4 يناير 2013 - 20:30

قال «السيد فضل الله» في خطبة صلاة الجمعة: إنّنا نأمل أن يعي الجميع أنّ مستقبل سوريا في خطر، وأنّ عليهم أن يسعوا إلى سلام سوريا وأمانها واستقرارها وبقائها في موقعها الرّيادي، ولأجل ذلك، لا بدَّ من أن تسقط كلّ الحسابات الخاصّة، الطائفيّة والمذهبيّة والشخصيّة.

وفقاً لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء _ ابنا _ ألقى «سماحة العلامة السيد علي فضل الله»، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) بـ "حارة حريك" في لبنان وبحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين.

وفي ما يلي نص خطبته السياسية:

سم الله الرحمن الرحيم

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بتقوى الله، والتّقوى هي صمّام أمان لنا في الدّنيا، وهي أمان لنا عندما نقف بين يدي الله، وإلى ذلك أشار الله تعالى:

{وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ}(الزمر:74).

ومن التّقوى أن نلتزم بوصيّة الإمام الرّضا(ع)، الإمام الّذي ملأ الحياة الإسلاميّة علماً وأخلاقاً وحواراً وعدلاً، هذا الإمام الّذي مرّت علينا ذكرى وفاته في الثّامن عشر من شهر صفر، ولا سيّما الوصيّة الّتي أبلغها إلى أحد أصحابه، وهو السيّد عبد العظيم الحسني، والّذي يسمّى الشاه عبد العظيم، الّذي يزوره غالباً الّذين يذهبون إلى الزيارة في إيران، حيث قال له: "يا عبد العظيم! أبلغْ عنّي أوليائي السّلامَ، وقل لهم ألاَّ يجعلوا للشّيطان على أنفسهم سبيلاً، ومُرْهم بالصّدق في الحديث وأداء الأمانة، ومُرْهم بالسّكوت وترك الجدال فيما لا يَعْنيهم، وإقبالِ بعضهم على بعض والمُزاوَرة.. ولا يشغلوا أنفسهم بتمزيق بعضهم بعضاً، فإنّي آليتُ على نفسي، أنّه مَن فعل ذلك، وأسخط وليّاً من أوليائي، دعوتُ الله لِيعذّبه في الدّنيا أشدّ العذاب، وكان في الآخرة من الخاسرين".

أيّها الأحبّة: بالالتزام بهذه الوصيّة، نبني مجتمعاً نحن أحوج ما نكون إليه، مجتمع الصّدق والأمانة ومحبّة الآخر، مجتمع التّلاقي والتّواصل والانفتاح والحوار. بهذا المجتمع، ينبغي أن ندخل إلى عام جديد، عام نريده أن يكون أفضل من عام سابق ودّعناه بالدّعاء: "اللّهمّ اجعل مستقبل أمري خيراً من ماضيه"، أن يكون أفضل فرديّاً واجتماعيّاً واقتصاديّاً وسياسيّاً، أفضل في علاقاتنا بعضنا مع بعض كمجتمع، ووطن، وأمّة.

فلسطين: الاستباحة المستمرّة

لا يزال العدوّ الصّهيوني يتابع سياسته في القتل والاعتقال، وقضم الأراضي وبناء المستوطنات عليها، وفي اعتداءاته المستمرّة على المواقع الدّينيّة الإسلاميّة والمسيحيّة، وسعيه للتّغيير الديمغرافي المستمرّ في الضفّة الغربيّة والقدس، وصولاً إلى أراضي العام 1948.

إنّ هذه المعاناة المستمرّة تستدعي مزيداً من العمل الفلسطيني المشترك، وإبقاء القضيّة الفلسطينيّة حاضرةً في الوجدان العربي والإسلامي، فلا تُنسى وسط انشغالات هذا العالم بأزماته، ولا يستبدل هذا العدوّ الصّهيونيّ بعدوّ آخر، بحيث يكون العدوّ هو هذا البلد الإسلاميّ أو ذاك البلد العربي، ولا بالفتن الّتي تعصف بواقعنا العربي والإسلامي، هذه الفتن الّتي باتت تمزّقنا وتشغلنا عن قضايانا الأساسيّة والمصيريّة، وعلى رأسها قضيّة فلسطين.

استهدافٌ لوحدة العراق

ونصل إلى العراق، حيث نشعر بخطورة الأوضاع والتطوّرات التي تعصف بالساحة العراقيّة، والتي بدأت تأخذ طابعاً مذهبيّاً حاداً، مع أنها قضايا سياسيّة وأمنيّة في العمق. إننا نخشى أن تُدخِل هذه الأوضاع العراق في أتون هذا الصّراع المذهبي، الّذي لن يستفيد منه سوى أعداء هذا الشعب، حيث يريدون أن يدخلوا على هذا الخطّ لحساباتهم الخاصّة، والّذي تُمثّل التفجيرات الوحشيّة الأخيرة فيه جزءاً من خططهم الرّامية إلى تدمير العراق بكلّ مكوّناته، واستهداف وحدته ومستقبله ودوره الاستراتيجي في المنطقة وعلى مستوى العالم.

إنّنا نثق بأنّ وعي العراقيّين سيفضي إلى تجاوز هذه المرحلة، حيث لا خيار للعراقيّين، رأفةً بشعبهم ومستقبل بلدهم، إلا النّهوض به، من خلال التّلاقي والتّواصل في ظلّ مؤسّسات الدّولة، لأنها كانت خياراً لهم في الأساس، وحلّ المشكلات عن طريق الحوار، ليبقى العراق نموذجاً وطنيّاً وعربيّاً وإسلاميّاً يغذّي كلّ هذه العناوين، بدلاً من أن يتحوّل إلى ساحة تزيد الأمور في المنطقة تعقيداً أو تمزيقاً..

مستقبل سوريا في خطر

أمّا سوريا، التي يحذِّر المبعوث الدّولي والعربي إليها من أن تتحوّل إلى جحيم مستمرّ في حال تعثرت التسوية السياسيّة، فإنّنا نرى في استمرار نزيفها المدمّر، وفي المجازر المتنقّلة فيها، وحركة النزوح المتصاعدة، خطراً كبيراً قد يصل إلى مستوى الكارثة، ليس على المستوى السوريّ فحسب، بل على المستوى العربي والإسلامي العام أيضاً.

إننا نخشى من أنّ هذه المأساة التي يدفع ثمنها الشعب السوري من حياة أبنائه، ومقوّمات عيشه، قد أضحت حدثاً عادياً وروتينياً لدى المحاور الدولية والإقليمية، التي لا يتوانى البعض فيها عن الحديث عن التّقسيم والتّفتيت و"الصّوملة"، وما إلى ذلك، وكأنّه القدر الّذي لا بدّ منه، والسُّم الّذي على الشّعب السوريّ تجرّعه، كرمى لعيون العدوّ والمحاور الدوليّة الساعية إلى تعزيز نفوذها في المنطقة على حساب هذا الشّعب.

إنّنا نأمل أن يعي الجميع أنّ مستقبل هذا البلد في خطر، وأنّ عليهم أن يسعوا إلى سلام سوريا وأمانها واستقرارها وبقائها في موقعها الرّيادي، ولأجل ذلك، لا بدَّ من أن تسقط كلّ الحسابات الخاصّة، الطائفيّة والمذهبيّة والشخصيّة.

لبنان: الأولويّة لقانون الانتخاب

أمّا لبنان، الّذي تزداد معاناة أبنائه، فإنّنا نأمل أن تكون السنة الحاليّة خيراً من الماضية، وذلك بأن تبادر الدّولة إلى إنصاف أبنائها، سواء كانوا من أساتذة الجامعة الّذين تَعرقل ملفّ تفرّغهم، أو المعلّمين والموظّفين الّذين ابتعدت مسألة إقرار سلسلة الرّتب والرّواتب لهم، أو الطّبقات المحرومة والمستضعفة الّتي أملت خيراً في حديث المسؤولين الدّائم عن الأولويّات الاجتماعيّة الّتي مرّت مرور الكرام طوال العام الفائت، وبات من الخطورة بمكانٍ أن تبقى على ما هي عليه مع بدايات العام الجديد.

إنّنا في الوقت الّذي نؤكّد على الدّولة ألا تتراجع عن وعودها الاجتماعيّة والاقتصاديّة، نرى في العمل لإقرار مشروع انتخابي جديد أولويّة مهمّة، تتحمّل مسؤوليّتها الأطراف كافّة، لأن من شأن قرار موحّد في هذا الاتجاه، أن ينزع فتيل الأزمة السياسية، وأن يؤسّس ـ في الوقت عينه ـ للبنان جديد، بعيد عن الألغام المذهبية والحساسيات السياسية الّتي تصنعها المشكلة الانتخابية، ويراكمها المشروع الانتخابي في كلّ مرّة.

إنّ لبنان يحتاج إلى المزيد من اللّقاءات والحوار، بدلاً من كلّ هذا الجدل الّذي أدمنته الطّبقة السياسيّة على حساب راحة اللّبنانيّين، وعلينا جميعاً أن نقف إلى جانب كلّ من يدعو إلى الحوار والتّلاقي، وأن نرحّب بكلّ دعوة مخلصة لجمع اللّبنانيّين على طاولة حوارٍ تنفتح بهم على المستقبل، بعيداً عن كلّ أساليب التّخويف والتخويف المضادّ الّتي تنطلق بها أجهزة ويروّج لها سياسيّون وإعلاميّون.

وأخيراً، إنّنا نضمّ صوتنا إلى كلّ الأصوات الّتي دعت إلى احتضان النّازحين الفلسطينيّين من سوريا، وتقديم كلّ ما يمكن تقديمه لهم، انطلاقاً من المسؤوليّة الإسلاميّة والشرعيّة والإنسانيّة والعربيّة الواقعة على عاتق الجميع، وأن نعمل لإبعاد هذا الملفّ عن كلّ محاولات التّسييس، وعن الحسابات السياسيّة الّتي يتحرّك بها هذا الفريق أو ذاك، مع الأخذ في الاعتبار الهواجس لدى البعض والوقاية منها، فقد آن الأوان لمعالجة هذه الملفات بمسؤوليّة إنسانيّة وأخلاقيّة وشرعيّة، بعيداً عن كلّ التّناقضات والجدل اللامسؤول الّذي قد ينطلق من هنا وهناك.

...............

انتهی/212