14 فبراير 2011 - 20:30

إلى كل الحكام الذين امتطوا كراسي الحكم غصباً دون إرادة أو اختيار من شعوبهم؛ أوجه هذه الرسالة المقتضبة التي إن لم تعبِّر عن ضمير ولسان حال جميع الشعوب العربية المستضعفة؛ فهي لا ريب تعبر عن ما يختلج في صدور شريحة واسعة منها:

ابنا : أولاً: على الحكام العرب أن يتواضعوا كثيراً، ويهبطوا من بروجهم العاجية بالمصعد الكهربائي سريعاً بسلام إلى حيث تجتمع الناس، والقيام بالإصلاحات الحقيقية التي تتلخص في تطليق القمع، وإطلاق الحريات السياسية والفكرية كاملة غير منقوصة، ولا مبضَّعة ولا مجزأة، ولا مقطرة (بالقطارة)، ولا مسلحفة (مشية السلحفاة)، وبعيداً عن الشعارات المزيفة؛ فلا المسكنات ولا الإبر المخدرة تجدي اليوم نفعاً. ولتعلموا أيها الحكام أن ما كان مطلوباً منكم ومقبولاً من الشعوب بالأمس لا يكفي ولا يقبل اليوم، وما هو مطلوب منكم ومقبول من الشعب اليوم لا يكفي ولا يقبل غداً؛ فالعجل العجل قبل أن يتسعَ الخرقُ على الراقعِ ؛ فأمامكم خياران: إما خيار التغيير والإصلاح السريع، أو خيار التهاوي والسقوط السريع حيث ستنتفض الشعوب مزمجرة راكبة مركبة الثورة الهادرة التي تطيح بكم من العروش التي اغتصبتموها من الشعوب؛ وحينها ستقول لكم: ولات حين وعود بالإصلاح، ولات حين ندم، ولات حين مناص، وإنما الحين حينٌ تقذفكم الشعوب من أعلى أسطح البروج العاجية؛ لترمي بكم في مزبلة الطغاة، ولا من مجير ولا ناصر لكم.

 

ثانياً: إن جماجم الشهداء وصرخات الشعوب وآلام المجاهدين وأنين المعذبين وآهات الثكلى ودموع اليتامى تصعد إلى السماء؛ لكي تجتمع وتنزل ماءً لتسيل أودية القلوب إرادة وتصميماً لتجرف الحكام العرب زبداً طافياً ليذهبوا غثاءً وجفاءً، وتبقى جماجم الشهداء وصرخات الشعوب وآلام المجاهدين وأنين المعذبين وآهات الثكلى ودموع اليتامى ماكثة في أعماق الأرض تغذي عقول وأرواح الناس بما ينفعهم؛ لتشييد الحياة الطيبة الكريمة التي ملؤها العدالة والحرية والأمن. قال الله تبارك وتعالى: ﴿ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ ﴾. (17) سورة الرعد

 

ثالثاً: إن الشعار الذي تجمع عليه جميع الشعوب العربية ويهتف به حال ألسنتهم وتزأر به ضمائر حناجرهم دائماً هو (الشعب يريد إسقاط النظام) والمقصود من النظام هو النهج الاستبدادي الجائر وكل الحكام المستبدين الجائرين من سلاطين ورؤساء وملوك وأمراء ووزراء وكل من أعانهم على ظلم وقمع وقهر الناس. وهكذا تهتف الشعوب بشعار (الشعوب حرة حرة والحكام برَّة برَّة) وشعار (الشعب يريد كرامته ويسقط الحاكم الذي طغى في مهانته) (يا حاكم صح النوم وَصَّل طغيانك آخر يوم) (البلاد حرَّة حرَّة والطاغي برَّة برَّة) وهكذا دواليك.

 

رابعاً: إن العقيدة الراسخة والعمل الواضح الذي لا لبس فيه لأسيادكم المستكبرين الدوليين هي أن لا صداقات دائمة وإنما مصالح دائمة ولذلك استغنى أسيادكم المستكبرون الدوليون عن عبوديتكم وخدماتكم لهم؛ وبهذا انتهت صلاحيتكم للعبودية والخدمة لهم، أو أوشكت على الانتهاء؛ ولم يكتفوا بالتلميح لكم بذلك، بل بالغوا بكنايات وأفعال هي أبلغ من التصريح؛ لتخترق كناياتهم وأفعالهم أكنة قلوبكم الميتة ووقر آذانكم الصمخة؛ لتؤَذن لكم بأن ناركم قد خمدت إلا عن إحراقكم؛ ولذا فإن صلاحيتكم كعبيد للاستكبار الدولي قد انتهت أو أوشكت على الانتهاء.

