وفقاً لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) _ للأنباء _ ابنا _ ألقى «السيد علي فضل الله» خطبتي صلاة الجمعة، على منبر مسجد "الإمامين الحسنين(ع)" في حارة حريك بلبنان، بحضور عدد من الشخصيات العلمائية والسياسية والاجتماعية، وحشد من المؤمنين.
وقال في خطبته "سوريا لا تزال تعيش السباق الحاد بين المواقف الداعية إلى الحوار بين الحكومة والمعارضة برعاية إقليمية ودولية، والمواقف الداعية إلى الحسم العسكري، في ظل استمرار نزيف الدم ومشاهد الدمار، والتفجيرات الوحشية، وليس آخرها التفجير الدامي في دمشق، والتهجير والنزوح إلى دول الجوار، حيث يستقبل لبنان وحده أكثر من ربع مليون نازح، هذا فضلاً عن تدمير البنى التحتية والاقتصاد".
وأضاف السيد فضل الله "ندعو إلى مضاعفة الجهود من الدول العربية والإسلامية، ومن كل الذين يفكّرون بمسؤولية تجاه هذا البلد، للعمل على صناعة حلول وتهيئة فرص الحوار وتقريب وجهات النظر بين النظام والمعارضة، لإبعاد شبح الدمار عن هذا البلد، وعدم جعله ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية".
وفي ما يلي نص الخطبة الثانية لسماحة السيد فضل الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بتقوى الله، هذه التّقوى الّتي حرص الإمام العسكري على تعميقها في النفوس وفي واقع الحياة، الإمام الذي ملأ الحياة الإسلامية في عصره وكل العصور، علماً وعبادةً وأخلاقاً وجهاداً وصبراً.
ومن كلماته: "أزهد النّاس من ترك الحرام، أشدّ النّاس اجتهاداً من ترك الذّنوب". "إنّكم، أيّها النّاس، في آجال منقوصة وأيّام معدودة، والموت يأتي بغتة". "من يزرع خيراً يحصد غبطةً ونجاحاً، ومن يزرع شرّاً يحصد ندامة، لكلّ زارع ما زرع"...
أيّها الأحبّة، الدّنيا هي ساحتنا، فلنزرع فيها، ولنحصد النّتائج في الموقع الأساس الّذي ينتظرنا في يومٍ لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلبٍ سليم، بعملٍ صالح، بموقف حيّ...
فلنستفد جيّداً من هذه الفرصة الّتي تمرّ مرّ السّحاب، فلا نهدر عمرنا ولا نبذّر طاقاتنا وقدراتنا، أن نسرع الخطى كي نؤدّي مسؤوليّاتنا في الحياة، ومن مسؤوليّاتنا أن نكون مع العدل ضدّ الظّلم، لا نفرّق بين عدلٍ وعدل، ولا بين ظلمٍ وظلم...
ومن هنا، فإنّنا سنبقى مع كل قضايا العدل، لا نهادن ظالماً ولا طاغية، كبيراً كان أو صغيراً، سواء أكان الموقف في مواجهته رابحاً أم خاسراً.. ومن هنا، سنبقى نشير إلى فلسطين، الّتي ستبقى بالنّسبة إلينا البوصلة، ومن خلالها نحدّد مواقفنا تجاه الأشخاص والجهات والحركات...
معاناة الأسرى في فلسطين
ففي فلسطين، لا يزال العدوّ يتابع مشروعه الاستيطاني وسياسة الاعتقال والقتل والتهديم للبيوت، والجرف للمزروعات والبساتين، في الوقت الّذي تستمرّ معاناة الأسرى الفلسطينيّين، ولا سيَّما الأسير «سامر العيساوي»، الّذي يتابع إضرابه عن الطّعام منذ أشهر عدّة، وسط صمتٍ عالميّ، وحتّى عربيّ وإسلاميّ.
إنّنا أمام هذه المعاناة، ندعو كلّ الشّعوب العربيّة والإسلاميّة، إلى أن لا تنسيها التوتّرات الّتي تضجّ بها ساحاتها، التطلّع إلى هذه القضيّة الإسلاميّة والقوميّة والإنسانيّة، وأن ينطلق الصّوت عالياً بالرّفض الجادّ والعمليّ لكلّ هذه الممارسات.
وفي هذا الوقت، لا يزال العالم العربيّ والإسلاميّ يعاني الانقسام السياسيّ الحادّ بين دوله، وفي داخل كلّ دولة، كما يتصاعد التوتّر المذهبيّ الّذي يحظى برعاية إقليميّة هنا ودوليّة هناك، ليتحوّل إلى تفجيرات وحشيّة تستهدف الأبرياء الآمنين في أكثر من ساحة عربيّة وإسلاميّة.
سوريا: الحلّ في الحوار
ونبدأ من سوريا، الّتي لا تزال تعيش السّباق الحادّ بين المواقف الدّاعية إلى الحوار بين الحكومة والمعارضة برعاية إقليميّة ودوليّة، والمواقف الدّاعية إلى الحسم العسكريّ، في ظلّ استمرار نزيف الدّم ومشاهد الدّمار، والتّفجيرات الوحشيّة، وليس آخرها التّفجير الدّامي في دمشق، والتّهجير والنّزوح إلى دول الجوار، حيث يستقبل لبنان وحده أكثر من ربع مليون نازح، هذا فضلاً عن تدمير البنى التحتية والاقتصاد.
إنّ هذا الواقع الدّامي يُخشى من تداعياته على دول الجوار، ولا سيّما على الواقع اللّبناني، حيث بتنا نشهد توتّراً بين مناطق لبنانيّة وأخرى سوريّة، ونسمع تهديدات لأحزاب وقيادات لبنانيّة.
إنّنا أمام هذا الواقع، ندعو إلى مضاعفة الجهود من الدّول العربيّة والإسلاميّة، ومن كلّ الّذين يفكّرون بمسؤوليّة تجاه هذا البلد، للعمل على صناعة حلول وتهيئة فرص الحوار وتقريب وجهات النّظر بين النّظام والمعارضة، لإبعاد شبح الدّمار عن هذا البلد، وعدم جعله ساحة لتصفية الحسابات الإقليميّة والدوليّة.
إنّنا نتطلّع بإيجابيّة إلى كلّ المواقف الحريصة على حقن الدّماء، والسّاعية إلى إزالة العقبات أمام انطلاق حوار جادّ بين السّلطة والمعارضة، نأمل أن يتمّ ويترجم عمليّاً وسريعاً لمصلحة سوريا وشعبها ومستقبلها، ولمصلحة العرب والمسلمين، والسّلام العالميّ، بحيث ينطلق الصّوت واحداً: لأسلمنّ ما سلمت أمور سوريا.
العراق وباكستان: لغة التّفجير
أمّا في العراق، فيبدو المشهد ملتهباً ومعقّداً، من خلال استمرار الأزمة السياسيّة، وتفاقم التّفجيرات الوحشيّة الّتي تطاول الآمنين في أسواقهم ومساجدهم ومراكز عملهم، والّتي تهدف إلى زيادة الشّرخ بين العراقيّين، ورفع منسوب التوتّر المذهبي والعرقي، ما يستدعي وعياً متزايداً من العراقيّين لعدم الوقوع في هذا الفخّ، وعملاً من الحكومة العراقيّة لتسريع الحوار مع المعارضة، وحلّ كلّ المسائل بروح وطنيّة ومسؤولة من الجميع.
وهناك في باكستان، حيث المجازر الوحشيّة في تفجيرات متنقّلة، آخرها في منطقة كويتا الباكستانيّة ضدّ المسلمين الشيعة، لإضفاء طابع مذهبيّ قاتم على هذه الأحداث الّتي تقف وراءها جهات تكفيريّة إلغائيّة.
إنّنا في الوقت الّذي ندين هذه التّفجيرات، كما كلّ التفجيرات الّتي تطاول الآمنين، ندعو الحكومة الباكستانيّة إلى تحمّل مسؤوليّاتها، والضّرب بيد من حديد في التّعاطي مع المجرمين القتلة، الّذين لا يراعون ديناً ولا ذمّة، ويعيثون في الأرض فساداً.
