16 يناير 2014 - 20:30
الاستمرار في تغييب العلماء واستهداف المساجد مناقص لما يحتاجه الوضع من إصلاح

قال «آية الله الشيخ عيسى قاسم» إن ما يجري على الأرض من جديد تضاعف أعداد المعتقلين والاستمرار في تغييب العلماء، وما يجري من ذلك كلّه ومن استهدافٍ لقدسية المساجد وتعدٍ على مقام الصحابي الجليل «صعصعة بن صوحان» مناقضٌ كل المناقضة لما يحتاجه الوضع من إصلاح لا يقبل يومه التسويف".

وفقاً لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء ـ ابنا ـ قال آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم في خطبة صلاة الجمعة اليوم (17/01/2013) بجامع "الإمام الصادق (ع)" في "الدراز" إن "الإصلاح ضروري والإسراع به ضروري كذلك، ولكن ما يجري على الأرض من جديد تضاعف أعداد المعتقلين وصدور الأحكام المغلظّة بإستمرارٍ في حق المتهمين ونشاط سوق المحاكمات بما لا يكاد يعرفه بلدٌ آخر في الدنيا، وطاردة التعبير عن الرأي السياسي، وما يأتي من أخبارٍ مفزعة فيما يتعلّق بالتضييق على السجناء ومعاناتهم، والاستمرار في تغييب العلماء كما حصل أخيراً لسماحة السيد محمود الموسوي وانقطاع أخباره بعد أخذه في مداهمةٍ لمنزله صاحبها حسب النقل المتداول مصادرة مقتنياته، ما يجري من ذلك كلّه ومن استهدافٍ لقدسية المساجد وتعدٍ على مقام الصحابي الجليل صعصعة بن صوحان العبدي مناقضٌ كل المناقضة لما يحتاجه الوضع من إصلاح لا يقبل يومه التسويف".

وأضاف إن "كل إصلاحٍ فيه حل، الإصلاح الشكلي والسطحي لا يمثل الحل، الإصلاح الذي لا تضمن استمراره ضمانات عملية ودستورية كافية لا يمثل الحل، الإصلاح الذي يقوم على تقسيم المواطنة وواجباتها وحقوقها إلى مراتب حسب ما يمليه هوى السلطة وتذهب إليه ميولها بعيداً عن واقع المواطن وصدقها لا يمثل الحل، والإصلاح المقاس إلى أوضاع ما قبل 100 عامٍ أو أكثر وقبل الوعي والصحوة وتنّبه الشعوب على كامل حقوقها ويقظة الأمة الاسلامية على حقيقة إسلامها وانبعاث الشعور المقبور ظلماً للحرية والانتفاضات الثورية المتتالية في الأمة والعالم والتضحيات الضخمة المبذولة من الشعوب ومنها هذا الشعب الكريم على طريق الحرية والانعتاق والعدل والمساواة لا يمثل الحل. -حلٌ هو متقدم بالنسبة لما قبل 100 عام لا يساوي شيئاً اليوم بالقياس إلى موازين اليوم، وعي اليوم، صحوة اليوم، إلى التضحيات المبذولة اليوم-".

وفيما يلي نص خطبة الجمعة السياسية لسماحته:

أما بعد أيها الأحبة في الله فهذه أيام ذكرى مولد النبوي الشريف وأسبوع الوحدة الإسلامية التي بناها الدين الحق على يد خاتم الرسل محمد “صلى الله عليه وآله وسلم” والتي لا بقاء لها إلا ببقاء الإسلام عقيدةً وشريعة.

وما ثلم الإسلام وما ابتعدت عنه الأمة إلا وإنثلمت وحدتها، وأبتعدت عن حقيقة الوحدة، وأخ بنيانها في التصدّع.

وليس من كارثة على وحدة الأمة بأشد من أن يكفر بعضها بعضاً، بعيداً عن موازين الإسلام نفسه حتى ليكون من نتيجة التكفير الظالم اذا أستفحل أمره وسرى ظاهرةً واسعةً في صفوف الأمة وبنحو تبادل التهم، ضاع على أوساط الأمة أن تميّز بين كفرٍ وإيمان، وما هو إسلامٌ وغيره، وأدّى ذلك أن تضيع هوية الأمة في نظر أبنائها، ولا تعرف شخصيتها، وأن تُستباح بينهم الحُرمات.

وظاهرة التكفير اليوم أخذت تزحف بقوة وتوّسعٍ في أوساط الأمة وتوّلد العنف والإرهاب بل تُنتج البهيمية والوحشية والخروج على مقتضى الطبيعة والذوق الانساني العام وتفعل الأعاجيب من ألوان السقوط الأخلاقي والسفه والسرف في التهتك بإسم الإسلام وتحت راياته المزوّرة وتحت مظلّة إمارته وزعامته المكذوبة.

وبدأت حياة الرعب تأخذ إمتداداتها في حياة الأمة وتغطي مساحات واسعة منها من فعل هذه الظاهرة السقيمة.

وقد شعر صانعوا ظاهرة التكفير ومهندسوها من ساسة الأمة وخارجها ممّن أعمت الدنيا بصيرتهم بأن مكرهم السيء بدأ يهددهم بالمحق ولكنهم لازالوا يمكرون.

التكفير ومهندسو التكفير وقادة التكفير من علماء وأمراء الحروب التكفيرية يهدمون اليوم ما بناه الإسلام ورسول الإسلام والوحدة والمحبة والأمن والسلام، الرسول الخاتم “صلى الله عليه وآله وسلم”.

فيا جماهير الأمة انتبهوا وتداركوا أمر هذه الأمة ووحدتها قبل فوات الأوان، وأقطعوا على كل التكفيريين أمنيتهم في تمزيق الأمة كل ممزقٍ وإنهاء وجودها، وإن من جهل منهم ليس أقل خطراً ممن قصد عامداً لإرتكاب هذا الأثم وإغراق الأمة في الفتن من أجل دنياه وملكه وثروته وشهرته وحماية سلطانه.

لا محيد لجماهير الأمة التي تعتز بإسلامها، وتهدف لعزّتها، وتقدّم قول الرب على المربوبين من أن تأخذ بخطابه سبحانه لأهل هذا الدين حيث يقول: (وأعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا وأذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءاً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته اخوانا) إلى آخر الآية..

ويُعلم أن أولائك الأخوان -الذين تحدثت عنهم الآية- ليسوا على درجةٍ واحدةٍ من فهم الاسلام ولا إلتزام به، والتضحية من أجله والتخلّق بخلقه، ومع ذلك كلّه فإنهم أخوان، وإلا لم يكن الموصوف في الآية بالأخوة إلا من كانوا يشتركون في العصمة على أن أهل العصمة يتفاوتون كذلك في ما بعد أفقها العالي في درجات القرب الالهي مما هو محل السباق، فلو كان الأعلى درجةً في ايمانه يستنكف عن أخوة الإيمان العامة لمن هو أقل منه لم يبقَ معنىً للأخوة ولا موضوعٌ بين المسلمين على الإطلاق (1) هتاف المصلين: وحدة وحدة إسلامية.

والكل لابد أن يعرف أن الإسلام وأن ما هو حدٌ أدنى منه فيه جامعٌ للأمة ما دامت تعيش الحياة على الأرض.

 من هم المسلمون؟ الذين يحرم دم بعضهم على بعض، عرض بعضهم على بعض، مال بعضهم على بعض، هم طبقة خاصة من أهل الإيمان؟ أم جامع الإسلام يجمع كل من قال بالشهادتين ولم يظهر منه كفرٌ بإنكار ما ثبت عن رسول الله “صلى الله عليه وآله وسلم”.

ماذا على الشعب وماذا على السلطة؟

البلد تعيش أزمة حادة لا ينكرها أحد، ووضعاً استثنائيا مهدداً لها، وتقف بين مستقبلين، مستقبل أشد بؤساً، وأقتم ظلاماً، وأثقل وأثخر في ظل استمرار الأزمة وتفاقمها، ومستقبل التعافي من الأزمة والخروج من نفقها الأسود والتخلّص من آثارها الوبيئة ولو من بعد حين، فماذا تختار الأطراف التي يضمّها هذا الوطن وكل هذه الأطراف متضررة؟ ماذا تختار لمستقبلها ومستقبل وطنها ومستقبل الأجيال اللاحقة بها من أبنائها؟ مزيداً من الخسائر والكوارث والرعب والتفكك والانهيار الذي يقف للوطن بالمرصاد، والشقاء الذي يتوعد الأجيال القادمة أو وضعاً جديداً يتخلّف ورائه واقع الحاضر المأساوي وظلمته السوداء وينطلق بحياة هذا المجتمع على خط العدل والمساواة والاستقامة الدينية والإنسانية لتحفل بالخير والرغد والتقدم والرشد والهدى والسعادة؟ أيهما تختارون؟ أيهما تختار الحكومة؟ أيهما يختار كل فردٍ من أبناء هذا المجتمع؟

ولا ينبغي لأحدٍ أن ينسى ما يتهدد البلاد الإسلامية كلّها اليوم من خطر موجة التكفير العارمة المنطلقة بنارها ورعبها ودمارها وجاهليتها ووحشيتها انطلاقة مجنونة زاحفة لا تنذر إلا بمزيدٍ من الدمار وسفك الدماء وهتك الحرمات وتشتيت الأمة وإغراقها في محيط مهلك من الفتن الشداد. وإن كل ذلك ليضع الكل أمام مسؤولية دينية ضخمة ووطنية وإنسانية كبيرة تحتّم العمل على الحفاظ على ما تبقى من سلامة الأوطان وأمن الإنسان ومكانة الدين ولغة الأخلاق وكرامة الإنسانية وعزّة الأمة ووحدة أبنائها، وإلا فكل شيء من ذلك إلى هباء.

واذا اخترنا أن نقف بالحديث عند مسؤولية أهل البحرين عن الأزمة المتصاعدة التي تعبث بحاضرها وتحرق وتهدد بكارثة أكبر لتدمير مستقبلها، فهنا مسؤوليتان: مسؤولية السلطة من جهة، ومسؤولية الشعب والمعارضة، ومسؤولية كل طرفٍ بمستوى ما يملك وما تتسع له امكاناته، وتنهض به قدرته، وبقدر ما بيده من حقٍ اغتصبه من الآخر، وما عليه أن يمتنع عنه مما يزيد في درجة الإفتعال للأوضاع.

ما تملكه المعارضة كل المعارضة هو أن تستقيم على طريق السلمية، وتستمر على التزامها بنبذ العنف وإدانته والتحذير من الارهاب، وأن لا تغيّر من هذا الموقف المبدئي، هذا تملكه المعارضة، وليس بيد المعارضة شيءٌ سلبته من السلطة سلطةً أو الثروة واستحوذت عليه ظلماً واستأثرت به ليكون عليها إرجاعه، الشعب في هذا الأمر مطالِبٌ لا مُطالَب.

أما المظاهرات والاعتصامات ومختلف الاحتجاجات السلمية التي يمارسها الشعب في مطالبته بحقوقه المسلوبة من أمنٍ منتهك، ودورٍ سياسي مغيّب، وعدلٍ مضيّع، ومساواة مطموسة، وحريةٍ مقهورة، وشعائر دينيةٍ ملاحقة، وقيمة إنسانيةٍ مهدورة، وكرامةٍ وطنيةٍ مسحوقة وغير ذلك فهي إنما تمثّل رأس المال الوحيد الذي بيده، والوسيلة المشروعة دينياً ودستورياً وأخلاقياً وقانونياً وعلى مستوى العرف الدولي واللغة العملية المقبولة في مجال الاحتجاج المظالم في أوساط العالم ولا يعدّ ذلك ظلماً ولا عدواناً ولا إثارة للفتنة ولا بعثاً ولا نشراً لروح الكراهية والفرقة، وما يعدّ ظلماً وعدواناً هو سلب هذا الحق أو مضايقته، على أن هذه الوسيلة السلمية في مواجهة الظلم لها موضوعها من فساد الأوضاع واغتصاب الحقوق والتضييق على الحريات والتي لابد أن تنتهي حالما ينتهي موضوعها وتنتفي بانتفائه، وحالما ينتفي السلب والتضييق ومصادرة الحريات والاستئثار بالثروة إلى آخر المظالم حينئذٍ لا موضوع حتى لمظاهرة سلمية واعتصامٍ سلمي.

وماذا تملك السلطة؟ وماذا تتحمّل من مسؤولية؟ وماذا عليها أن تفعل؟ تملك أن تعترف للشعب بحقه السياسي في اختيار سلطته التشريعية والتنفيذية وصيغة دستوره الذي يحكم حياته وأن تمّكنه عملياً من إعمال هذا الحق عبر عملية انتخابية حرة تتساوى فيها أصوات الناخبين من أبناء هذا الوطن الواحد الذي لهم ممارسة هذا الحق بلا منٍّ ولا جميل لإنتاج مجلسٍ نيابي يمثل إرادة الشعب بحقّ، ويتمتع بصلاحياتٍ كاملة في مجال التشريع والرقابة ويتحمّل مسؤوليته في ذلك أمام ربه أولاً ثم أمام شعب وطنه من غير أن يتم الالتفاف على هذا الحق من مجلس شورى معيّن وبأي صورة من الصور، كما له أن ينتج الدستور الذي تظهر فيه الإرادة الشعبية واضحة سافرةً ناطقة جليّة. وللشعب رأيه التطبيقي المحترم الذي يؤخذ به في تشكيل الجهاز القضائي المستقل وحق المشاركة المتساوية حسب الكفاءة والأمانة لا غير في كل أجهزة الدولة ومرافقها ومؤسساتها بلا تفريقٍ بين طائفةٍ وأخرى وهذه الفئة وتلك الفئة.

ولا أرى من منصفٍ أن يسوّغ لنفسه الاعتراض على هذا المنطق بعد القول بأن الشعب مصدر السلطات وبعد تقديم العدل على الظلم.

وواضح أن ما تتطلب