وفقا لما أفادته وكالة أنباء أهل البيت (ع) الدولية ــ إحياءً لذكرى مولد النبي الكريم (ص)، أودّ أن أتأمل في الوحي باعتباره نافذةً على حقيقة خاصة، وأن هذه الرسالة، وهذا النهج، وهذا الأسلوب في الحياة، يدور في جوهره حول هذه الحقيقة، وسط العديد من الوقائع الزائفة.
في جوهرها، تدور هذه الرسالة حول الحقيقة المطلقة في مقابل الواقع الزائف، وإنها تتعلق بنوع خاص من الإدراك.
يتحدث القرآن الكريم عن هذا الأمر تحديدا؛ عن الذين يُبصرون والذين لا يُبصرون؛ عن الذين يعلمون والذين لا يعلمون." وَ ما یَسْتَوِی الْأَعْمی وَ الْبَصِیرُ* وَ لَا الظُّلُماتُ وَ لَا النُّورُ* وَ لَا الظِّلُّ وَ لَا الْحَرُورُ* وَ ما یَسْتَوِی الْأَحْیاءُ وَ لَا الْأَمْواتُ" (فاطر/ ١٩).
لطالما أنشأت البشرية مجتمعات علمانية، ولطالما کان هناك مُلحدون، ولكن مع الانفجار السكاني الذي تجاوز ستة مليارات نسمة، وانتشار التصنيع، وقبل كل شيء، الرأسمالية، أدى هذا الإجماع الضمني لدى غالبية البشرية على أن تكريس المرء نفسه فقط للسعي وراء المكاسب الدنيوية أمر جيد ومقبول، بما أدی إلى خلق نوع من الواقع الزائف؛ واقع يعتبره الكثيرون أمرا مفروغا منه.
عندما قام النبي (ص) بالإعلان عن رسالة الوحي، كان هو نفسه بوابة إلى العوالم التي نزل منها، لقد تحدث الوحي عن حقيقة سامية لا تُتصور، حقيقة دقيقة وخفية لا تُرى، ولكنها في الوقت نفسه القوة والقدرة اللتين خلقتا ظاهرة الحياة نفسها؛ وحركة الحياة وتطورها، والتيارات التي تجري فيها وتُشكل مصير كل إنسان.
كما تحدث الوحي عن عوالم غير مادية تتجاوز هذا العالم عوالم يجب أن يُنقل من خلالها نور الحقيقة إلى قلب الإنسان. وتحدث أيضا عن سكان تلك العوالم من الملائكة، وأرواح الأنبياء (ع) والأئمة (ع) الذين يعملون كـ مرشدين في الوحي.
من هذا المنطلق كان النبي (ص) دليلاً على أن التاريخ ليس مجرد زمن خطي، أي لحظات تتوالى تباعاً؛ بل أن الإنسان خلافا للاعتقاد السائد، لا يعيش فقط في التاريخ الذي يجري على هذا المستوى من الزمان والمكان، بل يعيش أيضاً في مستويات أعلى من الزمان والمكان.
إن الوحي والنبوة والولاية، التي اكتملت مع إمام عصرنا (عج)، كلها تشير إلى مستوى من الزمان والمكان يتجاوز هذا المستوى؛ حيث تحدث أحداث روحية، وتتجلى أحياناً على هذا المستوى، هذا ما أُرسل النبي (ص) ليُبشّرنا به.
"ريبيكا ماسترتون" الأستاذة الجامعية، الباحثة، المتخصصة في الفلسفة الشيعية، ومديرة مركز الدراسات الثقافية والشيعية في لندن
.....................
انتهى / 323
تعليقك