1 أبريل 2011 - 19:30

أكثر ما يُثلِج الصدر في عصر كثرت فيه التعصبات المذهبية هو شعار الثورة البحرينية “لا سنية ولا شيعية”. هذا الشعار البلسم الذي ارتفع في عرضِ خليجٍ تأصلت فيه الطائفية إنما يدل على وعي كبير وتميز بائن في طرح أبناء الشعب البحريني بما لا يدع مجالا للمزايدة ويرفع عنهم بامتياز هامش التهم الطائفية.

ابنا : ولسنا نتوقع ممن يريد خير بلاده وتطورها وتماسكها واستقلالها إلا أن يرتفع فوق الاختلافات لأجل قداسة الرمل الذي يجمع الأطياف المختلفة في الوطن. هذا هو الخيار المخلص الذي يحفظ البلاد من التشرذم والتفكك ويفوت الفرصة على أي يد أجنبية تقف ضد مصلحة الوطن.

وعلى الرغم من تلك الشعارات التي كانت بارزة في هذه الثورة لم ينكفئ أعداء الوحدة عن رجم تلك الثورة وشتمها بالطائفية بما يؤكد على أن الطائفية والتفرقة أصبحتا مذمة ومسبة يراد بها انتقاص الآخر والتقليل من شأنه وتقبيحه في عين الأمة.

إلا أن ما يثير السخرية هو اتصاف أولئك المتهِمين قولا وعملا بالطائفية، وهذا ما يقبح جدا اسقاطهم هذه التهمة على الآخرين. لقد اختلطت الأمور بشكل عجيب حتى بتنا نسمع من أمراء التطرف وعلماء المدفع التكفيري صنوف الاتهامات للثورة البحرينية العادلة بدءا من الطائفية وانتهاءا بالولاء للخارج. فأما الطائفية فهي تكاد تصير وجبتهم اللذيذة وهوايتهم المفضلة وفنهم المبدع، وأما الولاء للخارج فهو أيضا نغمة نشاز من هذه الأصوات التي لم تكن يوما تهتم بالوطنية وربما تعتبرها بدعة وتسقِطُ وتجرم الطوائف الأخرى في الوطن ولا تجعل قدسية للكيان المؤطر في مصطلح الوطن ولا تقدس المواطنة. ولعلها تواسي عيوبها بإسقاط تلك العيوب على الآخرين!؟.

أولئك الذين انبثقت من تطرفهم المذهبي ومن مقرراتهم الدراسية جراثيم وفيالق لم تكد تُغفِلُ الأوطان الأخرى البعيدة حتى ارتدت تضرب وطنها وتلغم الأماكن والأفكار والهواجس والضغائن حتى قفزنا من فتوى تكفير إلى لغم تفجير ومن قنبلة ازدراء إلى معركة تشويه. ولقد أصبح القانون والقضاء محكمة مذهبية وأصبح بيت الله الحرام ذلك الحرم الآمن والمسجد النبوي بؤرة للطائفية والتطرف والخط الأوحد. فهل يمكن على من يمارس هذه الممارسات المتطرفة الطائفية أن يتمظهر بمظهر النقاوة وينزه نفسه باتهام الآخرين؟!. وكم قدم هؤلاء المتطرفون فكرا وفعلا لأعداء الأمة الإسلامية سنيها وشيعيها من خدمات مجانية كانت أو غير مجانية؟!

فلا ندري من نصدق! شعارات ثورة البحرين أم اتهامكم إياها بالطائفية؟ سلميتهم وضحاياهم وشهداءهم أم بنادقكم ومدافعكم ومعاولكم الذي ارتدت إلى المآتم والقبور؟ فيا لله من كان الطائفي؟!. وما الذي كنا نتوقعه من أولئك الذين اختمرت الطائفية في أقوالهم وأفعالهم حتى تعفنت؟ في الحقيقة لم نكن نتوقع سوى أن يرجموا أضدادهم في المذهب كما العادة، وهم الذين لو فتح لهم المجال لأزالوا درع الجزيرة إلى سيفها وحولوا البحرين إلى السيارات المفخخة والعمليات الانتحارية التي انفجر منفّذها بالحقد ألف مرة قبل أن ينفجر بالديناميت! فهل أدان أولئك تلك العمليات الطائفية الإرهابية التي اعتدنا حدوثها في العراق وباكستان؟

ما أكبر مقتهم إذ يقولون ما لا يفعلون حتى تعدى حقدهم وضغائنهم التصفيق لقتل الأبرياء إلى التصفيق للزلازل وتبريرها بأنها غصب الله على الرافضة والمجوس وعبدة الأوثان! ولم نسمع بعضهم المعتدل يدين بعضهم المتطرف على هذا الفكر المنحط، والساكتُ عن الحق أحد الشياطين!. وبين هذا وذاك لم نجد الدولة تدين هؤلاء وتحاسبهم وتحاكمهم وتنتصر للمواطنة كحد لا يمكن تجاوزه!.

تلك الأكثرية الشيعية في البحرين ورغم القهر والحيف والعدوان الذي نالها من الجوار السني لا زالت تردد شعارها المحبب “لا سنية ولا شيعية” بلا تردد ودون تبدل في الموقف حتى اصطبغ هذا الشعار بدموعها ودماء شهدائها. فلا يملك أي منصف إلا أن يقف إجلالا واحتراما لهذه الروح العطرة التي فاحت في أجواء الخليج لعلها تطهر النتن الطائفي الذي اجتاحه حتى طفح إلى البحرين مهدما قبابها وقبورها ومآتمها ومساجدها على يد ما يسمى بالذرع وهو السيف الذي ترجم الطائفية بالرصاص والمعاول التي هدمت دور العبادة الخاصة بالشيعة وقتلت أبناءهم دون هوادة. وما كان هذا التجييش والاستنفار الذي فاق التجييش لأجل غزة إلا خوفا من حكم الأغلبية الشيعية في البحرين وبغضا لهم وليس تباكيا على الطائفية أبدا.

إننا نتمنى ولو من باب المجاملة أن نسمع من الأكثرية السلفية البسيطة في السعودية شعارا مثل “لا سنية ولا شيعية، وحدة وحدة وطنية”. فهل يملك هؤلاء السلفيون في هذا الوطن الجرأة أن يرفعوا هذا الشعار اللاطائفي؟ وهل يملك الجرأة والدافع أولئك الذين اتهموا الأكثرية الشيعية في البحرين بالطائفية لينادوا بنفس الشعارات اللاطائفية للثورة البحرينية؟!

أشك في ذلك! لأننا في أحلك الظروف وأشدها قسوة وفي أوضح صراعات الأمة بين الحق والباطل وهي حرب تموز 2006م لم نسمعهم ينادون بهكذا شعار بل سمعنا أغلبهم ينادون بالعكس ويحرمون مجرد الدعاء للمقاومة الإسلامية بالنصرة على إسرائيل ولماذا؟ لأن أغلبية المقاومة شيعية. وبالمقابل وجدنا الشعب البحريني وإلى جانبه شيعة القطيف يتظاهرون وسط مملكة الصمت نصرة لغزة ومنددين بالعدوان الصهيوني الظالم على تلك المدينة التي استفرد بها العدو ولم تجد ناصرا، حتى قال قائل الفلسطينيين لحماسه وحرقته: “إني أشهد أن القطيف أرجل من في السعودية”. وهذا المشهد وبصرف النظر عن تفاصيله وحيثياته الداخلية في مسألة التظاهر إلا أنه يدل على استعداد الشيعي على التضحية من أجل أخيه السني ولو أمام ضرب الهراوات وخراطيم المياه.

إن المزايدة على الشيعة واتهامهم بالولاء للخارج لكونهم يوالون مراجعهم وفقاءهم في المذهب لا يدلان إلا على الحقد الدفين والطائفية الكامنة في الصدور. إن المبدأ الذي يُحِلّ لفلان المصري أن يفتي بإباحة دم القذافي الليبي وأن يدعم ثورات الشعوب المختلفة وأن يقدسَ الألبانيَّ السوري ومسلمَ الإيراني والعودةَ السعودي هو المبدأ الذي يُحِلًّ للمفتي السعودي أن يحرِّمَ تظاهر المصريين وهو نفس المبدأ الذي يحل للشيعة تقدير علمائهم وفقهائهم ويحل لهم التفاعل مع قضايا بعضهم البعض ومع قضايا المسلمين كافة. إن الإسلام لا يعترف بالحدود البريطانية والفتوى التي تصدر من مشرق الأرض لا بد أن تعني المسلمين في مغربها وخاصة إن كانت محقة، ولا بد أن يصل نتنها إن كانت باطلة. ويجب أن لا ننسى أن للآخرين باءات أخرى تجر بكفاءة. أيها الناس كونوا كما يريد الله لا كما تريدون أنتم و (لا يجرمنكم شنئانُ قومٍ على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى).

انتهی/158