12 سبتمبر 2026 - 16:18
نحن متدينون، ومع ذلك يساورنا القلق والاضطراب: أين أخطأنا؟

قد يُصلّي المرء، ويدعو، ويقرأ القرآن، بل ويُحدّث الآخرين عن الله، ومع ذلك يضطرب باطنه بالقلق والاستياء والخوف. فلماذا لا تُثمر التدين دائماً سكينةً وطمأنينة؟ ربما لا تكمن المشكلة في "نقص العبادة"، بل في أن الدين لم ينتقل بعدُ من اللسان إلى القلب، ومن المظهر الخارجي إلى نمط الحياة.

وفقا لما أفادته وكالة أنباء أهل البيت (ع) الدولية ــ أبنا ــ يتناول حجة الإسلام والمسلمين محمد حسين أمين، الكاتب والباحث الديني، في مقالٍ خُصِّص لوكالة "أبنا" (ABNA)، تساؤلاً حول سبب عدم شعور بعض المتدينين -رغم أدائهم لمختلف العبادات- بالسكينة القلبية العميقة.

نحن متدينون، ومع ذلك نعاني من القلق والاضطراب: أين أخطأنا؟

التدين لا يعني دائماً الشعور بالسكينة

قد يُصلّي المرء ويصوم ويحضر المجالس الدينية، بل ويمتلك معرفة دينية واسعة، ومع ذلك يظل قلبه أسيراً للمقارنات، والخوف من المستقبل، والقلق من أحكام الآخرين، والندم على الماضي. وهنا لا بد من التمييز بين "التدين الظاهري" و"الإيمان المانح للسكينة"؛ فالإيمان يؤثر في روح الإنسان حين لا يكون الله مجرد موضوع للعبادة فحسب، بل سنداً وملجأً له أيضاً.

يقول القرآن الكريم:

«الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ»

تكمن الدلالة الدقيقة للآية في أنها لا تعني أن مجرد النطق باسم الله يزيل كل همّ وقلق؛ ففي تفاسير القرآن الكريم، لا يُقصد بـ "ذكر الله" مجرد ترديد بعض الأذكار اللفظية، بل يعني الذكر أن يأخذ الإنسان الله ووعوده وقدرته وحضوره مأخذ الجد في حياته. كما توضح بعض التفاسير أن الذكر الحقيقي يقود المرء إلى الثقة، والامتنان، واجتناب المعصية، والعمل الصالح.

أحياناً نريد الله، لكننا لا نتخلى عن رغبتنا في التحكم بزمام حياتنا

من جذور الاضطراب أن يطلب الإنسان العون من الله، ومع ذلك يصرّ على تحديد نتائج كل الأمور بنفسه؛ فهو يريد أن يدعو، لكنه يريد أن يتحقق بالضبط ما خطط له هو؛ ويريد أن يثق بالله، لكنه لا يتقبل أي احتمال لتغيّر خططه. قد يكثر المرء من الدعاء، ومع ذلك يظل في صراع داخلي مع القضاء الإلهي.

في أحد الأدعية المأثورة عن النبي الكريم (ص)، ترد عبارة في غاية الجمال: «وَأَسْأَلُكَ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ»؛ كما يُسأل الله في الدعاء نفسه أن يرزق العبد "قلباً سليماً" و"ثباتاً في الأمور".

إن الرضا بالقدر لا يعني التخلي عن السعي والعمل؛ بل يعني ألا يربط المرء نفسه بالنتيجة بعد أداء واجبه. بعبارة أخرى: اجتهد، وخطّط، وادعُ، واستشر؛ ولكن إذا جاءت النتيجة مخالفةً لرغبتك، فلا تنهار. وفي الدعاء ذاته، يسأل النبي (ص) ربه أن يُبقيه حياً ما دامت الحياة خيراً له، وأن يتوفاه إذا كان الموت خيراً له؛ وهذا مثال جليّ وكامل على ذروة التوكل على الله والرضا بمشيئته.

كيف حافظ النبي (ص) على سكينته في أحلك الأيام؟

لم تكن حياة النبي (ص) خالية من المعاناة؛ فقد واجه الرفض والمقاطعة، وفقد أحبةً، وتعرض للتهديد والمخاطر في الحروب، وحمل العبء الثقيل المتمثل في هداية المجتمع. لذا، لم تكن السكينة النبوية تعني غياب المشكلات، بل تعني ألا تصبح المشكلة هي المتحكّم في قلب الإنسان. يتحدث القرآن عن "الأمن" والهداية للمؤمنين المرتبطين بالله:

«الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ»

تُظهر هذه الآية أن الأمن الداخلي مرتبط بإيمان نأى بنفسه عن الشوائب والتناقضات؛ ففي الحقيقة، الإيمان ليس مجرد كلمات على اللسان، بل هو مفهوم راسخ في أعماق النفس البشرية.

وفي رواية أخرى وردت في كتاب "الكافي"، نُقل دعاء النبي (ص) بعد الصلاة: "اللهم إني أسألك... الثبات في الأمر... وأسألك يا رب قلباً سليماً ولساناً صادقاً". لاحظ أن النبي (ص) لا يدعو لمجرد الهدوء والسكينة فحسب، بل يطلب أيضاً "الثبات"، و"القلب السليم"، و"الصدق". فالسكينة النبوية هي نتاج لنمط حياة، وليست مجرد شعور عابر.

تبدأ المشكلة حينما تزيد العبادة من القلق!

أحياناً، وبدلاً من أن يجعل المتدينُ العبادةَ ملاذاً له، يحوّلها إلى وسيلة للوم الذات المستمر؛ فهو يخشى دائماً من التقصير، ويقارن نفسه بالآخرين، ويشعر -حتى بعد أداء العبادة- بأنها غير كافية. ومثل هذه الحالة بعيدة كل البعد عن روح التربية النبوية.

محمد حسين أمين / كاتب وباحث ديني

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha