5 أكتوبر 2026 - 18:36
مصطفى السباعي؛ سيرة رائد الحركة الإسلامية في سوريا

الذكری الـ62 لمصطفى السباعي الرجل الاستثنائي الذي قاد الحركة الإسلامية في سوريا.

وفقا لما أفادته وکالة أنباء أهل البيت (ع) الدولية - ابنا - يندر في تاريخ الحركة السياسية السورية ذات الخلفية أو الانتماء الإسلامي أن نجد شخصا بمثل حيوية وتنوع وسعة إسهامات الشيخ مصطفى السباعي. فهذا الداعية والسياسي الذي رحل عن عالمنا في مثل هذا اليوم، الثالث من أكتوبر/تشرين الأول 1964، والذي اشتهر بأنه أول مراقب عام لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا، لم يكن مجرد داعية إسلامي أسس فرعا لحزب سياسي مصري في سوريا وترأسه، بل كان كاتبا وصحفيا وناشرا أصدر العديد من الصحف والمجلات، وأستاذا جامعيا مؤسسا، وعضوا في لجنة صياغة الدستور السوري، ونائبا له صولات وجولات تحت قبة البرلمان، وزعيما وطنيا استطاع أن يجمع الناس حوله حين فاز ممثلا عن مدينة دمشق في مجلس النواب، وهو الذي جاء من حمص ولم يمض سوى سنوات قليلة على إقامته في دمشق.

لقد كان الرجل خطيبا مفوها، وقياديا موهوبا، وصاحب إنجازات خلاقة، لم يتخل عن إطلاق المبادرات والخوض في صراعات الشأن العام حتى الأيام الأخيرة من حياته القصيرة، التي لم يتم فيها العقد الخامس من عمره.

أحداث وتحولات كبرى

ولد مصطفى بن حسني السباعي في مدينة حمص عام 1915، في ظل اشتعال الحرب العالمية الأولى التي دخلت الإمبراطورية العثمانية طرفا فيها، وجرت معها الشبان العرب إلى ساحات القتال. بعد ثلاثة أعوام من مولده خرج العثمانيون من سوريا، وبعد خمسة أعوام دخل الفرنسيون، وبعد عشرة أعوام اندلعت الثورة السورية الكبرى ضد الاحتلال الفرنسي، وبلغت ذروة اشتعالها في حمص عام 1927.

منذ أن تفتحت عيناه، عاصر مصطفى السباعي صراعات وتحولات كبرى، ولعل هذا ما يفسر لنا نضجه المبكر، وتفتح وعيه السريع الذي خلق لديه رغبة في الانخراط في الشأن العام، ناهيك عن نسبه الذي يعود إلى أسرة حمصية عريقة، وكان أجداده يتولون الخطابة في جامع حمص الكبير جيلا بعد جيل.

وقد روى مصطفى السباعي، في مقال نشره في العددين السادس والسابع من مجلته "حضارة الإسلام " عام 1961، شيئا من ذكرياته المبكرة عن أجواء النضال التي وعاها مذ كان طفلا، فقال: "ولا أزال أذكر وأنا ابن ست سنين كيف رأيته مع أكثر علماء حمص، وهو أصغرهم سنا، يطوفون في شوارع المدينة وأسواقها وقد تمنطقوا بأحزمة الرصاص وبأيديهم البنادق، يمشون على مهل صفوفا منتظمة، مكبرين مهللين، داعين الشعب إلى مقاومة الإفرنسيين حين اقتربوا من حمص عند احتلالهم لسوريا، وقد تقدمهم الشيخ عبد الغفار عيون السود، فاستجاب الناس إلى دعوتهم للجهاد، واشتروا السلاح والذخيرة، واستعدوا لمقاتلة الجيش الفرنسي الذي كان قادما من طريق طرابلس".

بدأ مصطفى السباعي يحفظ القرآن الكريم ويتلقى مبادئ العلوم الشرعية على يدي والده الشيخ حسني، ثم التحق بالمدرسة المسعودية الابتدائية في حمص، فالثانوية الشرعية التي تخرج منها عام 1930 حاملا الشهادة الثانوية الشرعية بتفوق ملحوظ، ما أهله للانتساب إلى الأزهر، حيث سافر إلى مصر عام 1933 والتحق بقسم الفقه في جامعة الأزهر، فنال إجازتها ثم الماجستير فالدكتوراه. وكان موضوع رسالة الدكتوراه التي تقدم بها "السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي"، التي نالت درجة الامتياز بعد أن ناقشتها لجنة من كبار علماء الأزهر عام 1949.

