6 فبراير 2014 - 20:30
«السيد فضل الله»: ندعو إلى الإسراع بالحوار في سوريا والسعي لإنجاحه

قال رجل الدين اللبناني «السيد فضل الله» في خطبة صلاة الجمعة حول الأوضاع السورية "في الوقت الّذي ندعو إلى الإسراع بالحوار، والسّعي لإنجاحه، بدلاً من تسعير المعارك الّتي لن تنتج سوى المزيد من الدّمار والخراب، ننظر بإيجابيّة إلى المبادرة الإنسانيّة الّتي حصلت في حمص، ونراها منطلقاً لمبادرات أخرى".

وفقاً لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء ـ ابنا ـ ألقى رجل الدين اللبناني «العلامة السيد علي فضل الله» خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد "الإمامين الحسنين(ع)" في "حارة حريك"، بحضور عددٍ من الشخصيات العلمائية والسياسية والاجتماعية، وحشدٍ من المؤمنين.

وقال السيد فضل الله حول الأوضاع السورية "في الوقت الّذي ندعو إلى الإسراع بالحوار، والسّعي لإنجاحه، بدلاً من تسعير المعارك الّتي لن تنتج سوى المزيد من الدّمار والخراب، ننظر بإيجابيّة إلى المبادرة الإنسانيّة الّتي حصلت في حمص، ونراها منطلقاً لمبادرات أخرى".

وأضاف "في الوقت نفسه، ندعو الشّعب العراقيّ بكلّ مكوّناته، إلى الوقوف صفّاً واحداً في مواجهة الإرهاب الّذي يعتبر مشكلة للعراقيّين جميعاً، ليستعيد العراق عافيته ودوره، ويتخفّف من ثقل الآلام الّتي يحملها يوميّاً".

وأكد "إنّنا لا نرى أنّ الحلّ العسكريّ يكفي لخروج العراق من أزمته، بل لا بدّ من مبادرة سياسيّة تزيل الهواجس الّتي تعيشها مكوّنات هذا الشّعب، ويشعر معها الجميع بأنّهم مواطنون من درجة واحدة".

وفيما يلي نص الخطبة الثانية لسماحته:

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بتقوى الله، فهي زادنا في كلّ الظّروف. ولنحرص في ذكرى ولادة الإمام الحسن العسكري(ع)، الّتي تمرّ علينا في الثّامن من شهر ربيع الآخر، وفي رواية، في العاشر منه، على الالتزام بما أوصى به شيعته، عندما قال لهم: "أوصيكم بتقوى الله، والورع في دينكم، والاجتهاد لله، وصدق الحديث، وأداء الأمانة إلى من ائتمنكم من برّ أو فاجر، وطول السّجود، وحسن الجوار، فبهذا جاء محمد(ص). صلّوا في عشائرهم، واشهدوا جنائزهم، وعودوا مرضاهم، وأدّوا حقوقهم، فإنّ الرّجل منكم إذا ورع في دينه، وصدق في حديثه، وأدّى الأمانة، وحَسُن خلقه من النّاس، قيل: هذا شيعي، فيسرّني ذلك. اتّقوا الله، وكونوا زيناً ولا تكونوا شيناً. جرّوا إلينا كلّ مودّة، وادفعوا عنّا كلّ قبيح. أكثروا ذكر الله، وذكر الموت، وتلاوة القرآن، والصّلاة على النبيّ(ص). إنّكم في آجال منقوصة، وأيّام معدودة، والموت يأتي بغتة. من يزرع خيراً يحصد غبطة، ومن يزرع شرّاً يحصد ندامة. لكلّ زارع ما زرع. احفظوا ما وصيّتكم به، وأستودعكم الله، وأقرأ عليكم السّلام".

من خلال هذه الكلمات، حدَّد الإمام العسكريّ لنا المعايير الّتي تؤكّد صدق انتمائنا إلى أهل البيت(ع)، فلا تكفي الموالد الّتي نقيمها في ذكرى ولادتهم، والدّموع الّتي نذرفها في ذكرى وفاتهم، وزيارة مقاماتهم، بل لا بدَّ لنا من الالتزام بالقيم الّتي أرادوها أن تكون الأساس في حركتنا في المجتمع، حتّى نكون أكثر صدقاً وأمانة وأخلاقاً وورعاً وانفتاحاً...

بهذا السّلوك، استطاع الإمام العسكريّ أن يفتح قلوب أعدائه عليه، لا محبّيه فقط. وبهذا السّلوك، نعمّق حبّه وحبّ أهل البيت(ع) في قلوب النّاس، ونعالج الكثير من توتّرات الواقع.

لبنان: الإرهاب المتمدِّد

والبداية من الهرمل؛ مدينة الشّهداء والمجاهدين والصّابرين، التي لم تكن قد التأمت جراحها بعد من التّفجير الإرهابيّ الأوّل، ولم تكفكف دموعها نهائيّاً، حتّى امتدّت إليها يد الإجرام من جديد. وقد طاول الاستهداف هذه المرّة محطّة الأيتام، الّتي لم يشفع لها عنوانها لدى هؤلاء، وكلّ ما تمثّله. ونحن لم نرَ فيما حدث استهدافاً خاصّاً لمؤسَّسة تابعة لجمعيَّة المبرّات الخيريَّة، لها دور واضح في خدمة الإنسان اليتيم والفقير والمستضعف، بقدر ما رأينا فيه استهدافاً لمدينة الهرمل، ولما تمثّل للوطن، ولصورة الإسلام، وكلّ القيم الإنسانيّة الّتي دعت إليها الرّسالات السماويّة.

وهنا، نتوجَّه بالسّؤال إلى أولئك الّذين تبنّوا التّفجيرات ويقفون وراءها، إن كانوا يصغون وينصتون: ألم تروا بأمّ أعينكم ما جنت أيديكم؟ ألم تسألوا أنفسكم للحظة ما هو الذّنب الّذي ارتكبه كلّ هؤلاء الشّباب الّذين كانوا يسعون وراء لقمة عيشهم، وما هو ذنب النّساء والأطفال، حتّى تحترق أجسادهم، أو تشوّه أبدانهم؟ وما هو العنوان الدّيني والإنساني الّذي يبرّر لكم هذا العمل؟ أين كلّ ذلك من قيم الرّحمة، ورقّة القلب، والتّفاعل مع آلام الآخرين، الّتي اعتبرها الإسلام عناوين أساسيّة في رسالته، وجسَّدها رسول الله بأخلاقه؟

وإذا كنتم تتحدَّثون عن الثّأر لشباب ونساء وأطفال سقطوا في مواقع أخرى، فإنّنا معكم ندين التعرّض للأبرياء، ولكن أين أنتم في ذلك من قول الله سبحانه: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}، وأنّ البريء لا يؤخذ بجريرة غيره، حتّى لو كان أقرب النّاس إليه؟

هذا المنطق هو منطق جاهليّ لا يمتّ إلى الإسلام بصلة، ولا إلى الدّيانات السماويّة الأخرى. وإذا كنتم تتحدّثون عن ضغط تمارسونه على هذا الفريق أو ذاك، فهل دماء النّساء، والأطفال، والرضّع، والسّاعين إلى العيش الكريم، تحقّق ما تصبون إليه؟! إنَّ القضيّة أعقد من ذلك، وكذلك الحلّ، وهذه الوسيلة لن تحقّق ما تصبون إليه، وهذا الأسلوب ليس الأسلوب الصّحيح دينيّاً وإنسانيّاً.

ألم يئن الأوان بعد كلّ ما جرى، لأن تعودوا إلى دينكم، وإلى إنسانيّتكم، وإلى ضمائركم، ولأن تراجعوا حساباتكم، حتّى تتوجّه كلّ الجهود إلى العدوّ الحقيقيّ الّذي يتربّص بأرضنا ومقدّساتنا ومستقبلنا ومستقبل أولادنا؛ العدوّ الّذي يقهقه عالياً، وهو يرانا نقتل بعضنا بعضاً، وندمّر بعضنا بعضاً، ونسقط بعضنا بعضاً.

إنّنا نسأل الله أن يتغمَّد الشّهداء برحمته، وأن يربط على قلوب أهلهم بالصّبر، وأن يشفي الجرحى، وفي الوقت نفسه، ندعو إلى إنشاء أوسع جبهة وطنيّة لمواجهة هذا الواقع، ولا نكتفي بالاستنكار، والمشاركة في تشييع الضّحايا إلى مثواهم الأخير، كما ندعو إلى خطوة عمليّة لا تقف عند حدود طائفة أو مذهب أو منطقة، بل تشمل الجميع، فأمن الوطن لا يتجزّأ، ونؤكّد ضرورة وقوف كلّ مكوّنات الشعب اللّبناني وراء الجهات الأمنيّة، الّتي نقدّر جهودها في المجال الأمني، وكشفها المتورّطين بالأعمال الإرهابيّة.

مناخ الوحدة يعزّز الأمن

وهنا، نرى الحاجة ماسّةً إلى بذل جهود أكبر للخروج بصيغة حكوميَّة جامعة تلبِّي طموحات اللّبنانيّين، حتّى لو اقتضى الأمر أن نعطي وقتاً إضافيّاً للمشاورات، فالحكومة الجامعة أفضل من أيّة حكومة أخرى قد تؤدّي إلى التشنّج السياسي، الّذي يوفّر البيئة الحاضنة لكلّ الّذين يريدون العبث بأمن الوطن.

وفي هذا المجال، وتعزيزاً لمناخات الوحدة والحوار، فإنّنا نقف مع كلّ الطّروحات الّتي تساهم في تدعيم العيش المشترك، وبناء الدّولة العادلة والقادرة على مواجهة كلّ التحدّيات، بعيداً عن المصالح الشخصيّة أو الفئويّة، وهو ما تناولته وثيقة بكركي، فإنّ ذلك يعدّ أساساً لبناء الوطن في هذه المرحلة الحسّاسة، حيث لا خيار للّبنانيّين إلا تعميق القواسم المشتركة، والحوار الدّائم والمستمرّ وغير المتشنّج في ما يختلفون عليه.

إنّنا ندعو الجميع إلى التّدقيق جيّداً في الكلمات والمواقف، ففي هذه المرحلة الّتي تشتعل فيها الأرض تحت أقدامنا، لا ينبغي أن تلقى الكلمات ولا الاتهامات جزافاً، ونحن لا نقبل أن تنطلق الكلمات المحرّضة ضدّ بلدة بكاملها، أو ضدّ طائفة، لأنَّ هناك مجرماً أو أكثر ينتمي إليها، فلا يجوز أن نضع الجميع في موقع واحد، ومن يُجرم يتحمّل وحده المسؤوليّة، بصرف النّظر عن هويّته السياسيّة أو الطائفيّة أو المناطقيّة، كما أنَّ بلدته وطائفته ليستا مسؤولتين عنه.

وفي هذه المرحلة، نحذّر من المخطّطات الرّامية إلى الإيقاع بين المخيّمات ومحيطها، بذريعة أنّ بعض المجرمين يتحرّكون في هذا المخيم أو ذاك، وندعو الفلسطينيّين إلى وعي مخاطر ما يجري، ليكونوا العين السّاهرة على مخيّماتهم، ونحن نثق بوعي القيادات الفلسطينيّة لمنع كلّ ذلك، ونشدّد على التّنسيق المستمرّ في هذا المجال، لنفوّت الفرصة على كلّ من يريد شرّاً بلبنان وفلسطين.

سوريا والعراق: الحلّ السياسيّ

أمّا في سوريا، ففي الوقت الّذي ندعو إلى الإسراع بالحوار، والسّعي لإنجاحه، بدلاً من تسعير المعارك الّتي لن تنتج سوى المزيد من الدّمار والخراب، ننظر بإيجابيّة إلى المبادرة الإنسانيّة الّتي حصلت في حمص، ونراها منطلقاً لمبادرات أخرى.

وفي الوقت نفسه، ندعو الشّعب العراقيّ بكلّ مكوّناته، إلى الوقوف صفّاً واحداً في مواجهة الإرهاب الّذي يعتبر مشكلة للعراقيّين جميعاً، ليستعيد العراق عافيته ودوره، ويتخفّف من ثقل الآلام الّتي يحملها يوميّاً.

إنّنا لا نرى أنّ الحلّ العسكريّ يكفي لخروج العراق من أزمته، بل لا بدّ من مبادرة سياسيّة تزيل الهواجس الّتي تعيشها مكوّنات هذا الشّعب، ويشعر معها الجميع بأنّهم مواطنون من درجة واحدة.

وأخيراً، فإنّنا نعيد الدّعوة إلى ضرورة إبقاء العيون محدقة بفلسطين، الّتي يخشى أن تمرّر فيها الحلول الّتي لن تكون بالطّبع لحساب الشعب الفلسطيني ومستقبل الأمّة، وسط الحرائق الّتي تشتعل في المنطقة.

...............

انتهى/212