بسم الله الرحمن الرحيم
﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
وعنه (صلی الله علیه و آله): «من شرك في دم حرام بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آئس من رحمة الله».وعن رسول الله (صلی الله علیه و آله): «لزوال الدنيا جميعاً أهون على لله من دم يسفك بغير حق».
وهناك حادثة وقعت في عهد الرسول تكشف عن مدى اهتمام الإسلام بالحياة فقد وجد رجل مقتول من قبيلة جهينة ولا يعلم قاتله، فغضب رسول الله لذلك فأمر باجتماع المسلمين في المسجد وصعد فيهم خطيباً قائلاً «أيها الناس أيقتل إنسان ولا يعلم قاتله ، والله لو أن أهل السماوات والأرض اشتركوا في دم مسلم واحد بريء أو رضوا به لكان حقاً على الله أن يكبهم كلهم على مناخيرهم في نار جهنم».
وورد في الحديث أن رسول الله بعد ما انتهى من أعمال منى وقف في الناس خطيباً وقال :«أيها الناس أي يوم أعظم حرمة ؟ قال المسلمون : هذا اليوم ، قال : فأي شهر أعظم حرمة ؟ قالوا: هذا الشهر، قال: فأي بلد أعظم حرمة ؟ قالوا هذا البلد، قال: فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا».
ومع هذا التأكيد الكبير في الاسلام على حرمة الدماء، كيف اصبح الدم المسلم رخيصا في اوساط المسلمين، وكيف خضبت معظم ساحات البلاد الاسلامية بلون الدماء القانية، فهناك سفك للدماء على يد السلطات الحاكمة في اكثر من بلد اسلامي، وهناك توجهات ترفع شعارات الدين تستبيح الدماء وتمارس الارهاب وتقوم بالتفجيرات والاغتيالات.
لقد فجع مجتمعنا في القطيف هذه الأيام باراقة دماء اربعة من شبابنا وابنائنا الاعزاء برصاص غادر كما أصيب عدد من الجرحى، مما أدى إلى تشنج الاوضاع، وهياج المشاعر، وإذ نعزي عوائل الشهداء بفقد ابنائهم وعموم المجتمع المكلوم. فإننا نحذر من هذا الانزلاق الخطير نحو هاوية العنف وسفك الدماء.
ويهمني من منطلق الشعور بالمسؤولية والحرص على مصلحة المجتمع والوطن أن أؤكد على الامور التالية:
اولا: أن تقوم قيادة البلاد بمبادرة طيبة تنفس بها الاحتقان، وتضمد الجراح، وتفوت الفرصة على المغرضين، وتستوعب هؤلاء المواطنين الذين لا يطلبون شيئا يعسر على الدولة، ولا يريدون إلا التمتع بحقوق المواطنة المشروعة، ورفع أي تمييز أو حيف بحقهم.
إن كلمة حانية من قيادة البلاد، ومعالجة سريعة لبعض المشكلات، واهتماما تنمويا جادا بالمنطقة وأبنائها، سيكون له اكبر الاثر في النفوس، ويساعد العقلاء والمصلحين في المجتمع على النجاح في دعوتهم للهدوء والوئام.
اما ترك العنان للتعبئة الطائفية، والدخول في معادلة ردود الافعال، والاقتصار على المعالجة الأمنية، فإن ذلك هو ما يريده اعداء الوطن، وما يجب ان نحذر منه جميعا حكومة وشعبا، فالاضطرابات وانفلات الأمن ضرر على المواطنين وعلى الدولة، وخسارة للوطن، نسأل الله تعالى ان يحمي بلادنا ومجتمعنا من هذا المنزلق الخطير.
ثانيا: لا بد من تأكيد الانضباط في اوساط افراد وأجهزة الأمن العاملة في المنطقة، بمنع حصول أي اساءة تستفز المواطنين، والاهم من ذلك عدم الاستجابة لما قد يواجههم من الاستفزاز في غمرة اجواء الانفعال والحماس. فلا يصل الامر إلى سفك الدماء. ومن المهم جدا التحقيق في الحوادث الدامية التي وقعت ومحاسبة المسؤولين عن وقوعها.
ثالثا: اتوجه إلى شبابنا الاعزاء للتأكيد على ما ورد في بيان علماء القطيف الصادر يوم امس الخميس 28 و الحجة من الالتزام بالوسائل السلمية في التعبير عن الرأي والمطالبة بالحقوق، وعدم الانجرار إلى أي شكل من أشكال العنف.
شبابنا الاعزاء.. إن الشعوب العربية تفاخر اليوم وفي موسم الربيع العربي بنهجها السلمي كما رأينا في تونس ومصر واليمن والبحرين، حيث لم يواجه الجمهور عنف السلطات بعنف مضاد. فاحذروا ايها الشباب الاعزاء أي دعوة باتجاه مظاهر العنف، ولا تُستدرجوا للعنف، ولا تسمحوا لمندسين ان يشوهوا حراككم بممارسات عنفية، وكونوا كما عهدناكم ابناءً بررة لمدرسة اهل البيت علیهم السلام.
وضعوا نصب أعينكم ما قاله أول شهيد حسيني وهو مسلم بن عقيل، الذي امتنع عن استخدام العنف ضد عبيدالله بن زياد وكانت الظروف مهيأة له مما تسمعونه في السيرة الحسينية، لكنه (علیهم السلام) استحضر قول رسول الله (صلی الله علیه و آله): الايمان قيد الفتك، لا يفتك مؤمن.
حفظكم الله يا شبابنا الاعزاء وكل شباب الوطن من كل مكروه وحقق آمالنا وآمالكم في العيش بأمن وأمان وكرامة في وطننا الغالي العزيز.
............
انتهی/182