قبض عليه الفرنسيون في سوريا عام 1932 وأودعوه السجن لبضعة أشهر، وحين خرج وقصد مصر للدراسة في الأزهر شارك عام 1934 في مظاهرة ضخمة ضد الاحتلال البريطاني، فقبض عليه وأودع السجن في القاهرة

جماعة الإخوان المسلمين

خلال وجود مصطفى السباعي في مصر للدراسة، التقى بمؤسس جماعة الإخوان المسلمين الشيخ حسن البنا، ويقال إنه تأثر به وبفكره. وعندما أعيد إلى سوريا بعد أن طرده البريطانيون من مصر وسلموه للفرنسيين، قام بتأسيس جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، التي كان أول مراقب عام لها.

لكن يوهانس رايسنر، في كتابه "الحركات الإسلامية في سوريا"، يتتبع نشأة جماعة الإخوان المسلمين التي قادها السباعي على نحو مختلف، وهو يرى بداية: "ليس لدى الإخوان المسلمين في سوريا (تاريخ ميلاد) كما لإخوانهم في مصر، إنما تم ذلك من خلال انصهار عدة جمعيات إسلامية في عام 45/1946 كانت قد تأسست في أوائل الثلاثينيات والأربعينيات تحت قيادة مصطفى السباعي".

كان لمصطفى السباعي دور كبير في تأسيس الجماعة في سوريا، بل وفي صياغة وصهر روافدها المختلفة في مجرى واحد. فقد سجنه الفرنسيون بين عامي 1941 و1943، وفي العام الذي أطلق فيه سراحه عقد مؤتمرا في حمص اشترك فيه موفدون من لبنان، تقرر فيه إنشاء منظمة شبه عسكرية مشابهة للكشافة هي "الفتوة". وفي الفترة ما بين شتاء عام 1945 وصيف 1946، أعيد تنظيم جمعيتي "شباب محمد" و"الشبان المسلمين" ودمجهما تحت اسم "الإخوان المسلمين"، وانتخب مصطفى السباعي مراقبا عاما للإخوان المسلمين في سوريا ولبنان.

لقد كانت القضية الوطنية موضع اهتمام الجمعيات الإسلامية في سوريا، وبعد توحدها تحت راية السباعي انضوت تساهم في النضال الوطني. وفي هذا يقول السباعي في إحدى مقالاته في مجلة "حضارة الإسلام"، التي طالما أرخ فيها لجماعته: "إن الإخوان ساهموا بقسطهم من النضال الوطني حين وقوع العدوان الفرنسي على سوريا، وهو العدوان الذي بدأ في 29 مايو/أيار 1945، فكانت فتوتهم تحمل الطعام والسلاح إلى جنود الدرك، وتنقذ الجرحى من الدرك والمساجين، وتحملهم إلى مقرها تحت وابل الرصاص والقنابل، كما كانت مراكزهم مبعث حماس الجماهير في مقاومة العدوان الفرنسي، وكانت أعضاؤهم في مقدمة المناضلين من أبناء الشعب، فاستشهد منهم من استشهد، وجرح من جرح".

إن هذه الوقائع توضح لنا قوة تأثير مصطفى السباعي في مختلف الحركات الإسلامية في سوريا ومحاولة تأصيلها وطنيا. وبرغم أن اختيار مسمى "الإخوان المسلمين" يعني تبعية تنظيمية للمرشد العام للإخوان المسلمين الإمام حسن البنا، وخصوصا بعد تأسيس ما سمي بـ "اللجنة المركزية في دمشق "، فإنها توضح أيضا أن تشكيل الجماعة في سوريا جاء بمبادرة شخصية من مصطفى السباعي، ووفق أطر محلية كان قد عمل عليها من قبل، ولم يتأثر بتجربة الإخوان المسلمين في مصر تأثرا منقولا وتاما وحسب.

