وفقاً لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء ـ ابنا ـ قال «آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم» في خطبة صلاة الجمعة اليوم (29/11/2013) بجامع "الإمام الصادق (ع)" في "الدراز" إن "كثيرٌ من البلاد العربية التي لا يزال الصراع قائماً فيها بين شعوبها وحكوماتها تسعى الحكومات فيها إلى اطفاء النار واخماد لهيبها والتوصل مع شعوبها إلى حلول عن طريق الحوار والتفاهم واعطاء عددٍ من التنازلات من قبلها، هذا الاتجاه صار يسود البلاد العربية التي تعيش الصراع، أكثر البلدان التي تعيش هذا الصراع تتجه هذا الاتجاه لعجز الاسلوب الأمني عن انقاذها".
وأضاف: "يعرف المسلم من المسلم أن لا شيء يحركه أن يُتعرض لدينه أو يهان عرضه ويُتعدى عليه، هذا معروف، اذا أنت مسلم تعرف من أخيك المسلم هذا الأمر، ونحن لا نقول للمسلم لست مسلماً، والسلطة هنا مسلمة ورجال الأمن عندها مسلمون، ولا يخفى عليهم أن أعزّ ما على المسلم أن يُنال من دينه أو يُمس بإهانة عرضه، وأنه ينسى ما هو الموت عندما يواجه شيئاً من ذلك، وتهون عليه نفسه ويزهد في هذه الحياة.
وقال معلقاً على حادثة إعتداء رجال أمن على سيدة في منطقة "عالي" "فماذا أراد من ظهرت صورته ممن يسموّن برجال الأمن وهو يكبس امرأة مؤمنة كلّها وقار وحشمة حريصة على حجابها في وسط دارها لأنها صرخت أو حاولت وهي العزلاء أمام مدججين بالسلاح تخليص فلذة كبدها من عذابهم الغليظ الذي مزّق قلبها".
وفيما يلي نص الخطبة السياسية لسماحته:
أما بعد أيها الأخوة والأخوات في الله، فسلام الله ورحمته وبركاته على الإمام الرابع من أئمة الهدى من أهل البيت عليهم السلام علي بن الحسين السجاد زين العابدين، والذي واصل مسيرة الجهاد في سبيل الله عز وجل بعد رحيل أبيه الإمام الحسين بن علي عليه السلام، وواصل حماية الدين من التحريف وتربية الجماعة المؤمنة بالحق والحاملة للواء الإسلام وأودع الصحيفة السجادية من علمه وحكمته وغناه الروحي وفيوضاته الإيمانية للأمة في كل حياتها مما تتغذى عليه من ثروة فكرية وفهمٍ دقيقٍ أمين للإسلام، وزادٍ روحي دفّاق، وهدىً لا يخبو ولا نطفئ نوره.
وعظم الله أجرنا جميعاً وأجر الأمة المؤمنة كاملة يوم رحيله إلى جوار ربه الكريم..
وهنا كلمتان:
الكلمة الأولى: الخطابة الحسينية اليوم وغداً
للخطابة الحسينية من الانتشار في كل الأوساط المؤمنة على مستوى العالم، ومن الاستمرار في كل أيام السنة ولياليها، ومن الاقبال على حضور مجالسها، ما يجعلها من أهم المصادر للتغذية الفكرية للأمة وتلقي الإسلام، والوقوف على رؤاه ومفاهيمه وأحكامه وآدابه، وزرع قيمه وأخلاقه في النفوس والتربية في ضوءه، وصناعة الرأي العام حول قضايا المجتمعات وأحداث ساحة الحياة على أساس رؤية الاسلام الخاصة، ونحن نعلم أن حضور هذه المجالس من كل الشرائح والطبقات على اختلافها مما يوّسع أثر هذه الخطابة ويعطيها أهميتها الخاصة.
فرقي الخطابة الحسينية رقيٌ للمجتمع، وأثره الايجابي شأنهُ عظيم، ونفعهُ كبير عليه وخدمته عالية وواسعة للاسلام، وفي تدنّي الخطابة واسفافها والخلل فيها آثار مدمرة للاسلام والمسلمين، رقّيها يعطي رقياً لصناعة المجتمع المسلم ويقدم صورة عن الاسلام قريبة لما هو عليه في أصالته واشراقه وعن أهل البيت عليهم السلام ومدرستهم لما هم عليه من التمثيل الحق النموذجي للاسلام وصدقه عظمته.