 

ولتعلموا بأن أسيادكم هم مَنْ صنع كذبة خطر الإسلام والتطرف والقاعدة لا أنتم لتكون هذه الكذبة فزاعة لتمرير السياسات الشيطانية الدولية لنهب الثروات مثلاً، أو لتمرير السياسات الشيطانية الإقليمية لزرع بذور الفتن مثلاً، أو لتمرير السياسات الشيطانية المحلية لتهديدكم أيها الحكام الطغاة، وزيادة تطويع عبوديتكم لهم؛ ولذلك هم يعرفون حجم تلك الفزاعة التي تلقفتموها سريعاً وطبلتم وزمرتم بها، ولم يصدقكم أسيادكم يوماً أبداً لا بخطر الإسلام ولا خطر التطرف المزعوم ولا خطر القاعدة المدَّعاة على مصالحهم؛ ولكنهم كانوا يجارونكم في زعمكم بخطر الإسلام؛ ليحققوا أهدافهم الجهنمية. وهاهم قد حققوا الكثير منها كما تضرروا كذلك، وأوشكت فزاعة خطر الإسلام والتطرف والقاعدة على المصالح الاستكبارية أن تنتهي، فهل تستيقظون من سباتكم أم لم ولن تزالوا سامدين؟

 

خامساً: إن الشعوب ترفض التبعية للاستكبار الدولي، وعندها قائمة طويلة جداً من التحفظات والمؤاخذات على الاستكبار الدولي، بل تقف الشعوب موقف الضد والتضاد والتباين والنقيض للاستكبار الدولي في الكثير من سياساته المصلحية والملتوية، ولكنَّ الشعوب لن تمانع بعد اليوم من الترحيب بتدخل الاستكبار الدولي الذي أنتم جندٌ وعبيدٌ له مخلصين؛ لتشكيل الشرق الأوسط الجديد الذي يحفظ الكثير من مصالح الشعوب باقتلاعكم من سدة الحكم؛ لكي تسترد الشعوب وترتشف بعض كرامتها التي سلبتموها، وبعض حريتها التي صادرتموها بحماية الاستكبار الدولي لطغيانكم وجوركم.

 

ولسان حال الشعوب اليوم يقول إن جهنم الاستكبار الدولي أرحم وأكرم من جَنَّة الاستبداد والطغيان المحلي الذي تمارسونه عليها أيها الطغاة؛ لأنه إذا كان الاستكبار الدولي اليوم ينهب بعضاً من ثروات الشعوب ليعيش مرفهاً، وينتهك بعض كرامتها ويسلب بعض حريتها لتحقيق رفاه عيشه؛ فأنتم أيها الطغاة نهبتم كل ثروات الشعوب غصباً تداولونها بينكم إلا النزر القليل، وانتهكتم كل كرامة الشعوب امتهاناً ولم تبقوا منها شيئاً، وصادرتم كل حريتها وجعلتموهم أجمع عبيداً لكم تتوارثون استعبادهم. فمرحباً بكل حقٍ من كرامة وعدالة وحرية يُسترد للشعوب من الطغاة ولو بخديعة ومكر وتدخل الاستكبار الدولي الذي حماكم أيها الطغاة لسلب حقوق الشعوب.

 

سادساً: أنتم بين خيارين لا ثالث لهما: إما السلامة في الجملة بإسقاط العقوبة عن أغلب ما ارتكبتموه من جرم وإجرام؛ وذلك عبر الاستسلام والتسليم باختياركم لإرادة الشعب، وردّ كل الثروات التي نهبتموها إلى الحق العام فتسلَموا من الويل والثبور الشعبي، وإما إنزال العقوبة عليكم حيث المطاردة الشعبية لكم، ولا مناص لكم حينها إلا القتل، أو الغيبوبة بالاختفاء في حجور الأرانب والفئران، أو الهروب إلى الفضاء المجهول حيث تستجدون الملجأ والاستجارة؛ ولكن لا تلقون إلا الصدود والرفض والبراءة من أقرب مَنْ كنتم تعتقدون أنه أقرب من كل قريب حيث يتحول بين ليلة وضحاها إلى أبعد من كل بعيد.