هوس بمناصرة الثورات

برغم اهتمامه بالدراسة والتحصيل العلمي، ونيله أرفع الدرجات في معظم مراحل دراسته، الأمر الذي دفع بإدارة جامعة دمشق إلى اختياره أستاذا للتشريع الإسلامي في كلية الحقوق عام 1950، ثم تكليفه بإنشاء كلية الشريعة عام 1955، التي كان أول عميد لها، وبرغم إيمانه بأهمية التدريس ومزاولته في غير مرحلة من حياته، من أجل تنشئة جيل جديد يقاوم التيارات القومية واليسارية التي كانت تعصف بالجيل السوري الصاعد منذ ثلاثينيات القرن العشرين، فإن مصطفى السباعي كان يجد الوقت للانخراط في العمل السياسي والثوري.

وحين انتقل إلى دمشق، عمل على إنشاء المعهد العربي، الذي انضمت إلى إدارته بعد ذلك جمعية التمدن الإسلامي، فأصبح اسمه "المعهد العربي الإسلامي". وكان الرجل مهووسا بمناصرة الثورات والقتال ضد قوى الاحتلال في أي بقعة عربية. ولم يكن هوسه هذا نظريا يعبر عنه في مقالاته وكتاباته وممارسته للعمل الصحفي وحسب، بل كان أيضا ينطوي على رغبة في المشاركة والتظاهر والقتال.

فقبض عليه الفرنسيون في سوريا عام 1932 وأودعوه السجن لبضعة أشهر، وحين خرج وقصد مصر للدراسة في الأزهر شارك عام 1934 في مظاهرة ضخمة ضد الاحتلال البريطاني، فقبض عليه وأودع السجن في القاهرة. وحين اندلعت ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق، وكان السباعي من أشد المتحمسين والمؤيدين لها، اتهمته القيادة البريطانية بتشكيل جمعية سرية لتأييد ثورة الكيلاني وتحريض المصريين على الثورة، فألقت عليه القبض وسجنته لمدة أربعة أشهر، ثم رحله البريطانيون إلى فلسطين، فسجن في سجن الصرفند قرب الرملة، ثم تم تسليمه للسلطات الفرنسية، فتنقل بين سجون سوريا ولبنان ومعتقلات المية ومية وقلعة راشيا بين عامي 1941 و1943.

كان مصطفى السباعي نموذجا فريدا واستثنائيا للسياسي والكاتب والباحث والزعيم الوطني، الذي استطاع أن يفرض حضوره في كافة المجالات التي خاضها

فلسطين الدرة المغتصبة

عندما وقعت نكبة فلسطين عام 1948، كان مصطفى السباعي في طليعة المتطوعين في جيش الإنقاذ، ضمن جماعة الإخوان المسلمين. وقد سعى جاهدا ليكون لجماعته كتائب خاصة بها، لكن الحكومة السورية رفضت ذلك.

واستطاع السباعي، بعد جهد جهيد، أن يقنع مسؤول جيش الإنقاذ طه الهاشمي بالسماح لكتيبة الإخوان بالتدرب على أساليب القتال في معسكر قطنا قرب دمشق. وبعد شهر ونصف من التدريب، التحقت الكتيبة بالمجاهدين العرب على أرض فلسطين على دفعتين؛ الأولى بقيادة الملازم عبد الرحمن الملوحي وصحبة عبد القادر الحسيني، وقد حضر هذا الفوج معه معركة القسطل التي استشهد فيها الحسيني، ثم سافر الفوج الثاني بقيادة مصطفى السباعي حتى دخل مدينة القدس عبر أريحا.

لم تنته علاقة مصطفى السباعي بفلسطين بهزيمة جيش الإنقاذ وإعلان تأسيس دولة إسرائيل في مايو/أيار 1948، فقد بقيت هاجسا أساسيا من هواجس حياته وكفاحه في المجالات كافة التي عمل بها أو طرقها. فدعا عقب النكبة إلى تخصيص أسبوع من كل عام باسم "أسبوع الخطر الصهيوني"، تقام فيه المهرجانات الشعبية في سائر أنحاء البلاد، وأطلق الأسبوع الأول عام 1955، داعيا قادة الحركة الإسلامية في الوطن العربي إلى المشاركة في إحيائه.

كما طالب، حين كان نائبا في البرلمان السوري، بتدريس القضية الفلسطينية كمادة أساسية في مناهج التعليم، وقد أقر هذا الاقتراح ونفذ بالفعل خلال العهد الوطني حتى تغيير المناهج بعد انقلاب البعث. وحين أطلقت الحكومة السورية عام 1955 أسبوع التسليح للتبرع لتسليح الجيش السوري ودعم فلسطين، كان للخطبة التي ألقاها مصطفى السباعي ونقلتها الإذاعة السورية أكبر الأثر في حمل السوريين على تقديم التبرعات السخية، كما علقت الصحف الدمشقية آنذاك.

وحين حول مصطفى السباعي مجلة "المسلمون"، التي حصل على امتيازها وأصدرها في دمشق بين عامي 1955 و1958، إلى مجلة "حضارة الإسلام "، خصص بابا لفلسطين وقضيتها بعنوان "الدرة المغتصبة "، كما أصدر عددا خاصا ومزدوجا في يناير/كانون الثاني 1962، خلال فترة حكم الانفصال الذي أنهى الوحدة الاندماجية بين مصر وسوريا.

السباعي، الذي كان بطبيعة الحال في خندق واحد تقريبا مع الشيخ حسن حبنكة، لم يستقل ولم يغادر مجلس النواب، بل انبرى ينافح عن وجهة نظره ويرد على أرباب الطوائف الأخرى وعلى العلمانيين والقوميين

معارك الدستور والبرلمان

من العمل الدعوي وخطب المساجد إلى العمل الحزبي والصحفي، والتدريس وإنشاء المدارس والعمل في الجامعة، لم يترك مصطفى السباعي وسيلة للتواصل مع الرأي العام والتأثير فيه والسعي لقيادته إلا واستخدمها.

وفي عام 1949، تقدم السباعي للانتخابات النيابية، ورشح نفسه عن مدينة دمشق، فحقق نجاحا ساحقا من الدورة الانتخابية الأولى. وتحت قبة البرلمان كان له حضور فاعل كبرلماني لامع، وكان عضوا في الجمعية التأسيسية التي وضعت دستور عام 1950، وكان يرأس هذه الجمعية نائب دمشق سهيل الخوري، ابن الزعيم الوطني المعروف فارس الخوري.

وقد قامت معركة حول المادة المتعلقة بدين الدولة داخل أروقة البرلمان وخارجه. ودخل الشيخ الدمشقي حسن حبنكة على الخط، داعيا السباعي وإخوانه إلى تقديم استقالاتهم من المجلس أو من الجمعية التأسيسية إذا رفضت المادة التي تقول إن دين الدولة هو الإسلام، تمهيدا لتحرك شعبي واسع يجبر المجلس على تبني هذه المادة.

لكن السباعي، الذي كان بطبيعة الحال في خندق واحد تقريبا مع الشيخ حسن حبنكة، لم يستقل ولم يغادر مجلس النواب، بل انبرى ينافح عن وجهة نظره ويرد على أرباب الطوائف الأخرى وعلى العلمانيين والقوميين، بعد أن فشل في حمل أكرم الحوراني ونوابه على التصويت لصالح هذه المادة. وأعد بيانا مزلزلا فند فيه مخاوف جميع الفرقاء، وألقاه تحت قبة البرلمان في 8 فبراير/شباط 1950، ومما قاله فيه:

"أعود لأقول لهؤلاء إن (البعبع) الذي يخوفون به بعض المثقفين من أن النص على الإسلام دينا للدولة يجعل لرجال الدين الكلمة الأولى في البلاد، هو (بعبع) لا يخيف إلا من خيم الوهم والباطل على عقولهم، فليس في الإسلام رجال دين تكون لهم الكلمة العليا، ونحن لا نريد بهذا النص أن نلغي البرلمان، ونطرد ممثلي الأمة، ونمحو القوانين. كلا، كونوا مطمئنين. فسيظل كل شيء على حاله. سيبقى لنا مجلسنا ونوابنا وقوانيننا وأنظمتنا، ولكن مع سمو الروح ونظافة اليد، واستقامة الأخلاق، وعيش الإنسان الكريم".

كما أوضح في موضع آخر من مرافعته المطولة: "إن مسألة التشريع غير مسألة دين الدولة، فليس لوضع دين الدولة من غرض إلا صبغ الدولة بصبغة روحية خلقية، تجعل النظم والقوانين منفذة من الشعب بوازع نفسي خلقي، ومن أغراض هذه المادة تقوية الصلات بيننا وبين إخواننا العرب، والتعاون بيننا وبين الشرق الإسلامي".

انتهت المعركة بتعديل قدمه السباعي ووافق عليه النواب، بعد أن نصت المادة الثالثة من الدستور على "أن دين رئيس الجمهورية هو الإسلام"، ناهيك عن عبارة جاءت في مقدمة الدستور: "إن الدولة تعلن استمساكها بالإسلام ومثله العليا". وقد عد السباعي هذا نصا صريحا في دين الدولة؛ لأن الاستمساك بالدين أقوى من الانتساب إليه.

في ظل البعث عاش مصطفى السباعي السنوات الثلاث الأخيرة من حياته القصيرة والحافلة، يعاني المرض بعد أن أصيب بشلل جزئي، فانصرف إلى التأليف بعد أن حظر عليه قانون الطوارئ البعثي ممارسة أشكال النشاط السياسي والخطابي التي اعتاد أن يمارسها

نموذج مختلف في الحركة الإسلامية

كان مصطفى السباعي نموذجا فريدا واستثنائيا للسياسي والكاتب والباحث والزعيم الوطني، الذي استطاع أن يفرض حضوره في كافة المجالات التي خاضها. فهذا الرجل الذي نشأ في بيئة دينية لم يعاد اليسار معاداة مطلقة، فقد شكل جبهة سياسية إسلامية خاض بها الانتخابات باسم "الجبهة الاشتراكية الإسلامية"، التي أعلن برنامجها الانتخابي في خطاب ألقاه في مقهى الحجاز الشعبي المكشوف، الذي كان قائما في شارع النصر بدمشق، في نوفمبر/تشرين الثاني 1949.

وقد روج لنظريته الاشتراكية الإسلامية في أكثر من محاضرة، أبرزها محاضرة ألقاها في جامعة دمشق على مدى أكثر من ثلاث ساعات، يقول الدكتور عدنان محمد زرزور، الذي كان أحد الحاضرين لها، إنها "قوبلت بعواصف من التصفيق"، حتى نشرها في كتاب حمل اسم "اشتراكية الإسلام"، الذي نال إعجاب جمال عبد الناصر نفسه.

وبرغم انتماء السباعي العميق إلى جماعة الإخوان المسلمين التي حظرها جمال عبد الناصر، فإنه رفض تأييد الانفصال الذي أنهى الوحدة بين مصر وسوريا. فقد كان السباعي سياسيا محنكا يصعب التنبؤ بمواقفه إزاء الأحداث. لم يمارس السياسة بعقلية الشيخ أو رجل الدين، بل مارسها وفق تقاليد العمل السياسي التي عاشها في بيئة حفلت بالاختلاف والتنوع والمنافسة بين التيارات المتصارعة التي تحتكم إلى صندوق الاقتراع، والهامش الديمقراطي الذي حرمت منه سوريا تماما بعد انقلاب حزب البعث، الذي أوصل ثلة من العسكريين الموتورين إلى السلطة في شتاء عام 1963.

وفي ظل البعث عاش مصطفى السباعي السنوات الثلاث الأخيرة من حياته القصيرة والحافلة، يعاني المرض بعد أن أصيب بشلل جزئي، فانصرف إلى التأليف بعد أن حظر عليه قانون الطوارئ البعثي ممارسة أشكال النشاط السياسي والخطابي التي اعتاد أن يمارسها.

وقبيل رحيله بستة أشهر، وفي أبريل/نيسان 1964، شهد السباعي دبابات البعث تدك جامع السلطان في حماة، المدينة الأقرب إلى مدينته حمص، على خلفية استفزاز طائفي وديني فجر الشارع الحموي في تلك الفترة، فرأى ببصيرته ما ينتظر سوريا في قادم العقود.

ورحل عن دنيانا عن 49 عاما، قدم فيها خلاصة كفاحه وعصارة فكره وذروة تألق نشاطه الأكاديمي والسياسي والوطني، تاركا جماعة الإخوان المسلمين التي أسسها في سوريا تنشد قائدا بمثل مواصفاته الاستثنائية وإنجازاته الوطنية ورؤاه الثاقبة، كي ينقذها مما آل إليه حالها من تشرذم وتخبط اليوم.

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha