14 سبتمبر 2026 - 21:07
لالة فاطمة نسومر.. المرأة المتمردة التي قادت المقاومة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي

إحدى أبرز رموز المقاومة الشعبية الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي في منطقة القبائل.

وفقا لما أفادته وكالة أنباء أهل البيت (ع) الدولية ــ أبنا ــ عُرفت فاطمة نسومر بلقب "لالة" الذي يُمنح للنساء ذوات التقدير والمكانة العالية، وأطلق عليها القادة والمؤرخون الفرنسيون لقب "جان دارك جرجرة" تشبيها لها بالبطلة القومية الفرنسية "جان دارك"، كما لُقبت بـ"عذراء جبال جرجرة".

المولد والنشأة

وُلدت فاطمة نسومر عام 1830 في قرية ورجة، بالقرب من عين الحمام في منطقة القبائل، لأسرة ارتبط اسمها بالعلم والدين. إذ تنحدر عائلتها من سيدي أحمد أمزيان، العالم الديني المنتمي إلى سلالة مرابطية، فيما كانت أسرتها تتبع الطريقة الرحمانية الصوفية. وفي أجواء زاوية التصوف التي كان يديرها والدها وشقيقها، ويتلقى فيها الطلاب تعليم القرآن وعلوم الشريعة، تشكلت بداياتها الأولى.

لم يكن تعليم فاطمة قائما على الدراسة المباشرة، بل كانت تستمع إلى طلاب الزاوية وهم يتلقون دروسهم، مما مكنها من حفظ سور وأجزاء من القرآن الكريم. ومع مرور الوقت، لم يقتصر حضورها على ما اكتسبته من معرفة دينية، بل بدأت تتشكل حولها مكانة روحية خاصة، حتى ذاع عنها الصلاح والحكمة، وارتبط اسمها في الذاكرة الشعبية بالبركة والكرامات.

تمرّد مبكّر

في نحو السادسة عشرة من عمرها، عُقد قران فاطمة نسومر على ابن عمها يحيى ناث إيخولاف من دون موافقتها، إلا أنها رفضت الزواج بشكل قاطع، وامتنعت عن معاشرة زوجها، ثم عادت إلى بيت أهلها، واختارت التفرغ للعبادة والزهد.

ومع الوقت، تجاوز موقفها حدود الرفض الشخصي، وتحوّل إلى صورة للمرأة التي تتمرد على التقاليد والأعراف المفروضة عليها. وفي المقابل، رفض زوجها تطليقها، فبقيت على عصمته رسميا طوال حياتها.

لاحقًا، انتقلت فاطمة مع شقيقها سي الطاهر إلى قرية سومر لإدارة الزاوية هناك، ومنها اكتسبت الاسم الذي اشتهرت به، فأصبحت تُعرف باسم "فاطمة نسومر"، أي فاطمة القادمة من سومر باللغة الأمازيغية.

في قلب المعركة

لم تكن قيادة فاطمة نسومر للمقاومة الجزائرية مجرّد حضور رمزي، بل تحوّلت تدريجيا إلى دور ميداني مؤثر في مواجهة التمدد الفرنسي في جبال جرجرة بمنطقة القبائل. فمنذ انخراط عائلتها في المقاومة عام 1847، نسجت صلات مع عدد من قادة المقاومة، من بينهم الشريف مولاي إبراهيم وسي محمد الهشمي، قبل أن تنضم إلى الشريف بوبغلة عام 1850 وتشارك في تنظيم المواجهات وتعبئة المقاومين.

وفي صيف 1854، برز دورها بصورة أوضح عندما تولت -إلى جانب شقيقها سي الطاهر- قيادة فرقة "إمسبلن"، أي المتطوعين للجهاد والاستشهاد. وبينما اضطلع شقيقها بالجانب التنظيمي، اعتمدت فاطمة على مكانتها الروحية وفصاحتها في حشد القبائل وشحذ عزيمتها على القتال والصمود.

وبعد مقتل الشريف بوبغلة، انتقلت إليها القيادة الفعلية لقوات المقاومة بمساعدة إخوتها. وفي معركة سباو (تزروت) صيف 1854، قادت آلاف المقاومين في مواجهة القوات الفرنسية، وحققت انتصارًا كبيرًا أجبر القوات الفرنسية على الانسحاب بعد تكبدها خسائر فادحة.

لكن المواجهة الحاسمة جاءت عام 1857، عندما حشد المارشال الفرنسي روندون جيشا قوامه نحو 35 ألف جندي لإخضاع منطقة القبائل. ورغم تفوق القوات الفرنسية الكبير في العدد والعتاد، خاضت قوات المقاومة معارك ضارية في جبال جرجرة، ودعت فاطمة المقاومين إلى التمسك بأرضهم وحريتهم، وقادت الدفاع عن القرى والقبائل في قلب الجبال.

غير أن هذه المواجهة المحتدمة انتهت بأسر لالة فاطمة نسومر يوم 11 يوليو/تموز 1857، بعد أن تمكّنت القوات الفرنسية من الوصول إلى مخبأ المقاومين في قرية تاخليجت ناث أتسو.

وبأسرها توقفت عمليات المقاومة الرئيسية في المنطقة، لكن موقفها عند مواجهة روندون عكس الثبات نفسه الذي ميّز قيادتها؛ فعندما سُئلت عن استمرار رجالها في القتال، فأجابته قائلة "شاء الله ذلك، ليس خطأك ولا خطأي… أنا الآن أسيرتك، وليس لدي ما ألومك عليه ولا يجب أن تلومني، لقد كان مقدرا هكذا".

من الأسر إلى مربع الشهداء

كان الأسر بداية حياة جديدة لها، وسنوات طويلة من العزلة. فقد نُقلت إلى زاوية بني سليمان في منطقة تابلات، حيث فُرضت عليها الإقامة الجبرية تحت الحراسة، بعيدًا عن ساحات القتال التي صنعت فيها اسمها.

وبعد ست سنوات من الأسر، انسدل الستار على حياة فاطمة نسومر في سبتمبر/أيلول 1863، وهي في نحو الثالثة والثلاثين من عمرها، إثر مرض عضال أصابها بالشلل.

ثم عقب أكثر من قرن وثلث القرن من وفاتها، نقل رفات لالة فاطمة نسومر عام 1994 (أو 1995) إلى مربع الشهداء في مقبرة العالية بالعاصمة الجزائرية، لتستقر إلى جوار أبطال ورموز المقاومة الجزائرية.

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha