9 فبراير 2023 - 14:17
في ذروة الحاجة بسوريا إلى الإنسانية.. الإعلام الغربي يسقط في الانحطاط الاخلاقي اللانساني

الإعلام الغربي كان أمام اختبارٍ جديد لطروحاته القيمية واستهلاكه لخطاب "منفتح وإنساني"، في تعاطيه مع تغطية أحداث الزلزال المدمّر الذي ضرب تركيا وسوريا، وخلّف آلاف الضحايا، فكيف اتضحت أزمة القيم التي تعيشها المؤسسات الإعلامية الغربية؟

وفقا لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء ـ ابنا ـ "زلزالٌ في تركيا، لا داعي حتى لإرسال الدبابات"، بهذه اللّغة الساخرة وبعد سويعاتٍ من الزلزال المدمّر في تركيا وسوريا ارتأت صحيفة "تشارلي إيبدو"، الفرنسية أن تقارب إحدى كبريات المآسي الإنسانية في العصر الحديث.
لا تغرّد المجلّة الفرنسية وحيدةً، بل هي نموذجٌ صارخٌ عن حالةٍ انتقائيةٍ فاقعة، يُمارسها الإعلام الغربي اليوم في التعامل مع مأساة الزلزال الكارثي، لخدمة توجهات السلطات السياسية وأهدافها البعيدة عمّا تدّعيه من حرصٍ وتضامنٍ إنسانيين.
وتأتي ازدواجيّة المعايير وتلفيق الاتّهامات والتحيّز الهادف، كحقائق تلخّص تقارير كبريات وسائل الإعلام في الولايات المتحدة ومقالاتها وصورها وفيديوهاتها. صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية مثلاً، عدّلت أخيراً، وعلى نحوٍ مثيرٍ للشبهة، تقريراً عن معبر باب الهوى، والمساعدات لسوريا، بعدما أقرّت بتأثير العقوبات الأميركية في عمليّات الإنقاذ في سوريا.
وفي فرنسا لم يكن الفيلم الذي أنتجته قناة "France TV" بادّعاء البحث عن حقيقة انفجار مرفأ بيروت، سوى منصّةٍ اتّهاميّةٍ وفبركة وقائع للنيل من المقاومة في لبنان، وتحميلها مسؤوليّة المأساة.
هذا التلاعب يمثّل غيضاً من فيض استراتيجيةٍ يتم لمسها يومياً في فلسطين، ولا سيّما مع جرائم الاحتلال بحقّ المدنيين الفلسطينيين، التي يحوّلها الإعلام الغربي إلى دفاعٍ عن النفس، وأخيراً إلى تجاهلٍ مقصودٍ لقضيّة الأسرى، حيث بالكاد تُفرَد مساحة لهم في الصحافة الغربية.
كما تجلّى سلوك الإعلام هذا بأبشع صوره في جمهورية إيران الاسلامية، خلال الأحداث الأخيرة، حيث فُتحَت المنابر وجُيّرَت الصحف والمقالات، خدمةً لخطاب الشغب والتحريض وبثّ الأخبار الكاذبة والصور المزيفة. الموضوعيّة والالتزام بشرف المهنة جرت التضحية بهما، أملاً بتحقيق حلم تدمير نظام الثورة الاسلامية في إيران، وإعادة طهران إلى ما قبل 1979، ضمن الاصطفاف الأميركي.
وفي تغطيتها للكارثة التي ضربت سوريا، أوفدت الميادين إلى حلب الزميلة راميا الإبراهيم، لمواكبة الحدث ميدانياً على الأرض في المناطق المنكوبة من جرّاء الزلزال.
وأوضحت موفدة الميادين أنّ ما يحدث في سوريا، وتحديداً في المناطق المنكوبة، يحتاج بالفعل لأن يكون هناك مواكبة إعلامية كبيرة، "لأننا فعلاً أمام مصاب جلل وكارثة إنسانية بالمعنى الكبير". ولفتت إلى أن كبريات وسائل الإعلام تغيب، وما يتمّ تغطيته هنا لا يتجاوز الـ 5% من الواقع.
اللافت أن كبريات وسائل الإعلام، الغربية غطّت الخبر، تحت عنوان "زلزالٌ مدمّر". ومن البديهيّات عندما نقول مدمِّر، أي أنه طال مباني سكنيّة، وبالتالي سيكون هناك تداعيات إنسانية وكارثية كبيرة، لكن ما الذي غاب عن هذه التغطية؟
ورأت الابراهيم أنه يمكن القول أن هذه التغطية كانت بعينٍ واحدة لأنه تمّ تغطية تركيا بالمعنى الإنساني وما لحق من تداعيات، لكن غابت التغطية الإنسانية عن مدن أخرى مثل حلب.
وأضافت الإبراهيم للميادين، بأنّه عندما "نواكب هذا الواقع المرير الإنساني مع غياب هذه التغطية الإعلامية على مستوى كبريات وسائل الإعلام"، يمكن القول أنهم "يشاركون فعلاً أقلّه على المستوى الإنساني والأخلاقي وربّما القانوني، بمأساة هؤلاء وحتى بدفنهم تحت الأنقاض".

الإعلام الغربي يمعن في شحن خطاب الكراهية
بدوره، قال قاسم عزّالدين، محلل الميادين للشؤون السياسية والدولية، إنّ الصحافة الغربية بطرحها الساخر لكارثة تواجه الإنسان، ترسل رسالة "مسمومة مزدوجة، بالدرجة الأولى إلى الفرنسيين لتسفيه المأساة الإنسانية التي يتعرّض لها الشعب السوري والشعب التركي". ويضيف: "هي رسالة أيضاً موجّهة للعرب وللمسلمين، والصحيفة الفرنسية تعرف أنّها تحت خطّ المراقبة".
وأضاف عزالدين، أنّه في كل الأحوال هذا الأمر لا يتعلّق فقط "بشارلي ايبدو، وإن كانت الصفاقة معروفة بصدارة الصحيفة لها، لكن على المستوى العام، هذه المأساة الإنسانية في أوروبا وحتى في العالم، أثارت بين البشر الذين يشعرون بنبض الدم في عروقهم، المشاعر الإنسانيّة، بغض النظر عمّا قدّموه وإذا كانوا قد تحرّكوا أو لا".
لكن بنفس الوقت، أثارت أيضاً، وفق عزالدين، "لدى التماسيح، سواءً كانوا كباراً أو صغاراً، شماتة وشهوة الرقص على رائحة الموت والدم"، لافتاً إلى أن مسؤولين الكبار في الإدارة الأميركية وحتى في الإدارات الأوروبية حاولت أن تتجاهل الأمر، أو أن تُضلّل بأنها تساعد الشعب السوري".
وأثناء إجابته عن تساؤل حول سبب تصدّر "شارلي ايبدو" لكل ما يتعلّق بالمسلمين من إساءات، أجاب محلل الميادين للشؤون العربية والإقليمية، عبد الرحمن نصّار، بأنّه هذه المجلّة الأسبوعية "تعتبر نفسها على ثأر مباشر مع المسلمين بصورة عامّة، والعرب بصورة خاصّة، تحديداً بعد الهجوم على مقرّ الصحيفة في 2015 ومقتل 12 من عامليها".
وتابع نصّار، إنّ هذا الهجوم بغضّ النظر عن أي تقييم يخصّه، "هو جزء من سلسلة ردود أفعال افتتحتها المجلّة، لافتاً إلى أن هذه المجلّة أُغلقَت بين سنة 1982 و1992، ومُنعَت من النشر في الداخل الفرنسي لسبب تخصّصها الأساسي، وهو الرسوم الساخرة وإثارتها لمجموعة من القلاقل داخل فرنسا، لكن حينما يتعلّق الأمر بالقضايا العامة للناس للمسلمين، أو للعرب، فإن المساحة مفتوحة لها".

ازدواجية معايير غربية مفضوحة في سوريا
كذلك، لفتت موفدة الميادين إلى حلب، راميا الإبراهيم، إلى ازدواجية المعايير والتعامي الإعلامي الغربي، الذي طال كل سوريا بكل مناطقها المنكوبة، حتى المناطق التي كان يدّعي الغرب مساعدتها، كمنقطة جنديرس في إدلب.
وأوضحت الإبراهيم أنّ هذا المصاب طال كلّ السوريين، وطال كل إنسان بين تركيا وسوريا، أيّاً كانت الخلفيّات السياسية لديه، وأيّاً كانت التقسيمات، خصوصاً تلك التي "أرادوا أن تغرق سوريا فيها".
وتسائلت موفدة الميادين: "أين هي الإغاثات الطبيّة الانقاذيّة التي حُكي على مدى سنوات أنها مكدّسة بالمستودعات؟ وأضافت: "إذا كانت موجودة ويتمّ إغلاقها هذه مصيبة، وإذا لم تكن موجودة فهذه مصيبةٌ أكبر، والسؤال الأكبر ما نوعيّة المساعدات التي وصلت؟"
..................
انتهى / 232