7 نوفمبر 2026 - 20:09
مسلمو سريلانكا.. كيف يجمعون بين الهوية والمواطنة؟

يعيش المسلم في سريلانكا في البلد الذي ولد فيه، ويتحدث لغة أهله، ويدرس في مدارسه، ويعمل في مؤسساته. ويفرح بما يتحقق فيه من تقدم، ويتأثر بما يواجهه من أزمات. ومع ذلك، حين يناقش موقع المسلمين في المجتمع، يتركز الحديث غالبا على حماية الأقلية، والمحافظة على هويتها، وضمان حقوقها الدينية.

 وفقا لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء ــ أبنا ــ هذه مطالب مهمة، لكن حياة المسلمين أوسع من ذلك. فهم يحتاجون أيضا إلى تعليم جيد، ورعاية صحية مناسبة، وفرص عمل، وإدارة عادلة. وهم قادرون على المشاركة في حل مشكلات بلدهم والعمل مع بقية المواطنين من أجل مستقبل أفضل، كما أسهموا في بنائه في الماضي.

من هنا تأتي أهمية الحديث عن "فقه المواطنة"، الذي يجمع بين المحافظة على الهوية الإسلامية والمشاركة في بناء الوطن. وتساعدنا تجربة المسلمين في سريلانكا على فهم هذه الفكرة؛ فهم جزء من تاريخ البلاد ومجتمعها، ولهم فيها حقوق، وعليهم تجاهها مسؤوليات وواجبات.

الفقيه يحتاج إلى فهم النصوص الشرعية ومعرفة الواقع الذي ينزل عليه أحكامها. وقد تختلف الفتوى في بعض المسائل باختلاف الأعراف والحاجات والقدرة والظروف

لماذا ظهر فقه الأقليات المسلمة؟

ظهر فقه الأقليات في صورته المعاصرة لمعالجة الأسئلة التي تواجه المسلمين في البلدان الغربية التي لا يشكلون فيها الأغلبية. وزاد الاهتمام به مع استقرار أعداد كبيرة منهم في أوروبا وأمريكا الشمالية. فقد واجهوا أسئلة تتعلق بالصلاة والصيام، والطعام الحلال، والعمل، والمعاملات المالية، والزواج، وتربية الأبناء، والمشاركة السياسية. وكانوا يحتاجون إلى اجتهادات تراعي ظروفهم وتساعدهم على المحافظة على دينهم.

وقد أسهم علماء، من أبرزهم الدكتور طه جابر العلواني والدكتور يوسف القرضاوي، في تطوير هذا المجال. واستفادوا من القواعد الفقهية ومقاصد الشريعة وفقه المآلات لفهم المشكلات الجديدة وتقديم إجابات مناسبة لها. ولم يقتصر فقه الأقليات على التيسير في العبادات والمعاملات؛ فقد تناول أيضا المشاركة في المجتمع، والعلاقة مع الدولة، والتعاون مع غير المسلمين. ولهذا ينبغي الاعتراف بإسهامه والاستفادة مما قدمه من اجتهادات.

لكن أوضاع المسلمين تختلف من بلد إلى آخر. فالجماعة التي هاجرت حديثا إلى بلد جديد تختلف عن جماعة عاشت في وطنها قرونا طويلة. وقد تحتاج الأولى إلى معالجة مشكلات اللغة والإقامة والاستقرار، بينما تواجه الثانية أسئلة تتعلق بالتمثيل السياسي وإدارة المؤسسات والمشاركة في التنمية. ولذلك فإن وصف الجميع بأنهم "أقليات مسلمة" لا يكفي وحده لفهم واقعهم واحتياجاتهم ومسؤولياتهم.

الفقه يراعي اختلاف المكان والأشخاص والأحوال

مراعاة ظروف الناس أمر معروف في الفقه الإسلامي. فالفقيه يحتاج إلى فهم النصوص الشرعية ومعرفة الواقع الذي ينزل عليه أحكامها. وقد تختلف الفتوى في بعض المسائل باختلاف الأعراف والحاجات والقدرة والظروف. والمقصود هنا المسائل التي تقبل الاجتهاد وتتأثر بهذه العوامل. أما الأحكام الثابتة فلا تتغير لمجرد الانتقال من بلد إلى آخر. فالعبرة بما يتغير في حياة الناس، وبأثر ذلك في الحكم.

ومن أشهر أمثلة مراجعة الاجتهاد القول القديم والقول الجديد عند الإمام الشافعي. فالقول القديم يرتبط بمرحلته في العراق، والجديد بمرحلته في مصر. وقد راجع الشافعي عددا من آرائه، ولم ترجع هذه المراجعة إلى اختلاف المكان وحده؛ فقد اتصلت أيضا بما تجدد لديه من فهم للواقع وعلم بالأدلة، وبإعادة النظر في فهمها والاستدلال بها. ويبين هذا المثال أن الاجتهاد يحتاج إلى مراجعة حين تظهر أسباب علمية تدعو إلى ذلك، فلا يكفي التمسك برأي سابق من دون النظر في الأدلة والوقائع الجديدة.

وتظهر مراعاة الأحوال أيضا في أحكام المريض والصحيح، والمسافر والمقيم، والقادر والعاجز. فقد يختلف الحكم باختلاف القدرة أو لوجود عذر معتبر. ولهذا يسأل المفتي عن تفاصيل حال الشخص قبل أن يجيبه.

وهذا مهم عند النظر في حياة المسلمين في المجتمعات المختلفة. فالجماعة التي لا تملك مؤسسات أو تأثيرا تختلف مسؤولياتها عن جماعة تدير مدارس وجمعيات أو تشارك في الحكم المحلي. وحتى داخل البلد الواحد، قد تختلف الحاجات والمعطيات من منطقة إلى أخرى. لذلك يحتاج فهم واقع المسلمين إلى معرفة تاريخهم ومؤسساتهم وعلاقاتهم بالآخرين ومدى قدرتهم على المشاركة.

في سريلانكا، عاش المسلمون أجيالا طويلة، وشاركوا في التجارة والسياسة والتعليم والعمل والحياة العامة، وأسهموا في تحرير البلاد وبنائها

هل يختصر وصف "الأقلية" حياة المسلمين؟

يساعد وصف الأقلية على فهم بعض المشكلات، خاصة حين تتعرض جماعة للتمييز أو الحرمان من حقوقها. لكنه لا ينبغي أن يصبح الوصف الوحيد الذي يفهم المسلم من خلاله علاقته بوطنه. فإذا ظل ينظر إلى نفسه بوصفه فردا في جماعة تحتاج دائما إلى الحماية، فقد ينحصر اهتمامه في قضايا جماعته، وربما يشعر بأن الشؤون العامة تخص الآخرين، وأن دوره يقتصر على طلب الحماية والخدمات.

وقد يكون هذا الشعور نتيجة تجارب مؤلمة من العنف أو التمييز. لذلك لا يصح لوم الناس على خوفهم من دون النظر في أسبابه. فالدعوة إلى المشاركة تحتاج إلى بيئة آمنة، وقوانين عادلة، ومؤسسات تحمي الجميع.

وفي سريلانكا، عاش المسلمون أجيالا طويلة، وشاركوا في التجارة والسياسة والتعليم والعمل والحياة العامة، وأسهموا في تحرير البلاد وبنائها. وتربطهم ببقية المواطنين اللغة والجوار والمصالح المشتركة. فهم جزء من المجتمع، ومستقبلهم مرتبط بمستقبله.

وقد عرفوا أيضا التهجير والعنف والتمييز في مراحل مختلفة. وتؤكد هذه التجارب أهمية حماية حقوقهم، والحاجة إلى مؤسسات عادلة تمنع وقوع الظلم على أي جماعة. ومع أهمية هذا التاريخ، فإن حقوق المواطنة لا تتوقف على قدم الوجود في البلد؛ فالمواطن يستحق الحماية والمساواة، سواء عاش أجداده فيه قرونا أم حصل على جنسيته حديثا.

المقصود بفقه المواطنة

فقه المواطنة اجتهاد في فهم علاقة المسلم بوطنه ودولته وبقية المواطنين، في ضوء قيم الإسلام، مثل العدل والأمانة والكرامة والتعاون على الخير. وفي هذا الفهم، تعني المواطنة أن يكون للإنسان حق في الحماية وحرية الاعتقاد والمشاركة، وأن يتحمل أيضا مسؤولية احترام حقوق الآخرين والمحافظة على المصالح المشتركة. فالمسلم يهتم بحرية العبادة وحماية المساجد، ويهتم كذلك بعدالة المحاكم وجودة المدارس ونزاهة المسؤولين وحسن استخدام المال العام. وهذه القضايا تؤثر في حياته وحياة أبنائه كما تؤثر في غيره.

ويجد هذا الاهتمام أساسه في القيم الإسلامية. يقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]. فالعدل مطلوب حتى مع من نختلف معهم، ولا يجوز أن يتغير موقفنا من الظلم بحسب هوية المظلوم. ولهذا، فإن الدفاع عن حق مواطن غير مسلم قد يكون عملا يعبر عن الالتزام بالدين، وكذلك المشاركة في مكافحة الفساد ومساعدة المحتاجين وحماية البيئة وتحسين التعليم.

لكن الحقوق ليست مكافأة على هذه الأعمال. فالمواطن يستحق حقوقه، ولا يطلب منه أن يثبت ولاءه في كل مناسبة حتى يحصل عليها. وإذا قصر في واجب، فإنه يحاسب وفق القانون مثل غيره.

اختلاف المذاهب والآراء يحتاج إلى الحوار والاحترام وتجنب الإقصاء. والجماعة التي تتعلم التعامل بإنصاف مع اختلافاتها الداخلية تكون أقدر على التعاون مع غيرها

هل تتعارض الهوية الإسلامية مع الانتماء الوطني؟

قد يشعر بعض الناس بأن المحافظة على الدين تتطلب الابتعاد عن المجتمع، أو بأن المشاركة فيه تستلزم التنازل عن بعض المعتقدات. لكن المسلم يستطيع أن يحافظ على دينه وأن يكون مواطنا مسؤولا في الوقت نفسه. فالتعاون على تحسين مدرسة أو دعم مستشفى لا يحتاج إلى اتفاق ديني. ويمكن للمسلم والبوذي والهندوسي والمسيحي أن يتعاونوا في هذه المجالات، مع احتفاظ كل منهم بعقيدته.

كما يمكن للقيم الدينية أن تدعم هذا التعاون. فالأمانة تدعو إلى إتقان العمل، والرحمة تدعو إلى مساعدة المحتاج، والعدل يدعو إلى احترام حقوق الناس. ويظهر احترام الآخرين في المواقف اليومية: في التعامل العادل، ورفض الإهانة والتحريض، واحترام دور العبادة، وعدم حرمان أحد من فرصة يستحقها بسبب دينه.

وهذا مهم داخل المجتمع المسلم أيضا. فاختلاف المذاهب والآراء يحتاج إلى الحوار والاحترام وتجنب الإقصاء. والجماعة التي تتعلم التعامل بإنصاف مع اختلافاتها الداخلية تكون أقدر على التعاون مع غيرها.

مسلمو سريلانكا: أقلية في الدولة وأغلبية في بعض المناطق

من الجوانب المهمة في التجربة السريلانكية أن المسلمين أقلية على مستوى البلاد، لكنهم يشكلون أغلبية في بعض البلدات والمناطق. وهذا يعني أن موقعهم يختلف من مكان إلى آخر. فالمسلم الذي يطالب بالعدل على مستوى الدولة قد يكون مسؤولا عن تحقيقه في منطقته أو مؤسسته. فإذا تولى إدارة محلية، فعليه أن يضمن وصول الخدمات إلى الجميع. وإذا أدار مدرسة أو جمعية، فعليه أن يتعامل بإنصاف مع المستفيدين منها.

وهنا يظهر صدق المطالبة بالمساواة. فمن يرفض التمييز حين يقع عليه ينبغي أن يرفضه حين يستفيد منه. فالعدل لا يتغير بتغير موقع الإنسان من القوة أو الضعف.

وتحتاج سريلانكا أيضا إلى معالجة آثار الحرب والعنف بين الجماعات. فقد عانى المسلمون وغيرهم من التهجير وفقدان الأمن، وترك ذلك مشكلات ما زالت تؤثر في العلاقات الاجتماعية. وتتطلب المصالحة الاعتراف بهذه المعاناة والعمل على إنصاف المتضررين. فلا يكفي أن نطلب من الناس نسيان الماضي، بل ينبغي معالجة آثاره، ومنع تكرار الاعتداءات، وبناء الثقة في مؤسسات الدولة.

