20 أغسطس 2014 - 06:54
هكذا اصبحت الحياة في الموصل بعد إستيلاء داعش عليها

منذ أشهر تعيش الموصل وعدد من المدن والبلدات العراقية حياة مختلفة عما كانت عليه قبل سقوطها في قبضة تنظيم «داعش» وقبل أن تصبح تابعة للخلافة الداعشية.

ابنا: تنتشر الأعلام والرايات السود في كل مكان. حتى جدران البيوت والفنادق والمؤسسات والمراكز العسكرية والسيارات طليت باللون الأسود.

يروي سالم، أحد سكان الموصل، كيف دخل عناصر التنظيم في العاشر من حزيران (يونيو) الماضي المدينة بالآلاف، ملثمي الوجوه، يحملون السلاح، وانتشروا في كل الطرقات.

طالب التنظيم كل من له علاقة بالحكمة العراقية، سواء كان جندياً أو يعمل في إحدى دوائر الدولة، بالتوجه إلى المسجد أو أحد المراكز لإعلان توبته.

تجمع الناس ورددوا كما طلب أحد مشايخ «داعش» بصوت واحد: «إني أبرأ إلى الله من هذا العمل الكفري الذي كنت فيه، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله».

يروي أحد الشبان كيف قبض عناصر داعش على ضابط يعمل في مديرية الاستخبارات العراقية ولم يعلن توبته. أمره أفراد «داعش» أن يحفر قبره بيديه، ثم أطلقوا النار عليه وأردوه قتيلاً.

ويسيّر التنظيم دوريات تطالب الناس بأن يزيلوا كل الأعلام فلا راية تعلو سوى «راية التوحيد». يقف عدد من عناصر «داعش» أمام الناس، يخطب أحدهم محاولاً طمأنتهم، فيقول: «نحن أخوانكم، جئنا من بلاد شتى لنصرتكم، وإزالة الكفر، وتحطيم الشرك، وإرساء الدين في المجتمع».

يتحدث سالم، عن «مجموعات الحسبة» وكيف تتنقل بين المحال والبيوت، إذ يقع على عاتقها توعية الناس، ومراقبة مدى تطبيقهم الدين، وترصد كل من يخالف تعاليم الشريعة .

طالب «داعش» الجميع بعدم التدخين، وصادر الأراجيل، وأقفل محال التبغ وحذر كل من يرصد متورطاً بفعل هذه المعصية.

كما منع الأطباء المتخصصين في علاج الأمراض النسائية من مزاولة أعمالهم، لعدم جواز لمس الرجل المرأة أو النظر إلى عورتها، فبات لزاماً على النساء مراجعة الطبيبات فقط، الأمر الذي يؤدي إلى ازدحام كبير أمام العيادات، فعدد الممرضات قليل ولا يفي بالغرض.

يحكي سالم، عن ورقة وزعها التنظيم على أصحاب محال بيع الثياب النسائية، وتضمنت ما يلي: «يُمنع على الرجال أن يبيعوا كل ما له علاقة بالنساء من ثياب أو مستلزمات تجميل، كما يمنع بيع الثياب غير الشرعية، كالثياب الضيقة أو الشفافة».

ويُمنع أيضاً وضع أي إعلانات لها علاقة بالنساء أو مجسمات تحاكي جسد المرأة. وأغلق التنظيم كل صالونات الحلاقة النسائية، ومنع الرجال من حلق لحاهم.

وفي سبيل نشر تعاليمه، يعتمد «داعش» على إهداء الناس كتباً صغيرة يشرح فيها فكر «الدولة الإسلامية» وعقيدتها، فضلاً عن الدروس والخطب التي يلقونها في المساجد والبيوت والمراكز الدعوية.

يتحدث أبو أحمد، أحد الأشخاص الملتزمين بأداء الصلاة في المساجد منذ زمن طويل. يقول: لم نعتد هذا المشهد، باتت المساجد ممتلئة بالناس وكأننا في صلاة الجمعة، فالتنظيم فرض على أصحاب المحال التجارية إغلاقها والتوجه لأداء كل الصلوات في المساجد. وكل من يتخلف عن أداء الصلاة من غير عذر يعرّض نفسه للعقوبة، إما جلداً أو تُفرض عليه غرامة أو يغلق متجره.

أما المفاجأة التي صدمت الناس فهي إقدام عناصر التنظيم على وضع عبوات ناسفة داخل مرقد النبيين يونس وشيت وعدد من الأولياء الصالحين، إذ تعتبر هذه المعالم من الآثار التاريخية والرموز الدينية، وهي أماكن يقصدها الموصليون في أيام العيد.

يهمس رجل بصوت منخفض: كيف يجرؤ هؤلاء على انتهاك حرمات الأنبياء والأولياء؟ كيف يجرفون قبورهم ويدوسون عليها؟ يصرخ أحد عناصر التنظيم بصوت عالٍ قائلاً: «هذه معالم كفرية لا يقصدها إلا المرتدون الذين يشركون بالله ويتوسلون بالمخلوقات».

يقلّب أحد الشيوخ الكبار يديه قائلاً: «لا حول ولا قوة إلا بالله، هل عشنا كل هذه الحياة على الكفر! هل أتى هؤلاء ليعلّمونا ديناً جديداً! هل كل علمائنا لا يفقهون الدين!، هل إقامة الدين تبدأ بهدم مراقد ومقامات الصالحين أم بتحرير الناس من الجهل والظلم والفقر»؟.

حالة من الصدمة الثقافية يعيشها أبناء العراق، فـ«داعش» يعتدي على هويتهم الفكرية، ويقوم بتصفية جزء من موروثهم التاريخي .

في الأول من رمضان أعلن التنظيم دولة الخلافة، سارع عدد من عناصره الذين قصدوا العراق وبلاد الشام من دول خليجية ودول آسيا الوسطى إلى بعض الساحات، ومزقوا جوازات سفرهم وهوياتهم الشخصية وأحرقوها، معلنين تبرؤهم من «دول الطواغيت»، وعدم الاعتراف بحدود سايكس بيكو، مؤكدين مبايعتهم لـ «الخليفة» إبراهيم عواد إبراهيم البدري، المعروف بأبي بكر البغدادي الارهابي الخطير.

أتى العيد على أهل الموصل، لكن الوجوه تغيرت والأحوال تبدلت. يحزن أبو ثائر، كثيراً على جاره المسيحي أبي وسيم. «منذ نحو عشرين عاماً اعتاد وزوجته أن يأتيا كل عيد لمعايدتنا. كان أولاده يلعبون مع أولادنا وكأن العيد لهم أيضاً. وكنا نحن نبارك لعائلته في أعيادهم، ونأكل اللحم معهم، ونسهر معاً ليلة رأس السنة. بصراحة لا أشعر بطعم العيد، والأولاد أيضاً يفتقدون أصدقاءهم المسيحيين لكي يلهوا معهم».

ويقول أبو ثائر: إن «داعش» غيّر نظام حياتنا، منذ ولدنا ونحن معتادون على زيارة المقابر في الأعياد، لكنا فوجئنا هذا العيد بانتشار بعض أفراد تنظيم الدولة أمام المقابر، وأجبروا الناس على العودة إلى منازلهم، باعتبار أن هذه العادة بدعة سيئة كما يقولون ويجب التخلص منها.

...................

انتهى / 232

سمات