15 مارس 2013 - 20:30

قال «السيد علي فضل الله» في خطبة صلاة الجمعة: على الدول العربية، ولا سيما كل المؤثرين في الساحة، أن يكونوا واعين للعبة الدولية التي تريد استنزاف كل المواقع، مادياً واقتصادياً، كما تريد استنزاف سوريا والبلاد المجاورة، وأن لا يزجوا أنفسهم في الصراع الدائر في سوريا، حتى لا يكون ذلك مادة استنزاف لمواقع القوة العربية.

وفقاً لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء _ ابنا _ ألقى «السيد علي فضل الله» خطبتي صلاة الجمعة، على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك بلبنان، بحضور عددٍ من الشخصيات العلمائية والسياسية والاجتماعية، وحشد من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخطبة الثّانية

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بتقوى الله، الّتي هي الملاذ والملجأ في الدّنيا والآخرة، وهذا ما أشار إليه في قوله تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ* فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ* يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ* كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ* يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آَمِنِينَ* لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ* فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}[الدّخان: 51-57]...

ولكي نبلغ التَّقوى، علينا أن نقتدي بإمام المتَّقين، حيث ينقل عنه أحد أصحابه، يقول: رأيت عليّاً وقد اعتزل في مكانٍ خفيّ، وسمعته، وهو لا يشعر بمكاني، يناجي ربّه: "إلهي، أفكّر في عفوك فتهون عليّ خطيئتي، ثم أذكر العظيم من أخذك فتعظم عليّ بليّتي. آهٍ ، إن أنا قرأت في الصّحف سيّئة أنا ناسيها وأنت محصيها، فتقول: خذوه، فيا له من مأخوذ، لا تنجيه عشيرته، ولا تنفعه قبيلته، ولا يرحمه الملأ، آهٍ من نارٍ تنضج الأكباد والكلى، آهٍ من نارٍ نزّاعةٍ للشَّوى، آهٍ من غمرةٍ من ملهبات لظى".. ثم أمعن في البكاء...

هذا هو عليّ يتأوَّه، وهو مَن هو من رسول الله(ص) وعند الله. فأين نحن من خشية الله العزيز الجبَّار، أين نحن من خشية موقف الحساب بين يديه تعالى، حيث الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها؟!

هذا ما نحتاج أن نستحضره، أن لا ننساه، أن يبقى ماثلاً أمامنا، كي ننضبط، فلا نتكلَّم إلا بحساب، ولا نأخذ المواقف إلا بحساب، ولا نؤيِّد أو نرفض إلا بحساب. إنّ كلّ ما نعانيه على المستوى الخاصّ والعام، هو نتاج ابتعاد الله عن ساحاتنا وحساباتنا، فلا حدود نتقيّد بها، ولا مبادئ تحكمنا.

فلنعد، أيّها الأحبّة، إلى الالتزام بالنّداء الإلهيّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}[الحشر: 18].

فلسطين تحتاج سلاح العرب

فالحياة تحتاج إلى جهودنا وأدائنا لمسؤوليّاتنا. والبداية من فلسطين، حيث لا يزال العدوّ الصّهيونيّ يتابع ممارساته العدوانيّة في مواجهة الشعب الفلسطيني، والّتي تمثّلت أخيراً في اقتحاماته المتكرّرة للمسجد الأقصى، والتعرّض للمصلّين فيه ولحماته، بهدف تقسيمه وفق أجندة طُرحت أخيراً في الكنيست، في الوقت الّذي تستمرّ معاناة آلاف الأسرى الفلسطينيّين في سجون الاحتلال، وهم يخوضون معركة الأمعاء الخاوية، وعلى رأسهم الأسير «سامر العيساوي»، المستمرّ في إضرابه عن الطّعام منذ 235 يوماً، في مواجهة الاحتلال الّذي يعمل على كسر إرادتهم وتحطيم صمودهم، لدفعهم إلى تقديم التّنازلات لحساب احتلاله وعدوانه.

إنّنا أمام كلّ هذه المعاناة، نعيد التّأكيد على كلّ الشعوب العربيّة والإسلاميّة، بالوقوف مع هذا الشّعب وشدّ أزره، وتثبيت صمود إنسانه بكلّ الوسائل المتاحة، ومنع العدوّ الصّهيونيّ من الاستفراد به، وخصوصاً في هذه المرحلة.

ونقول لكلّ الدّول العربيّة والإسلاميّة، والجامعة العربيّة، الّتي تتحدّث عن تسليح هذه المعارضة في هذا البلد العربيّ أو ذاك، في مواجهات الدّاخل، على أساس منع الاضطهاد والظّلم، أن يكون لها الهمّة نفسها في الدّعوة إلى تقوية الشّعب الفلسطينيّ، لمواجهة الظّلم الّذي يتعرّض له هذا الشّعب، وأيّ ظلم هو أقسى من ظلم الاحتلال الصّهيونيّ وممارساته القمعيّة، وليس آخرها ما رأيناه من منع إجراء عقد زفاف بين شابّ من رام الله، وفتاة من فلسطينيي العام 48، منعاً للتّواصل بين فلسطينيّي 48 والضفّة الغربيّة.

سوريا رهينة الاستنزاف

أمّا سوريا، الّتي تُعقد باسمها الاجتماعات في الاتحاد الأوروبّي وغيره، فيُراد لها أن تبقى رهينة الاستنزاف الدّمويّ الدّاخليّ إلى أبعد مدى، وليس أدلّ على ذلك من إجابة أحد مسؤولي الاتحاد الأوروبّي عن سؤال لأحد الصحافيّين الّذي سأله: هل تتوقّع أن يستمرّ الوضع على هذه الحال لسنوات؟ فقال: "لا نرى وسيلة حقيقيّة للخروج من مثل هذا الانسداد السياسيّ، لذلك لا أزال متشائماً جداً، وأنا خائف من حرب أهليّة طويلة جدّاً".

ومن هنا، نجد عملاً دؤوباً من كلّ المحاور الدّوليّة، لتسخين الجبهة الداخليّة في سوريا، من خلال الحديث عن رفع حظر السّلاح على سوريا، بدلاً من ممارسة هذا الطّرف الدّوليّ أو ذاك شيئاً من الضّغط لكي يجلس السوريّون جنباً إلى جنب على طاولة حوار، ونحن لا نستبعد أن تكون اللّعبة الأمريكيّة المزدوجة قد بدأت تأخذ طريقها إلى الواقع، بين حديث التّفاوض والتّسليح، والحديث عن الحوار.

إنّ هذا الواقع ينبغي أن يكون دافعاً للسوريّين الّذين هم وقود هذه المعركة، للخروج من دائرة الفعل وردّ الفعل، والتّفكير في السّبل الّتي تعيد الحوار إلى هذا البلد، بعيداً من الشّروط والشّروط المضادّة، فبقاء سوريا قويّةً وموحّدةً وحاضرة في هذا العالم، ينبغي أن يكون فوق كلّ اعتبار، وأن لا يستمرّ هذا البلد أسير التّجاذبات الدّوليّة الكبرى الّتي لم تفكّر يوماً في مصلحة هذا العالم العربيّ والإسلاميّ، إلا بمقدار مصالحها ومصلحة الكيان الصّهيونيّ.

وعلى الدّول العربيّة، ولا سيّما كلّ المؤثّرين في السّاحة، أن يكونوا واعين للّعبة الدّوليّة الّتي تريد استنزاف كلّ المواقع، ماديّاً واقتصاديّاً، كما تريد استنزاف سوريا والبلاد المجاورة، وأن لا يزجّوا أنفسهم في الصّراع الدّائر في سوريا، حتّى لا يكون ذلك  مادّة استنزاف لمواقع القوّة العربيّة، وللحؤول دون انعكاس ذلك على السّاحة الدّاخليّة في لبنان وغيره، وعلى العلاقة مع مكوّنات الشّعب السّوريّ، فضلاً عن التّداعيات في العلاقة مع الدّول العربيّة وغيرها.

استهداف وحدة العراق

أمّا العراق، فلا يكاد مسلسل التّفجيرات يتوقّف فيه حتّى يعود إلى سابق عهده، ضمن حلقات دمويّة متنقّلة تطاول معظم المدن العراقيّة، وتسعى إلى زيادة التوتّر السياسيّ والأمنيّ، وإضفاء المزيد من الحساسيّات المذهبيّة عليه، حتّى يبقى العراق في دائرة الاهتزاز المحلّيّ الّذي يطلّ على أكثر من اهتزاز إقليميّ، وعلى ملفّات مشتعلة متنقّلة.

إنّنا في الوقت الّذي نؤكّد على الشّعب العراقيّ الحفاظ على وحدته، والتنبّه للأهداف المشبوهة الّتي تقف وراء هذه التّفجيرات الوحشيّة، ندعو علماء المسلمين من السنّة والشّيعة، إلى إطلاق الموقف الشّرعيّ الواضح من هذه الأعمال الإجراميّة، حتّى لا تأخذ بُعداً طائفيّاً ومذهبيّاً، وتوضع في دائرة الاحتقان الّذي تعيشه السّاحة العراقيّة، ولكي يفوّتوا الفرصة على كلّ المصطادين في الماء العكِر.

لبنان: معالجة الأزمات

ونصل إلى لبنان، حيث الهاجس الأمنيّ بات مصدر قلق، سواء فيما يتعلّق بتداعيات ما يجري في الدّاخل السوريّ، أو بالحوادث الأمنيّة المتكرّرة، أو بالخطاب المذهبي المتوتّر، أو بالحديث عن وجود طرف هنا باتت له قواعده في لبنان، أو عن طرف هناك له برنامجه وأهدافه، أو بالغارات الوهميّة الّتي قام بها الكيان الصّهيونيّ ولا يزال، في الوقت الّذي لا يزال الواقع الاجتماعيّ ضاغطاً في ظلّ عدم استجابة الدّولة لمطالب العمّال والموظّفين والفئات المحرومة.

إنّنا أمام ذلك كلّه، ندعو الحكومة وكلّ القيادات الفاعلة والمؤثّرة في هذا البلد، إلى العمل لدراسة كلّ الوسائل الّتي تساهم في معالجة الهواجس والمشاكل الأمنيّة، وإيجاد حلولٍ لكلّ الأزمات الأمنيّة المتنقّلة، والإسراع في معالجة المشاكل الاجتماعيّة والاقتصاديّة، وبتّ موضوع سلسلة الرّتب والرّواتب، وإيجاد حلول سريعة لتمويلها، ولا سيّما بعد حديث أكثر من طرف سياسيّ فاعل في الحكومة بتبنّيها وتوفير التّمويل اللازم لها...

ونحن في الوقت الّذي نحيّي كلّ الأصوات الّتي تدعو إلى نبذ الخطاب المذهبي والطّائفي، نعيد التّأكيد على كلّ الّذين يتحدّثون بمنطق الفتنة، أن يعوا مخاطره على السّلم الأهليّ وعلى الأمن الدّاخليّ، فالكلمة مسؤوليّة، والتحرّك مسؤوليّة، وإذا كان هناك من غبن يراه البعض بحقّ هذا المذهب أو ذاك، فليست وسيلة حلّه التحرّك في ساحة قد يسعى الكثيرون من خلالها للاصطياد في الماء العكِر، وتحريك الفتنة هنا وهناك.

وعلينا أن لا ننسى وسط كلّ هذا الجوّ، خطر الكيان الصّهيونيّ، وتدعيم كلّ عناصر القوّة في هذا البلد، بدلاً من استدراجها في صراعات الدّاخل، سواء منها الجيش أو المقاومة.

وأخيراً، وبعد انتخاب الكرادلة المسيحيّين لبابا جديد لهم، نعيد الدّعوة إلى ضرورة بناء علاقة مسيحيّة إسلاميّة، تُؤسَّس على الاحترام المتبادل، لينطلق من خلالها الجميع، مسلمين ومسيحيّين، كفريق واحد في مواجهة الظّلم الّذي يعصف بهذا العالم؛ ظلم الاحتلال، والظّلم للشّعوب في مقدّراتها، وطغيان الدّول الكبرى في تعاملها مع الدّول الصّغرى، وأيضاً معالجة المشاكل الأخلاقيّة والماديّة المستشرية الّتي تعصف بهذا العالم، حيث لا خلاص له إلا من خلال تعاون الأديان الّتي أرادها الله صمّام أمان للإنسان، لبلوغ السّلام، ولتحقيق العدالة في الحياة.

...............

انتهی/212