من حقوق المواطن أن ينتقد السياسات، ويعترض سلميا على القوانين المجحفة، ويطالب بمحاسبة المسؤولين. فالحرص على الوطن قد يظهر في المطالبة بإصلاح أخطائه

مشاركة سياسية تهتم بقضايا الجميع

من حق المسلمين أن يكون لهم تمثيل سياسي يدافع عن حقوقهم وينقل مطالبهم. لكن هذا التمثيل ينبغي أن يهتم أيضا بالمشكلات العامة التي تواجه البلاد. فالأسرة المسلمة تعاني من ارتفاع الأسعار وضعف الخدمات الصحية وقلة فرص العمل، مثل بقية الأسر. ولذلك تحتاج إلى ممثلين يعملون على معالجة هذه القضايا، إلى جانب اهتمامهم بالحقوق الدينية.

وينبغي أن نقيم المسؤول على أساس نزاهته وكفاءته وعدله، ومدى التزامه بخدمة الناس. فالانتماء الديني وحده لا يضمن حسن الإدارة أو الأمانة. كما يمكن للمسلمين المشاركة من خلال النقابات والجمعيات المهنية والمبادرات المدنية، والتعاون مع الآخرين في برامج واضحة، مثل تحسين التعليم أو مكافحة الفساد أو دعم المناطق الفقيرة.

وتبدأ المساءلة أيضا من المؤسسات القريبة منهم. فالمساجد والأوقاف والجمعيات والمدارس تحتاج إلى إدارة شفافة، وحسابات واضحة، وحسن استخدام للتبرعات، وفرص لمشاركة النساء والشباب وأصحاب الخبرة.

كيف نطبق فقه المواطنة في الواقع المحلي؟

يبدأ هذا الوعي من الأسرة والمدرسة والخطاب الديني. فالطفل يحتاج إلى تعلم دينه، ومعرفة تاريخ بلده، وفهم حقوقه وواجباته، واحترام من يختلف معهم. ويمكن للخطب والدروس أن تربط القيم الإسلامية بالحياة اليومية. فعند الحديث عن الأمانة، يمكن تناول المال العام وممتلكات المدرسة ومكان العمل. وعند الحديث عن العدل، يمكن مناقشة المحاباة والتمييز. وعند الحديث عن الجار، ينبغي أن تشمل الأمثلة الجار المسلم وغير المسلم.

وتستطيع المؤسسات الخيرية أن تسهم في مشروعات تخدم المجتمع، مع مراعاة الأحكام الخاصة بأموال الزكاة والأوقاف والتبرعات. ويمكن أن تشمل هذه المشروعات التعليم والصحة والإغاثة والتدريب المهني.

تبقى حماية حقوق الأقليات ضرورة، وتبقى الحاجة إلى الاجتهاد في المسائل الدينية التي تواجهها

وتساعد الأعمال المشتركة على بناء الثقة. فعندما يتعاون سكان حي على تنظيفه أو دعم مدرسته أو مساعدة المتضررين فيه، يتعرف بعضهم إلى بعض من خلال العمل المباشر، ويكتسبون خبرة في التعاون يمكنهم البناء عليها وقت الأزمات. لكن هذه المسؤولية لا تقع على المسلمين وحدهم. فعلى الدولة أن تصون المساواة، وتواجه التحريض، وتتيح لجميع المواطنين فرصة المشاركة. كما ينبغي للأغلبية أن تتعامل مع الأقليات بوصفها شريكة في اتخاذ القرار وتحديد مصالح الوطن.

ومن حقوق المواطن أيضا أن ينتقد السياسات، ويعترض سلميا على القوانين المجحفة، ويطالب بمحاسبة المسؤولين. فالحرص على الوطن قد يظهر في المطالبة بإصلاح أخطائه.

وطن لنا جميعا

تبقى حماية حقوق الأقليات ضرورة، وتبقى الحاجة إلى الاجتهاد في المسائل الدينية التي تواجهها. ويضيف فقه المواطنة إلى ذلك اهتماما أوسع بالمشاركة والعدل والمسؤولية العامة. وتوضح التجربة السريلانكية أن قلة العدد لا تنتقص من حق الإنسان في وطنه، ولا تمنعه من الإسهام في تقدمه. فالمسلم يستطيع أن يحافظ على هويته، ويدافع عن حقوقه، ويتعاون مع الآخرين لخدمة المجتمع.

وهذا هو الوعي الذي نحتاج إلى تنميته: أن يشعر المسلم بأن مشكلات بلده تخصه، وأن نجاحه يفرحه، وأن إصلاحه يحتاج إلى جهده. فيقول بثقة: هذا وطننا، لنا فيه حقوق، وعلينا تجاهه مسؤوليات، ومستقبله نصنعه معا.

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha