19 أكتوبر 2026 - 18:09
كوب من الشاي مع المسلمين في سويسرا

تُظهر الإحصاءات الرسمية، والأبحاث التاريخية، والدراسات الأكاديمية أن فهم هذا المجتمع يتطلب تجاوز مجرد النظر إلى الأرقام السكانية، ليشمل بدلاً من ذلك دراسة قضايا الهجرة، والتنوع العرقي والديني، والمؤسسات الإسلامية، والاعتراف القانوني، وتجارب التعرض للتمييز الديني.

وفقا لما أفادته وکالة أنباء أهل البيت (ع) الدولية - ابنا - وفقاً للمكتب الفيدرالي السويسري للإحصاء، كان حوالي 6% من السكان المشمولين في إحصاءاته الدينية ينتمون إلى مجتمعات مسلمة في عام 2024.

تُعد سويسرا حالة فريدة فيما يتعلق بالعلاقة بين الإسلام والدولة. فبينما يكفل الدستور الفيدرالي للبلاد حرية المعتقد، فإن الاستفتاء الذي أُجري عام 2009 وحظر بناء المآذن، إلى جانب الأبحاث الحديثة حول العنصرية ضد المسلمين، تُظهر أن مكانة الإسلام في الحياة العامة لا تزال موضوعاً للجدل السياسي والبحث الأكاديمي.

من 16 ألف مسلم إلى مجتمع يمثل 6% من السكان

بحسب "القاموس التاريخي لسويسرا" (في مادة عن الإسلام بقلم صامويل م. بهلول)، شهد عدد المسلمين نمواً ملحوظاً خلال النصف الثاني من القرن العشرين.

في عام 1970، بلغ عدد المسلمين في سويسرا 16,353 شخصاً، ثم ارتفع هذا الرقم إلى 56,625 في عام 1980، وإلى 152,217 في عام 1990. وبحلول تعداد عام 2000، سُجّل وجود أكثر من 320,000 مسلم في البلاد، ينحدرون من 105 دول مختلفة.

وقد ارتبط هذا النمو بشكل رئيسي بهجرة العمالة التي بدأت في ستينيات القرن العشرين، تلاها وصول اللاجئين وطالبي اللجوء في العقود اللاحقة. ومع مرور الوقت، استقرت عائلات المهاجرين في سويسرا، مما حوّل المجتمع المسلم من مجموعة تتألف في المقام الأول من عمال مهاجرين إلى مجتمع يضم أيضاً أجيالاً وُلدت أو نشأت داخل البلاد.

وتشير البيانات التاريخية إلى أنه في عام 2000، كان نحو 58% من مسلمي سويسرا ينحدرون من دول يوغوسلافيا السابقة - لا سيما من المناطق الناطقة بالألبانية في كوسوفو ومقدونيا، بالإضافة إلى البوسنيين - بينما كان حوالي 21% منهم من أصول تركية. كما شمل هذا المجتمع مسلمين من دول أخرى، إلى جانب أفراد حصلوا على الجنسية السويسرية.

ويُعد هذا التنوع عنصراً مهماً لفهم تطور هذا المجتمع؛ إذ لا يمكن وصف المسلمين في سويسرا ببساطة بأنهم مجموعة ناطقة بالعربية أو ذات أصول تركية فحسب. فقد أثرت خلفياتهم اللغوية والعرقية والثقافية المتنوعة على طبيعة تطور المساجد والجمعيات الإسلامية والمنظمات الممثلة لهم. ومع ذلك، لا ينبغي اعتبار الأرقام التي تعود لعام 2000 وصفاً للواقع الحالي لهذا المجتمع؛ إذ تشير بيانات أحدث صادرة عن المكتب الفيدرالي للإحصاء إلى أن نسبة المسلمين -ضمن الفئة التي تغطيها الإحصاءات- بلغت حوالي 6% في عام 2024.

المساجد الأولى وتطور المؤسسات الإسلامية

لا يقتصر تاريخ الإسلام في سويسرا على موجات الهجرة التي شهدتها العقود الأخيرة؛ فـ "القاموس التاريخي لسويسرا" يشير إلى أدلة على وجود صلات بين المسلمين ومناطق تقع ضمن سويسرا الحالية تعود إلى القرن العاشر. ومع ذلك، لا تُعد هذه الأدلة دليلاً قاطعاً على وجود مجتمع إسلامي في تلك الحقبة.

وفي العصر الحديث، تزامن ترسيخ الوجود الإسلامي مع تأسيس دور للعبادة وإنشاء جمعيات إسلامية.

ويذكر القاموس التاريخي أن مسجد "المحمود" في زيورخ، الذي افتُتح عام 1963، يُعد واحداً من أوائل المساجد المعترف بها في البلاد، كما افتُتح مسجد آخر في جنيف عام 1978.

ومع تزايد أعداد المسلمين، ظهرت جمعيات إسلامية في مختلف المناطق. وقد حافظت العديد من هذه الجمعيات على روابط لغوية وثقافية مع بلدان أصل أعضائها. وفي الوقت ذاته، بدأت تتبلور منظمات تهدف إلى تنسيق الأنشطة بين هذه الجمعيات وتمثيل مصالح المسلمين أمام المؤسسات العامة.

ومن بين هذه المنظمات "اتحاد المنظمات الإسلامية في سويسرا" (FIDS)، الذي تأسس عام 2006. ولا يعني وجود هذا الاتحاد أن جميع المسلمين في سويسرا ينتمون إلى منظمة واحدة، أو أنهم يتبنون الرؤى الدينية والاجتماعية ذاتها.

كما يوثق القاموس التاريخي جهود الجمعيات الإسلامية الرامية إلى بناء بنية تحتية دينية، وتوفير التعليم الإسلامي، وتجهيز أماكن للدفن تتوافق مع الممارسات الإسلامية، والسعي للحصول على اعتراف قانوني رسمي أكبر.

الحرية الدينية والاختلافات بين الكانتونات

تكفل المادة 15 من الدستور الفيدرالي السويسري حرية الدين والضمير؛ إذ تقر بحق الأفراد في اختيار دينهم بحرية، والتعبير عن معتقداتهم بشكل فردي أو جماعي، والانضمام إلى مجتمعات دينية، والمشاركة في التعليم الديني.

غير أن العلاقة القانونية بين الدولة والمجتمعات الدينية لا تُحدد على المستوى الفيدرالي فحسب؛ فوفقاً لمعهد القانون والدين بجامعة فريبورغ، تقع المسؤولية الأساسية عن تنظيم هذه العلاقات على عاتق الكانتونات. وبناءً على ذلك، تختلف متطلبات الاعتراف العام أو القانوني بالجماعات الدينية من منطقة إلى أخرى في البلاد.

ونتيجة لذلك، قد يختلف الوضع القانوني لجماعة إسلامية في إحدى المقاطعات (الكانتونات) عنه في مقاطعة أخرى. ويمكن أن يحمل الاعتراف الرسمي دلالة رمزية، فضلاً عن ترتبه على عواقب عملية فيما يتعلق بالعلاقات المؤسسية والقانونية مع الدولة؛ علماً بأن المتطلبات المحددة وآثار هذا الاعتراف تعتمد على قوانين المقاطعة المعنية.

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha