وفقا لما أفادته وكالة أنباء أهل البيت (ع) الدولية ــ أبنا ــ عقد العلّامة السيّد علي فضل الله لقاءً حواريًا في المركز الإسلامي الثقافي في حارة حريك، بعنوان «مدرسة عليّ (ع) في الحكم وممارسة السّلطة»، أجاب خلاله على عدد من الأسئلة والاستفسارات المتعلّقة بآخر المستجدّات في لبنان والمنطقة.
وفي مستهلّ اللقاء، أكّد سماحته أنّ تجربة الإمام عليّ (ع) في الحكم، رغم ما اعتراها من جراح ومناكفات وتحدّيات، كانت تجربةً كافية لتؤسّس وتبني مدرسةً عظيمة في الحكم الرشيد، لا بدّ من الوقوف عند مفاصلها واستعادتها اليوم، أكثر من أيّ وقت مضى مشيرا إلى أنّ الإمام عليّ (ع) حدّد بوضوح شخصيّة الحاكم في الإسلام، في تعامله مع الرعيّة، وأهمية أن يكون محصنا أخلاقيا وروحيا في مواجهة فتنة المال والفساد.
وأوضح أنّ مدرسة عليّ (ع) تُبرز نموذج الحاكم النزيه الذي لا يحابي أحدًا، ولا يميّز بين الناس، ولا يخضع لأيّ اعتبارات تجعله يفضّل هذا على ذاك، ولو كان من المقرّبين منه. ويتمتّع بحساسيّة مطلقة تجاه الظّلم
وأضاف سماحته: عندما نتأمّل تجربة عليّ (ع) في الحكم، نجد أنّ الدّرس الأهمّ والجوهريّ فيها هو أنّ شخصيّته لم يطرأ عليها أيّ تغيير، في صفاته أو في تعامله مع الحياة والناس، قبل الخلافة وبعدها. فعليّ الخليفة هو نفسه عليّ ما قبل الخلافة، لم يتبدّل ولم يتجزّأ، لأنّ الحكم لم يكن هدفًا له، بل وسيلة لإحقاق الحقّ وإقامة العدل. وعظمة عليّ (ع) لا تختصر في مواقف مميّزة من حياته، بل تتجلّى في وحدة شخصيّته وثباتها على القيم والمبادئ.
وفي حديثه عن أسلوب التّعامل مع الحاكم والمسؤول، شدّد سماحته على أنّ الإمام عليّ (ع) أراد أن يعلّمنا الجرأة في نقد الحاكم والمسؤول، أيًّا كان موقعه دينيًّا أو اجتماعيًّا أو سياسيًّا، وعدم مجاملته أو السّكوت عن أخطائه طمعًا أو رهبة، مهما علا شأنه. كما أراد للحاكم والمسؤول ألّا يرى نفسه فوق النّقد، وأن يُحسن الإصغاء لمن ينتقده. وأكّد في هذا السّياق حاجتنا الملحّة اليوم إلى تعزيز ثقافة النّقد البنّاء الهادف إلى الإصلاح والتّطوير، لا النّقد الهدّام الذي يُمارَس بدافع تسجيل النّقاط أو الإساءة والتشهير.
وأشار سماحته إلى أنّ الإمام عليّ (ع) قدّم لنا المثل والنّموذج في قدرة الإسلام على الارتقاء بالحياة إلى أعلى قيم الإنسانيّة والعدالة. وإذا كانت هناك تجارب فاشلة قُدِّمت باسم الإسلام، فإنّ فشلها لم يكن ناتجًا عن عجز الإسلام عن تقديم نموذج حكم صالح، بل عن سوء التّطبيق، أو سوء الفهم، أو السّقوط في أسر الهوى والسّلطة. ومن هنا، فإنّ الإخلاص لعليّ (ع) هو الإخلاص للحقّ، والوقوف إلى جانب العدل، حتّى لو كان ذلك على حساب مصالحنا الآنيّة.
وفي ردّه على سؤال حول إمكانيّة توحّد السّنّة والشّيعة، أكّد سماحته أنّ الوحدة تُعدّ من أهمّ عناصر حماية الأمّة، وهي واجب شرعيّ يجب السّعي لتحقيقه رغم كلّ الحواجز والموانع التي يضعها أعداء الأمّة مشددا على أنّ الوحدة لا تعني الذوبان، بل تقوم على التأكيد على المشتركات وتعزيزها، والحوار الهادئ في القضايا الخلافيّة معتبرا أنّ وحدتنا تشكّل السّلاح الأقوى في مواجهة المشاريع التي تسعى إلى تقسيم منطقتنا وتمزيقها، عبر رسم خرائط جديدة تكون على حساب مصالح شعوبنا وأوطاننا.
ودعا سماحته الدّول العربيّة والإسلاميّة إلى مزيد من الوعي لما يُحاك ضدّها، وإلى الإسراع في توحيد جهودها والتّكاتف فيما بينها، ونبذ خلافاتها وحروبها، لمواجهة التحدّيات التي تتهدّدها، وهي تمتلك من الثّروات والإمكانات والنّفوذ ما يؤهّلها لتكون قوّةً فاعلة ومؤثّرة، وقادرة على توفير شبكة أمان للمنطقة، نحن في أمسّ الحاجة إليها.
واستغرب سماحته ما يشهد العالم من قيام بعض الدول بضرب الحائط لكل القوانين الدولية وكل ذلك من أجل السيطرة على مقدرات هذا البلد أو ذاك..
وفي ما يتعلّق بالسّجالات الدّائرة على السّاحة، أستنكر سماحته التعرض أو الإساءة لأي رمز ديني أو روحي تحت حجة حرية النقد والتعبير من جهة ثانية اعتبر أنّه لا يوجد أشخاص معصومون عن الخطأ، غير أنّ المشكلة تكمن في استغلال بعض الأخطاء لتعميمها، أو للنيل من فئة معيّنة، أو للتشهير والإساءة، بدوافع وحسابات خاصّة، لا بهدف تصويب المسار أو إحقاق الحقّ والعدالة.
وفي الإجابة عن سؤال حول كيفيّة حماية الوطن، أشار سماحته إلى أنّنا نمرّ بمرحلة دقيقة وصعبة تتطلّب من الجميع توحيد عناصر القوّة في هذا الوطن، وفي مقدّمتها الوحدة الداخليّة، كي نتمكّن من مواجهة ما يُحاك لنا بأرضيّة ثابتة، لا بأبواب مشرّعة لكلّ الرّياح، وأن نقف سدًّا منيعًا في وجه كلّ من يسعى إلى التّفرقة والانقسام، خدمةً لغايات وأوهام غير قابلة للتحقّق
....................
انتهى / 323
تعليقك