كما ندعو العلماء على اختلاف مذاهبهم، إلى أن يتصدّوا لهذه الأحداث الدّامية، وأن يؤكّدوا الموقف الشّرعيّ الحاسم في التّنديد بهذه الاعتداءات الّتي تستهدف قوّة العالم الإسلامي ووحدته وأمنه واستقراره.
إنّنا نرى أنّ السّاكتين على مثل هذه الجرائم مشاركون في كلّ نتائجها، وهم بذلك يعطون قوّة إضافيّة للعابثين بالوحدة الإسلاميّة واستقرار العالم الإسلاميّ، الّذين يريدون دخوله في حرب المئة عام الّتي وعد بها كيسنجر.
لبنان: أزمة القانون الانتخابيّ
أمّا لبنان، الّذي لا تزال تعصف به أزمة القانون الانتخابي وتداعياته، فإنّ أكثر ما نخشاه، أن يؤدِّي القانون الانتخابيّ الّذي ينتظره اللّبنانيّون بفارغ الصّبر، إلى تكريس الاصطفافات المذهبيّة، وشدّ العصبيّات الطّائفيّة، بما يهدّد وحدته أرضاً وشعباً. والأخطر، أن تستلهم المنطقة مثل هذا النّموذج في مثل هذه الأوقات العصيبة، حيث الطّوائف والمذاهب في أقصى استنفارها.
إنّنا ننتظر من المجلس النّيابي قانوناً انتخابيّاً يؤمّن التّمثيل السياسيّ العادل لكلّ اللّبنانيّين، ويحفظ حقوق الطّوائف والمذاهب، ويقوّي وحدة اللّبنانيّين، ويجعل النّائب يتحرّك في عمله السياسي وخدماته لحساب وطنه، بعيداً عن أيّ حسابات طائفيّة أو مذهبيّة وسياسيّة خاصّة.
وفي مجال آخر، لا يزال هذا البلد يعاني من ارتجاليّة التّعامل مع الواقع الاقتصاديّ، حيث يشهد هذا الواقع أزمةً كبيرةً يخشى من تداعياتها على البلد بشكلٍ عام، وقد برز هذا في الوعود الّتي أُعطيت من قِبَل الحكومة للقطاعات النّقابيّة والعماليّة، من دون النظر إلى العواقب الّتي تترتّب على هذه السّلسلة وانعكاسها على الخزينة العامّة.
إنّنا في الوقت الّذي نريد للدّولة أن تراعي المتطلّبات المعيشيّة الضّاغطة على المواطنين، ندعوها إلى حلّ هذا الواقع الاجتماعي، كما ندعوها إلى رسم سياسة اقتصاديّة حقيقيّة وموضوعيّة تستفيد من كلّ الموارد الموجودة وتسعى إلى تطويرها، وتزيل عن كاهلها كلّ إرث الفساد المتراكم، وتفتح كلّ الملفّات المغلقة من الأملاك البحريّة إلى واردات الجمارك إلى حال الهدر العام، فلا تبقى هذه السياسة رهينة الحديث عن النفط والغاز، الذي نأمل أن يكون وفيراً، ولكنّ هذا مرهون بمستقبل قد يطول، فيما اللّبنانيّون الباحثون عن عيشٍ كريم لا ينتظرون.
وأخيراً، فإنّ حوادث الخطف المتكرّرة الّتي يتعرّض لها اللّبنانيّون، تُظهر مدى الفراغ الأمنيّ في هذا البلد، والمخاطر الّتي تتهدّد النّاس، ما يدفعنا إلى مطالبة الدّولة بممارسة دورها في حماية المواطنين، واستعادة هيبتها في فرض الأمن، وردع كلّ المجرمين والمعتدين على حياة النّاس وأرزاقهم، مجدّدين دعوتنا الدّولة إلى استكمال مساعيها للإفراج عن المخطوفين اللّبنانيّين في سوريا.
أيّها المسؤولون، إنّ حفظ البلد أمانة في أعناقكم، وعليكم أن تؤدّوا الأمانة إلى أهلها، وإلا ستكونون خائنين للحاضر والمستقبل، ولن يرحمكم الحاضر ولا الأجيال القادمة.
...............
انتهی/212