وفقا لما أفادته وکالة أنباء أهل البيت (ع) الدولية ـ ابنا ـ حين نسير عميقاً في دهاليز العلوم السياسية وعلم النفس الاجتماعي، نكتشف أن الهوية في العلاقات الدولية هي "التعريف المشترك للذات والآخر" كما يرى الفيلسوف الفرنسي بول ريكور: " هي السردية الجبارة والقصة الملهمة التي يرويها الإنسان أو ترويها الأمة عن نفسها لتصنع وجودها". هي الإجابة الوجدانية والفلسفية الصارمة عن سؤال: مَن نحن؟ ومَن هو شريكنا الحتّمي؟ ومَن هو عدونا الوجودي؟
لكن هنا تبدء التصـ ـادمات الفكرية و الاجتماعية . سيجيبك القومي: "أنا عراقي"، بينما يهتف القبلي: "أنا عربي"، و يقول المقـ ـاوم: "أنا عقائدي" . ثلاثة نداءات في جسدٍ واحد، ولكن أين تقف الركائز الصلبة لكلّ منهم؟
أسأل القومي: ما هي ركائز هويتك كعراقي؟ أهي هوية الأحوال المدنية ؟تلك الورقة الإدارية الصورية التي تمزقها الهجرة وتذيبها الغربة دون أن تلامس وعي الإنسان أو تحرك قطرة من دمـ ـه ؟ أم هي الجغرافيا المشتركة والحدود ؟ كيف تبني هوية راسخة على رمال الجغرافيا المتحركة التي تتغير ملامحها بحكم الحـ ـروب و الاتفاقيات ؟
يقول الجغرافي المعاصر نيكولاس سبايكمان: "الحدود الجغرافية ليست حقائق سرمدية، بل هي خطوط تُكتب بمداد القوة وتُمحى بنيران الحـ ـرب".
يكتب المفكر القومي العربي ساطع الحصري في تنظيره الممنهج لأركان الأمة : "إن الأمة لا تحيا بمجرد صكوك رسمية أو حدود تُفرز، بل بالإرادة المشتركة في الحياة السيادية وتأمين مصيرها الاقتصادي ضد أي استلاب أجنبي".
المفكر الألماني يوهان فيشته أحد آباء القومية الحديثة، يقول: "القومية الحقيقية هي التي ترفض التبعية؛ فالأمة التي ترتهن مقدراتها المالية أو قرارها السياسي لقوة خارجية، تفقد هويتها وتصبح ظلاً لغيرها".
ثم أسأل القبلي: ما هي ركائز عروبتك؟ أهي "اللغة"؟ لكن اللغة في علم اللسانيات الحديث لعالم اللغويات فرديناند دي سوسير هي "نظام اعتباري من العلامات، مرن ومتغير". أم هي "الجذور القبلية والعشائرية المشتركة"؟ لكن هذه الجذور تكاد تتلاشى وتذوب تحت مظلة العولمة .
يقول الرسول صلى الله عليه وآله: "ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتـ ـل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية".
و في "مقدمته" ناقش ابن خلدون هذه المسألة: "وأمّا المتفرّدون في أنسابهم فقلّ أن تصيب أحداً منهم نعرة على صاحبه، فإذا أظلم الجوّ بالشّرّ يوم الحـ ـرب ، تسلّل كلّ واحد منهم يبغي النّجاة لنفسه خيفة واستيحاشاً من التّخاذل".
و يُرسخ مفهوم القبيلة من بوابة المنفعة والأمن: "إن العصبية إنما تكون للمدافعة والمقـ ـاومة وحماية الحوزة... فالنسب واللغة أمر اعتباري، والتحام القلوب إنما يقع بفعل 'التناصر والتكافل المشترك وقت الأزمات".
ثم أسأل المقـ ـاوم العقائدي: ما هي ركائز هذه المقـ ـاومة وما هي حدودها؟ هل تعني الذوبان التام والانصهار المطلق في الهوية الإقليمية الأخرى؟ أم تعني بناء تحالف استراتيجي راسخ يستند إلى احترام الهوية الفردية والخصوصية الوطنية؟ وكيف تُبنى هذه العقيدة الروحية في ظل اختلاف قراءات العلماء والفقهاء دون الوقوع في فخ الصـ ـدام الداخلي؟ هنا نجد صدى المفكر و الفيلسوف الإسلامي مرتضى مطهري الذي يضع حدًا فاصلاً بقوله: "إن الإيمان بالعقيدة الكبرى لا يلغي أبداً الذات الوطنية؛ فالتحالفات الروحية الصحيحة لا تقوم على صهر الهويات، بل على تلاحم الإرادات الحرة لحفظ الحق". و يحل مطهري مسئلة "تنوع آراء الفقهاء" ، واضعاً ركيزة المقـ ـاومة في إطار الوحدة التعددية: "إن المقاومة الحقة هي حلفٌ جهادي يُبنى على الأصل المشترك لدفع الطغيان ونصرة المظلوم ، واختلاف الفقهاء في الفروع لا يُفسد قضية الأمة الكبرى، لأن عقيدة المواجهة تذيب التنازع في سبيل النجاة".
يوضح المفكر الجيوسياسي المعاصر ألكسندر دوغين في النظرية السياسية الرابعة: "التحالف الاستراتيجي بين قوى المقـ ـاومة ليس تذويباً للهويات الفردية للدول، بل هو تلاحم دفاعي بين حضارات أصيلة ، ترفض النموذج الغربي أحادي القطب وتتمسك بسـ ـلاحها الميداني لحماية سيادتها الخاصة".
إن الهوية الرصينة للأمة لا تتحقق بالانحياز الأعمى لطرف أو إقصاء الآخر؛ فالجغرافيا تمنحنا مسرح الوجود، والثقافة واللغة والقبيلة تمنحنا النسق الاجتماعي والدين والمذهب يمنحاننا الطاقة الروحية والشرعية الأخلاقية المستمدة من هدى الخالق، و امتزاج الد م النازف لصد الإرهاب . الهوية هي التكامل بين هذه العناصر؛ حيث تتمسك الأمة بسـ ـلاحها الميداني والسياسي وبامتدادها الطبيعي الجغرافي مع محورها الإقليمي لصد الاسـ ـتكبار، و تدير علاقاتها الدولية بحزم وندية تحمي سيادتها وحقوق فقرائها، لتنتقل إلى دولة قوية رصينة مستقلة تماماً في قرارها الوطني.
الکاتبة: زینب مهدي
تعليقك