وفقاً لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) الدولية ــ أبنا ــ أُقيمت مراسم تكريم العلامة السيد جعفر مرتضى العاملي، المتكلم والمؤرخ والمفسر والأديب والمحقق الشيعي البارز، يوم الخميس 14 آبان 1405، الموافق 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، في قاعة المؤتمرات التابعة للمجمع العالمي لأهل البيت (ع) بمدينة قم، بحضور عدد من الباحثين وممثلي مكاتب مراجع الدين العظام.
وفي كلمته خلال المراسم، أشار الأمين العام للمجمع العالمي لأهل البيت (ع)، آية الله رمضاني، إلى أهمية المنهجية في الدراسات التاريخية، مؤكداً ضرورة الالتزام بثلاثة أصول: أن تكون الروايات موثوقة ومستندة إلى مصادر معتبرة، وأن تستند التحليلات إلى المعطيات والبيانات، وأن تُطبّق القواعد المستخلصة على ظروف العصر.
وأضاف أن التعامل مع الكتب التاريخية يكون أحياناً سطحياً، من دون التعمق في مضامينها، مشيراً إلى أنه واجه خلال دراسته لتاريخ الإسلام وقائع استدعت مزيداً من التدقيق. واستشهد بمسألة الجهاد الابتدائي، موضحاً أن مراجعة سيرة النبي الأكرم (ص) كشفت أن بعض التصورات، ومنها القول إن النبي خاض 80 حرباً ابتدائية، غير صحيحة، وقد تؤدي إلى استنتاجات خاطئة، مثل اتهامه بالسعي إلى السلطة أو فرض الدين بالقوة.
كما تحدث عن لقاء جمعه بإحدى الشخصيات الأكاديمية البارزة في ألمانيا، كانت تسعى إلى الاستناد إلى كتب بعض المؤرخين في طرح قضايا، ولا سيما أحداث بني قريظة. وقال إنه اضطر إلى إعادة دراسة جميع حروب النبي (ص) من بدايتها إلى نهايتها، ليتبين له أن تلك الاستشهادات لم تكن دقيقة، مؤكداً أن التحقق من هذه المسائل يتطلب تعمقاً، وهي مسؤولية الباحثين المتخصصين في التاريخ.
العلامة السيد جعفر مرتضى؛ صاحب مدرسة في التأريخ
ووصف آية الله رمضاني العلامة السيد جعفر مرتضى العاملي بأنه من أبرز وأدق الشخصيات المعاصرة في إعادة بناء تاريخ أهل البيت (ع) بصورة نقدية، معدداً جملة من خصائصه، منها التمكن من علم الحديث، والإحاطة بالتراث الروائي لدى الشيعة وأهل السنة، ونقد المصادر، والعمل على تنقية تاريخ أهل البيت من تأثير التاريخ الرسمي الذي صاغته أجهزة السلطة، والروايات الخاطئة غير المسندة والأساطير الشائعة.
وأوضح أن العلامة العاملي كان يمتلك منهجاً وأسساً واضحة، تمثلت في اعتماد المقاربة الاجتهادية في البحث التاريخي، وتوظيف التاريخ للدفاع عن الأسس العقائدية للتشيع، إلى جانب سعة التتبع والاستقصاء، والتقييم الدقيق والشامل وفق مباني أهل البيت (ع)، والتحليل الواعي لجذور الأحداث وأسبابها.
الدفاع عن أهل البيت بمنهج اجتهادي
وأضاف أن العلامة السيد جعفر مرتضى كان يدافع عن أهل البيت (ع) وفق منهج اجتهادي، موضحاً أن البعض يظن أن الدفاع عنهم يمكن أن يتحقق بأي عبارة أو رواية، في حين أنه لم يكن يعتد بالروايات الضعيفة أو المجهولة، بل كان يرى أنها لا تخدم هذا الهدف، وإنما تمنح الأعداء والمخالفين ذرائع للطعن.
وأكد آية الله رمضاني أن العلامة العاملي كان يقدّم المصدر والسند على شهرة الرواية، ولم يكن يرى أن مجرد شهرة الرواية تمنحها الحجية في تاريخ المعصومين (ع)، بل كان يشترط أن يكون مصدرها موثوقاً. كما اعتمد التحليل الداخلي لمتون الروايات، واستخرج من مجموع معطياتها قرائن تكشف الروايات الموضوعة.
وأشار إلى أن العلامة العاملي كان يرى أن قسماً كبيراً من تاريخ صدر الإسلام والعصرين الأموي والعباسي تأثر بالأجهزة الدعائية للسلطات الحاكمة، ولذلك كان يطرح باستمرار سؤالاً أساسياً: لمصلحة من تصب هذه الرواية؟ وما الدافع وراء نقلها؟
وفي ختام كلمته، لفت آية الله رمضاني إلى أن العلامة السيد جعفر مرتضى كان مدافعاً حازماً عن ضرورة الفصل بين البحث العلمي التاريخي والخطابة والمنبر، إذ كان يؤكد أن مجال علم التاريخ والحديث ينبغي أن يبقى مستقلاً عن الخطابة والمجالس التبليغية. وشدد على ضرورة الدفاع عن النبي الأكرم (ص) ومقام عصمته من خلال بحث عميق واجتهادي، يستند إلى أصول منهجية لم تحظَ بالاهتمام الكافي في الدراسات التاريخية.
......
انتهى/ 278
تعليقك