يقدّم صورةٌ هي أنطق بحقانية الاسلام، ومتانة بناءه وتفاوته ونقاوته وصفاءه، وأغنى بجاذبيته وجاذبية أهل البيت عليهم السلام الذين هم الإسلام الناطق والفطرة والعقل والضمير والذوق السليم وما للاسلام وأهل البيت عليهم السلام من كفاءة تامة لا نظير لها في أي طرحٍ آخر على حل المشكلات التي تواجه الانسانية في هذه الحياة.
وللتدني في مستوى الخطابة الحسينية اساءة بالغة الخطورة على الفكر الإسلامي والرؤية الاسلامية وصدق الدين ونزاهته وأصالته، وتربية المجتمع المسلم وواقع المسلمين وتفاعلهم مع الاسلام، ومدرسة أهل البيت عليهم السلام، والاستجابة لمقتضيات الدين حتى ليمكن أن تكون هذه الخطابة على ما هي عليه لو أعطيت حقها كما يجب من مكانة عالية وقيمة فذة يمكن أن تكون وهي كذلك في طبيعتها الذاتية سبباً لتشويه الإسلام، والحط من قدره، والتنفير الفكري والنفسي منه ومن ممثليه الحقيقيين من الرسول صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام جميعاً، وأن تكون طريقاً إلى الاضلال عنه وعنهم، وتحقير ما هو وهم عليه من شأنٍ عظيم عند الله سبحانه وتعالى، وقيمة عالية لا يُدرك منها ما يمكن ادراكه إلا أهل البصائر.
فالخطابة الحسينية بما لها من شأنٍ كبير، ودورٍ مؤثر بالغ الأهمية، وانتشارٍ واسع، وديمومة واستمرار، لا يصح للمجتمع المؤمن أن يتساهل في أمرها، أو يفرط في شأنها ويتركها لاجتهادات الأفراد وإن قصرت، وجهودهم وإن قصرت، لا يصح أن يترك بابها مفتوحاً لكل مشتهٍ وإن كان لا يملك القابلية والتأهل لشغل هذا المنبر الشريف المهم لما له من تأثير ضخمٍ على القضية الحسينية والاسلام كله وايمان المجتمع المسلم واحترامه للاسلام وتقيده به وواقع الرأي العام فيه بشأن القضايا المهمة التي تستجد في حياته.
لا يصح أي يُترك لأي ناطقٍ من أي مستوىً وإن كان من مستوى طالب الإعدادية أن يتحدث بإسم الحسين عليه السلام واسم القرآن والاسلام.
ونظلم المنبر الحسيني في وضعه الحاضر أن نقول بأن الذين يرقون أعواده لا توجد من بينهم كفاءات عالية نجدها في البلاد المختلفة ومنها البحرين، هناك كفاءات علمية وتتوفر على الاخلاص وتقدّم وعياً وأفكاراً اسلامية بناءة وتساهم في تربية المجتمع تربية اسلامية راقية صالحة وتشد قلوب المسلمين إلى مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) وذلك في عددٍ ممن يرقون هذا المنبر الشريف.
ونجافي الواقع ونتجاوزه حين ننكر وجود أفكارٍ ساقطة وما يشبه الخرافات ووجود الاجتهادات الفجة التي لا مستند لها في المهم من قضايا الاسلام -هناك اجتهادات فجة في المهم من قضايا الاسلام بينما لا تملك أي برهان- وما هو حاصل من ضعفٍ وقصورٍ وارتباك فكري وتهافت في الطرح وأفكارٍ مرتجلة غير مدروسة مما يجد سبيله للمنبر الحسيني ويهبط بمستواه ويسيء إليه.
ومن أبرز أسباب هذا الأمر عدم تحمّل المجتمع المؤمن لمسؤوليته في الاعداد الكافي لمستويات راقية تتناسب مع مكانة هذا المنبر الكريم ووظيفته، هذا وكل المجتمعات في تقدمٍ فكري وتوسع ثقافي وقدرة متنامية على النقد ووزن الأفكار، يضاف إلى ذلك أن المنبر الحسيني كسائر ما يتصل بإحياء أمر أهل البيت عليهم السلام مستهدف بصورة متصاعدة مقصودة للنيل منه والتشكيك فيه وللتصيّد لكل خطأ ولكل ضعفٍ يأتي من أحدٍ بإسمه ومن جهته. فإذا بقي المنبر الحسيني تعاني خطابته مما تعاني منه اليوم من قصور وضعف وأخطاء وتقصير فإن الفارق بينه غداً وبين ما سيصير إليه مستوى الأمة من ناحية فكرية وثقافية ونقدية أكبر منه اليوم بكثير مما يضاعف المشكلة ويسيء إلى قضية الإمام الحسين عليه السلام والإسلام بدرجةٍ أكبر ويتيح للمتربصين بهذا المنبر أن يحققوا أملهم في عزل الأمة عنه واسقاطه.
وفي ظل ما عليه واقع المنبر اليوم وما يتوقع له مستقبلاً مع اهمال وظيفة المؤمنين بإعداد الكفاءات القادرة لشغل وظيفته صار من الضروري إنشاء كليات متخصصة يتكفل بها عالم الحوزات الدينية بمعاونة الأمة لتخريج أكبر عدد ممكن من الخطباء الأكفاء ممن يتناسب مستواهم مع أهمية القضية ومكانة هذا المنبر وتأثيره المهم والدور المناط به في اعداد الأمة وخدمة الإسلام، والكليات المطلوبة كليات تعيش كامل الاستقلالية من كل جهاتها، وتكون بعيدة كل البعد عن القرار الرسمي والجهات الرسمية بوزاراتها ودوائرها، ومقرراتها ودعمها واشرافها، فإن بلية الدين بالتدخلات الرسمية للسياسات القائمة في الأكثر الأكثر من البلاد الاسلامية من الصعب جداً معالجة آثارها السلبية على الاسلام والمسلمين.
الإدانات اسلوب مستهلك:
كثيرة هي الادانات من المنظمات الحقوقية في الخارج والمجامع الدولية وحتى الحكومات الصديقة لإنتهاك حقوق الانسان في أرض البحرين بما يعاني منه هذا الشعب الأمرّين، ولكنها لم تكد تجدي شيئاً وخاصة بفعل ما يصاحب ادانات الدول الكبرى من مجاملات للطرف الذي يستمر في انتهاك هذه الحقوق بما يمثل افتراءاً على الواقع رعاية للمصالح المادية التي تقدمها هذه الدول ولا تملك أي قيمة حتى من القيم التي تنادي بها هي نفسها شيئاً من وزنٍ أمامها.
فإسلوب الادانات قد برهن على عدم طائلٍ له في ظل تكراره واستمرار عملية الانتهاك لحقوق الشعب على هذه الأرض، والانتهاكات في البلاد الأخرى التي تشترك جميعها مع البحرين في المعاناة.
وحتى توصيات لجنة التحقيق التي شكلتها الجهة الرسمية استمر التلاعب بها وتجميلها وتجميل ما هو المهم منها كل هذه المدة وبرغم دعم الجهات الخارجية لها واعلان السلطة قبولها بها.
لا نطلب حرباً على البحرين انتصاراً لشعبها، لا.. لا نطلب ذلك ولا نرضى بذلك، ولا أي تدخلٍ يضر بإستقلالها، ما نطلبه هو ضغط سياسي تمارسه الدول الصديقة للنظام الرسمي في البحرين بدل الدعم المكشوف وغير المكشوف.
وجليٌ جداً أن الحل الحقيقي للأزمة الحقيقية ولسائل المشكلات التي يفرزها الوضع السياسي المنحرف لا ينفصل بأي حالٍ من الأحوال عن اصلاح هذا الوضع نفسه والأخذ به إلى المسار الصحيح.
لا حل بلا إصلاحٍ سياسي، لا ارتفاع لمشكلة انتهاك الحقوق بلا حلٍ سياسي، ومطلب هذا الشعب اليوم فيما يتصل بالمسألة السياسية هو مطلب كل شعوب العالم المعاش اليوم من مرجعية الشعب في سياسة بلده بدل مرجعية السلطة الحاكمة، وأن تكون الكلمة الحاسمة للشعوب لا للسلطات.
لا تزيدوا النار وقوداً:
كثيرٌ من البلاد العربية التي لا يزال الصراع قائماً فيها بين شعوبها وحكوماتها تسعى الحكومات فيها إلى اطفاء النار واخماد لهيبها والتوصل مع شعوبها إلى حلول عن طريق الحوار والتفاهم واعطاء عددٍ من التنازلات من قبلها، هذا الاتجاه صار يسود البلاد العربية التي تعيش الصراع، أكثر البلدان التي تعيش هذا الصراع تتجه هذا الاتجاه لعجز الاسلوب الأمني عن انقاذها.