12 سبتمبر 2026 - 11:57
مرضاة الله ومكانته عند المؤمن

أعظم غايات المؤمن رضوان الله تعالى، وهو ما يعده الله به من نعيم معنوي روحي في الجنة.

وفقا لما أفادته وكالة أنباء أهل البيت (ع) الدولية ــ أبنا ــ  قال الله سبحانه وتعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴿سورة البقرة: 207﴾.
 
هذا صنف من الناس، قليل، عزيز، به قام الدين، وبه انتصرت رسالات الله، وبه ينتصر المشروع الإلهي على طول الطريق، وبه يحقق المصلح العالمي الإمام المهدي المنتظر (عجل الله فرجه) مشروعه الرباني في ملء الأرض قسطًا وعدلًا بعد أن مُلِئَت ظلمًا وجَورًا، والمصداق الأمثل لهذا الصنف هو الامام علي بن أبي طالب (ع)، الذي شرى نفسه لله إذ نام في فراش الرسول الأعظم (ص) عشية هجرته إلى يثرب، بعد أن علم النبي (ص) عن طريق الوحي أن طغاة مكة قد أبرموا أمرهم وأحكموا خطتهم لقتله وهو نائم في فراشه.

وقد علم  الامام علي (ع) بذلك بعد أن أطلعه النبي (ص) على مكرهم وطلب منه أن ينام بدلا عنه في فراشه. واللافت في الأمر أن عليًا (ع) لم يهتم لما قد يحدث له، بل كان اهتمامه منصبًا على سلامة النبي وسلامة الدين، ولو كان نومه في فراش النبي (ص) سيؤدي إلى مقتله.
 
وإذًا نحن أمام صنف يشري ذاته كلها في سبيل الله وابتغاء مرضاته، والفعل (يَشْرِي) من الألفاظ المشتركة في العربية، فيأتي بمعنى البيع، ويأتي بمعنى الشراء، والمراد هنا: يبيع نفسه لله، أي يجعل ذاته وإرادته وطاقته وماله وموقعه في الحياة، في خدمة الحق وابتغاء رضا الله.
 
وبكلمة أخرى: هو تعبير عن انتقال الإنسان من حالة يكون فيها عبدًا لأهوائه ومصالحه وشهواته، إلى حالة يصبح فيها عبدًا لله وحده. فلا يعود يسأل أولًا: ماذا أربح؟ وماذا أخسر؟ وكيف أحافظ على موقعي ومصلحتي؟ بل يسأل: ما الذي يرضي الله، وما الذي لا يرضيه؟ ويختار ما يرضيه تعالى. 
 
والبيع هنا بيع شامل للذات، بيع لا يستبقي فيه الإنسان جزءًا من كيانه خاضعًا للهوى، وجزءًا آخر خاضعًا لله. إنه بيع للنفس وليس لشيء آخر، فالشاري لا يقدم لله بعض أعماله فقط، بينما يحتفظ بمواقفه ومصالحه وقراراته خارج دائرة الإيمان، بل يقدم ذاته كلها.

ومما ينبغي لفت النظر إليه: أن المؤمن إذ يشري نفسه لله لا يفعل ذلك لأنه يجهل قيمة الحياة، أو لأنه لا يحمل ثقافة الحياة ويتبنى ثقافة الموت كما يتوهّم الأغبياء، ويروج الأفّاكون الدجّالون المأجورون، إنما يقدِّمها لأنه يدرك أن قيمة النفس تتأتى من غاياتها الكبرى لا مما تملكه من متاع الدنيا، "فالمَرْءُ بِهِمَّتِهِ لا بِقِنْيَتِهِ" كما يقول الإمام أمير المؤمنين (ع). وأعظم غايات المؤمن رضوان الله تعالى، وهو ما يعده الله به من نعيم معنوي روحي في الجنة، إذ يقول سبحانه: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿سورة التوبة: 72﴾
 
ويدفع المؤمن إلى بيع نفسه أيضًا: معرفته اليقينية بالله، وصلته الدائمة به، وثقته بوعده، وتحرره من قيود الأهواء والشهوات، وشعوره بالمسؤولية تجاه دينه ومجتمعه وأمته ووطنه، ومن هنا كان بيع النفس ابتغاء مرضاة الله هو الفارق بين التضحية الإيمانية والتضحية التي تحركها العصبية أو الشهرة أو الرغبة في السيطرة. فقد يضحي الإنسان بماله أو حياته من أجل جماعة أو زعيم أو وهم، لكن التضحية لا تصبح عبادة إلا إذا كانت في سبيل الحق، وخالية من طلب الباطل والاستعلاء والعدوان.
 
ومما لا شك فيه أن الله الذي يشتري نفس المؤمن، لا يشتريها لحاجته إليها، تعالى عن ذلك فهو الغنى عن خلقه، بل يشتريها ليعطي صاحبها ويرفع درجته، ويمنحه مقابل عمله المحدود رضوانًا ورحمة وأجرًا عظيمًا. إنه سبحانه يعامل الإنسان بلغة التجارة التي يفهمها، مع أن الفارق هائل بين عطاء الإنسان وعطاء الله. فالإنسان يقدم شيئًا هو أصلًا ملك لله، ثم ينال عليه من الله ما لا يستطيع أن يقدّره. 
 
والمجتمع الذي يشري أفراده نفوسهم ابتغاء مرضاة الله هو مجتمع شأنه أن يكون عزيزًا منيعًا صالحًا، أما المجتمع الذي يعيش أفراده لأنفسهم وحدهم يصبح سهل الاختراق، إذ يمكن شراء مواقفهم بالمال، وإخضاع إرادتهم بالخوف، وتفكيك وحدته بالمصالح الشخصية. 

بقلم الباحث اللبناني في الدراسات الاسلامية السيد بلال وهبي
................
انتهى/ 278
 

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha