ومذاهبهم وفئاتهم وجهاتهم، كل أجيالهم وجبالهم وتاريخهم وأرزهم وزيتونهم سينتبهون الى العمر الذي يستنزف أرواحهم ويأخذ عناصر قوتهم لولا المقاومة التي تقيم شجرتها جذوراً في أعماق تراب أجسادهم.

الآن، فلسطين من النهر الى البحر، بقدس أقداسها وغزة هاشم ومساجدها وكنائسها وأطفال حجارتها والأسرى والمعتقلين والشهداء والجرحى ودائماً الأحياء سينتبهون إلى وصيته أن أمانيهم تتحقق بسلوك الطريق الى وحدتهم.

الآن، كل الجغرافيا في الشرق، كل الأفكار المتحاورة او المتشاكسة، كل المقاومات، ستفتقد العلامة العلم آية الله السيد محمد حسين فضل الله العاملي الذي كان منتبهاً على خطوط التماس بمواجهة حرب السيطرة لرفع راية الإسلام الذي يمثل خط النهضة المستقبلية.

حضوره  مشع بنور الدين يعزز فينا المعرفة بدنيانا لتكون لائقة بكرامة الإنسان وحقه في الحياة التي كرّمه بها الله ، السيد الحاضر في يومياتنا باجتهاداته التي فتحت أبواب الدين أمام أبناء الحياة ليعيشوها متحررين من حكم الحاكم الظالم وعسف المحتل الدخيل.

لقد قاد هذا النجفي المتحدّر من عيناتا (على التخم مع فلسطين) لأسرة من العلماء، مع بعض رفاقه المستنيرين، ثورة حقيقية في قلعة الفقه ومركز المرجعية هدفها الأساسي ربط الدين بالحياة، وتيسيره على المؤمنين، وجعلوه يحرّض على كسر النمطية والتقليد الجامد، بفهم كونه يحرّض على رفض الخنوع والاستسلام والتعامل مع الحاكم ـ مهما بلغ ظلمه ـ وكأنه ظل

صارت الثورة على الظلم والفساد الوجه الآخر للثورة على الاحتلال ومن ضمنه الاستيطان والسكوت عن الظالم والمحتل عملاً بحكمة أن العين لا تقاوم المخرز، أو أن كل شيء إنما يتم بإرادته عز وجل... وكأنما الاستيطان الإسرائيلي في أرض الشعب الفلسطيني وتحويله إلى مجاميع من اللاجئين إلى أوطان الآخرين فريــضة أو أنه قدر لا رادّ له، إلا إن شــاء الـله... والإحالـة إلى مشيـئة اللـه للتخـديـر لـيس إلا.

ولقد فهم المحتلون جميعاً، إسرائيل أساساً، ومن بعد الساعون لفرض الهيمنة الأميركية، خطورة الدور التنويري القيادي الذي يلعبه السيد محمد حسين فضل الله، ومن هنا تكرّرت المحاولات لاغتياله ولو بهدم حي كامل في الضاحية النوارة (حارة حريك) على رؤوس سكانه رجالاً ونساءً وأطفالاً.

لقد كنا نقصد في أيام الشدة، وما أكثرها، لنثبت إيماننا بالإنسان وقدراته، ولنستنير بحكمته، ولنتعلم منه الصبر على الشدائد ومقاومة ما يُراد فرضه علينا.

كذلك فلقد كنا نقصده طلباً لثقافة الحياة، وهو الشاعر، الناثر، الفقيه، القائد، المرشد، المصلح الاجتماعي والمستنير بإيمانه ومنير الطريق أمام الراغبين في الخروج من التيه إلى ميدان العمل من أجل غد أفضل للإنسان في وطنه.

بعد كل زيارة كنا نعود أكثر ثباتاً على إيماننا بعروبتنا، فهي عنده رابط مقدس، أولها تحرير فلسطين عنوان تحرير الإرادة العربية، ومعها العراق بعدما ورث الاحتلال الأميركي الطغيان فيه ووضعه على حافة الحرب الأهلية بالتمزقات التي اتخذت طابعاً متعدد الهويات.

وكنا من نعود من لدنه أكثر يقيناً بأن الجهاد في سبيل تحرير الأرض والإرادة هو هو الجهاد في سبيل الله، وأن الدين من أجل الإنسان لا من أجل السلطان، وأن العقل نعمة من الله سبحانه وتعالى وعلينا احترامه واعتماده من أجل أن تكون لنا حياة أفضل.

عزاؤنا، أيها السيد في نهجك، وفي مؤسساتك الناجحة وهي تعمل في خدمة الإنسان، وفي تراثك الغني ،فليباركك الله مرشدا  إلى طريق التقدم ويعزز فينا إحساسنا بكرامتنا كبشر وكأصحاب قضية تستحق أن نجاهد من أجلها... وأنت القدوة اليوم وغداً وفي كل زمان.

انتهی/125