 

سابعاً: أيها الحكام الطغاة: احذروا يدَ العدالة الإلهية أن تصيبكم في الدنيا قبل الآخرة، فقبل ثلاثون عاماً تهاوى طاغي الطغاة الإيراني البهلوي بسبب تماديه في الطغيان، ويوم ذاك فرح المؤمنون بنهايته، وتحقق وعد الله. وقال يوسف العظم شاعر القدس والأقصى مخاطباً له:

 

يا صاحب التاج ما للتاج ينهــــار                         أما علمت بأن الكـــــون دوار

بالأمس عرشك طاووس تتيه فيه               واليوم عرشك في طهران آثار

بالأمس كنت مع الدنيا وزينتـــها                        واليوم في موطن يأويـك تحتار

 

ومن حينها تسلح المؤمنون بالثقة بنصر الله لهم. ولكنكم أيها الطغاة لم تتعظوا بتهاويه.

 

ومن بعده قتل المجاهدُ الإسلام بوليُ فرعونَ مصر وطاغيتها آنذاك أنور السادات (والحق أنه أظلم العبيد) وهو في أوج طغيانه وجبروته وعلى منصة غروره فتهاوى ولم تبْكِه عين في الأرض ولا في السماء. ولكنكم أيها الطغاة لم تتعظوا.

 

ومن بعد ذلك تهاوى الطاغي السوداني جعفر نميري وقضى بقية حياته ذليلاً صاغراً يستجدي أسياده ولا مَنْ يعطيه. ولكنكم أيها الطغاة لم تتعظوا.

 

ومن بعد ذلك تفكك الإتحاد السوفيتي وتهاوى الطغاة في وأوربا الشرقية واحدا تلو الآخر. ولكنكم أيها الطغاة لم تتعظوا.

 

ومن بعد ذلك بدأ أسيادكم العمل على الأرض بالفوضى الخلاقة لشرق أوسط جديد يحقق مصالحهم فكان العراق بوابة سياساتهم والشرارة لإحراقكم، فتهاوى طاغي العراق صدَّام حسين (والحق أنه صدَّام السوء) الذي عاث في شعبه قتلاً وفساداً وطاردته يدُ العدالة الإلهية في الدنيا وأخرجته من جحره الذي اختبأ فيه كالأرانب والفئران صاغراً ذليلاً. ولكنكم أيها الطغاة لم تتعظوا.

 

وهاهو الطاغي التونسي وجلادها الشرير المحترف زين العابدين بن علي (والحق أنه شين الجاحدين والفارين) الذي أوغل في حقده على الإسلام وشعبه وغرز أنيابه في صدور الأحرار والأباة ومبالغاً في تنفيذ ذلك استجابة لرغبات أسياده. فقال له أبو القاسم الشابي شاعر الثورة التونسية من قبره يخاطبه وكل الطواغيت:

 

ألا أيــــها الظــالـم المســــــتبد                حـبيــب الـظـلام عــــدو الحـــــيـاة

سخرت بأناة شـــــعب ضعيـــف         وكـفـــــك مـخـضــوبـة مــــن دمـاه

وسرت تشــوه ســـحر الوجــود         وتبـذر شـــــوك الأســــى في رباه

رويــدك لا يـخدعنــك الربيـــــع          وصحـــــو الفضــاء وضـــوء الصبـــاح

ففي الأفق الرحب هول الظلام         وقصـــف الرعـود وعصــــف الريـــاح

حذار فتحت الرمــــــاد اللهيــب         ومَنْ يزرع الشـوك يجنـي الجــراح

تأمـــل هنــاك أنَّـــى حصــــدت         رؤوس الــــورى وزهـــــور الأمــــل

ورويــت بـالـدم قلـب التـــــراب          وأشـبعـته الـدمــع حــتـى ثـمــــل

سيجرفك السيل سـيل الدماء          ويأكــلك الـعاصــف المشــــتـعـــل

 

نعم هاهو ينجرف بسيل الدماء ويُؤكل بالعاصف المشتعل، فقد تهاوى أمام أعينكم أيها الطغاة، ولم يجد هذا الطاغي أحداً من أسياده أو أخلائه يأويه في هذه الدنيا، فكيف بالآخرة؟ حيث بقي عالقاً في الفضاء العلوي أكثر من ست ساعات إلى أن أمر أسيادُه عبيدَهم بإيوائه وقد تناسى أول