18 يوليو 2013 - 19:30
المشهد في سوريا لا يزال مشهد دمار وقتل وعنف

قال السيد علي فضل الله» في خطبة الجمعة حول الاوضاع في سوريا ان "المشهد لا يزال مشهد دمار وقتل وعنف، من دون أن يحظى هذا البلد باهتمام دولي، وحتى عربي ذي مصداقية، لوقف هذا النزف وإخراجه من أزماته، الأمر الذي يؤكد ما كنا نخشاه، من أن المخطط الجاري هناك سيستمر نزيفاً متواصلاً، وقد يستمر لسنوات".

وفقاً لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء ـ ابنا ـ  قال «السيد علي فضل الله» في خطبة الجمعة من على منبر مسجد "الإمامين الحسنين (ع)" بـ"حارة حريك" في لبنان حول الشان السوري،  ان "المشهد لا يزال مشهد دمار وقتل وعنف، من دون أن يحظى هذا البلد باهتمام دولي، وحتى عربي ذي مصداقية، لوقف هذا النزف وإخراجه من أزماته، الأمر الذي يؤكد ما كنا نخشاه، من أن المخطط الجاري هناك سيستمر نزيفاً متواصلاً، وقد يستمر لسنوات، حتى يتعب الجميع، ويثخنوا بالجراح، لتأتي الحلول لمصلحة الدول الاستكبارية، وتقاسم نفوذها في هذا البلد، بعيداً من مصالح شعبه وتوقه إلى العدالة والعيش الكريم".

وضم السيد فضل الله صوته إلى كل الأصوات الداعية إلى الحوار الجاد ووقف إطلاق النار على الأقل في شهر رمضان المبارك، "لعل ذلك يكون الدافع للبدء والتحضير لعملية سياسية حوارية توقف دوامة القتل في هذا البلد العزيز".

وفي البحرين، أبدى السيد خشيته من أن "يسعى الساعون الذين لا يريدون خيرا لهذا البلد، إلى إدخاله في فتنة مذهبية عن طريق التفجير الذي حصل بالقرب من أحد المساجد"، وثمن استنكار قيادات المعارضة ورفضها المطلق لهذا الأسلوب وتداعياته، داعيا إلى أن يكون هذا الأمر دافعا للجميع لحوارٍ جديٍ يمنع كل هؤلاء العابثين من حرية الحركة، ويعيد لهذا البلد استقراره وأمنه، ولشعبه حريته وحقه في العدالة والعيش الكريم.

وفيما يلي نص الخطبة الثانية لسماحته:

بسم الله الرحمن الرحيم

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بتقوى الله. ولبلوغ هذه التّقوى، لا بدَّ من أن نهتدي بهدى أمّ المؤمنين خديجة بنت خويلد؛ هذه المرأة الَّتي صدَّقت رسول الله(ص) منذ أن نزل عليه الوحي وهو في غار حراء، وأخلصت للإسلام منذ أن دعا إليه، وقالت له بلسان الواعية العارفة برسول الله(ص):

"أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبداً؛ إنَّك لتصل الرّحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكلّ، وتقري الضَّيف، وتعين على نوائب الحقّ". فكانت أوَّل مؤمنة برسالته مع الإمام عليّ(ع)، وسارت مع رسول الله(ص)، تشدّ أزره، وتخفّف عنه بكلماتها الحانية الوادعة، وهي مَن شاركته في بناء أسرة كان نتاجها سيّدة نساء العالمين الزهراء(ع).

وعندما اشتدَّت الضّغوط عليه، واحتاج إلى أن يبذل المال لإعانة فقراء المسلمين وضعفائهم، لم تتردَّد السيّدة خديجة بأن تنفق كلّ مالها من أجل الإسلام، لتعيش بعد ذلك مع رسول الله في الفقر، وقد أشار رسول الله(ص) إلى ذلك عندما قال: "ما نفعني مال قطّ مثل ما نفعني مال خديجة".

وعندما غادرت السيِّدة خديجة الحياة، بعدما تحمَّلت كلّ الظّروف الصّعبة مع رسول الله(ص)، بقي ذكرها على لسانه، ولذلك عندما سمع عائشة تقول عنها: "قد أبدلك خيراً منها"، قال: "ما أبدلني الله خيراً منها، ولقد آمنت بي إذ كفَّرني النّاس، وآوتني إذ رفضني النّاس، وصدَّقتني إذ كذّبني النّاس، وأشركتني في مالها حين حرمني النّاس، ورزقني الله ولدها وحرمني ولد غيرها".

وقد عظُم حزن رسول الله(ص) عليها حين وفاتها، الَّتي جاءت بعد ثلاث ليال من وفاة عمّه والمدافع عنه أبي طالب، إلى حدِّ تسمية ذلك العام بعام الحزن، حزناً منه على عمّه وزوجته الوفيّة خديجة.

أيّها الأحبَّة، لم يكن دور المرأة هامشيّاً في حركة الإسلام، بل كان دورها فاعلاً. وها هي حياة السيّدة خديجة وتضحياتها ومواقفها تؤكّد هذا الدّور، فلم يعزل الإسلام المرأة، بل كانت دائماً حاضرةً إلى جانب الرّجل في مواقع الجهاد والعلم والدّعوة في كلّ مراحل التّاريخ الإسلامي، وقد سجّل ذلك القرآن الكريم عندما قال: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}[التوبة: 71].

لقد استطاع الإسلام أن يبني مجده بتضافر كلّ جهود المجتمع، وبالتّكامل بين الرّجل والمرأة، ونحن من خلال هذا التَّكامل والتَّعاون، نستطيع أن نواجه التحدّيات، وهي كبيرة، ولكلٍّ دوره في مواجهتها. فماذا هناك؟!

فلسطين: رفض سياسة المفاوضات

في فلسطين المحتلَّة، يتابع العدوّ مخطَّطه الاستيطاني التهويدي، والّذي تجلّى هذه المرّة في النَّقب، من خلال استيلائه على حوالى 850 ألف دونم من أراضيها، والعمل على تهجير ثمانين ألفاً من أهلها، وتدمير حوالى 80 قرية، بحجَّة تنظيم هذه القرى وإعادة بنائها على أساس جديدٍ، ووفقاً لمخطَّط "برافر ـ بيغن".

يأتي هذا المخطَّط في ظلِّ الفتن والأزمات الَّتي ما زالت تعصف بالعالمين العربيّ والإسلاميّ، والَّتي يبشّرنا العدوّ بأنَّها ستمتدّ لسنوات وربما لعقود، الأمر الَّذي يجعل قضيَّة فلسطين على هامش قضاياه، حيث تكاد تُنسى.

ونحن في الوقت الَّذي نحيّي وقفة أهلنا في فلسطين المحتلّة والنَّقب، نعيد الدَّعوة إلى الشّعوب العربيَّة والإسلاميَّة ودولها، لمواجهة هذا المخطّط وكلّ مخطّطات العدوّ السّاعية إلى تهويد فلسطين، وإعادة البوصلة باتجاهها الّذي ينبغي أن يبقي قضيَّة فلسطين القضيَّة المركزيَّة الأولى، فلا تضيع هذه القضيّة وسط العواصف الّتي تحدث في هذا العالم، والّتي، مع الأسف، لن تزيد إلا في شرذمته وإضعاف دوره.

وفي هذا الوقت، تأتي الحركة الأميركيَّة الَّتي تهدف إلى تحريك المسار الفلسطيني في هذه المرحلة، لتستفيد من انعدام الوزن العربي والإسلامي والفلسطيني، لتمنح الفلسطينيّين وعوداً وأحلاماً، من دون أن تمارس أيّ ضغط على الكيان الصّهيوني، سواء على مستوى رفع الاحتلال، ولو في حدود العام 67، أو الحدِّ من استمرار مشاريعه الاستيطانيّة والتهويديّة لفلسطين.

ومن هنا، فإنّنا ندعو الفلسطينيّين إلى عدم تكرار سياسة المفاوضات الّتي يستهدف الكيان الصّهيونيّ منها تجميل صورته، ولا سيّما بعد صدور قرارات الاتحاد الأوروبّي برفض منتوجات المستوطنات، كما يهدف إلى كسب المزيد من الوقت في عمليّة الاستيطان، فيما لم يقدّم شيئاً للشّعب الفلسطيني، حتّى من كيسه، فخيار الفلسطينيّين لا بدَّ من أن يبقى الوحدة، واستخدام لغة المقاومة والانتفاضة؛ لأنها اللّغة القادرة على أن تحقّق المزيد من المكتسبات.

الأزمة السوريّة بلا حلّ

أمّا في سوريا، فالمشهد لا يزال مشهد دمارٍ وقتلٍ وعنف، من دون أن يحظى هذا البلد باهتمام دوليّ، وحتّى عربيّ ذي مصداقيّة، لوقف هذا النزف وإخراجه من أزماته، الأمر الّذي يؤكّد ما كنّا نخشاه، من أنَّ المخطَّط الجاري هناك سيستمرّ نزيفاً متواصلاً، وقد يستمرّ لسنوات، حتَّى يتعب الجميع، ويثخنوا بالجراح، لتأتي الحلول لمصلحة الدّول الاستكباريّة، وتقاسم نفوذها في هذا البلد، بعيداً من مصالح شعبه وتوقه إلى العدالة والعيش الكريم.

ومن هنا، فإنّنا نضمّ صوتنا إلى كلِّ الأصوات الداعية إلى الحوار الجادّ، ووقف إطلاق النار على الأقلّ في شهر رمضان المبارك، لعلَّ ذلك يكون الدّافع للبدء والتّحضير لعمليَّة سياسيَّة حواريَّة توقف دوّامة القتل في هذا البلد العزيز.

مصر أسيرة الانقسام

أمّا مصر، فهي لا تزال أسيرة الانقسام الحادّ في ميادينها، حيث الصّراع فيها صراع ساحات وميادين، والَّذي بات يهدّد وحدة الشَّعب المصري وتلاحمه وقوَّته، وقد يكون سبباً لنشوء فتنة غير محمودة العواقب. ومن هنا، نعيد التأكيد على جميع مكوّنات هذا الشَّعب، بضرورة التَّلاقي والحوار، من أجل الخروج بصيغة تضمن لهذا البلد استقراره، وتمنع امتداد أيادي الفتنة إليه، وتحقّق للجميع المشاركة الفعّالة، بعيداً من سياسة الإقصاء والتّهميش التي تمّ استخدامها مع بعض الفئات السياسيَّة، بحيث يكون الشّعار: "لأسلمنّ ما سلمت أمور المصريين".

إنَّنا نثق بأنَّ لغة المنطق والحوار والقواسم المشتركة، ستغلب كلّ منطق يدعو إلى العنف، وتنهي كلّ مناخاته، فقد عوَّدنا هذا الشَّعب على سلميَّته منذ انطلاقة ثورته وحتّى الآن، ولا بدَّ من أن يتابع مسيرته على هذا النحو السلمي.

البحرين: تفجير مستنكر

أمّا البحرين الّذي كنّا ننتظر خروجه من أزمته، من خلال الحوار الَّذي أُعلن عنه، لإخراج هذا البلد من معاناته، فإنّنا نخشى أن يسعى السّاعون الَّذين لا يريدون خيراً لهذا البلد، إلى إدخاله في فتنة مذهبيَّة، عن طريق التّفجير الّذي حصل بالقرب من أحد المساجد.

ونحن في الوقت الّذي نثمّن استنكار قيادات المعارضة ورفضها المطلق لهذا الأسلوب وتداعياته، ندعو إلى أن يكون هذا الأمر دافعاً للجميع لحوارٍ جديٍّ يمنع كلّ هؤلاء العابثين من حريّة الحركة، ويعيد إلى هذا البلد استقراره وأمنه، وإلى شعبه حريته وحقّه في العدالة والعيش الكريم.

لبنان: سياسة التّعطيل

أمّا لبنان، فلا يزال أسير سياسة التَّعطيل في مؤسَّساته السياسيَّة، وصولاً إلى الأمنيَّة، وهذا، مع الأسف، لا ينطلق من مصالح اللّبنانيّين، إنما هو استجابة لمصالح إقليميَّة تريد إبقاء هذا البلد في دائرة الاهتزاز، ما يفرض على اللّبنانيّين أن لا يكونوا وقوداً لأحد، وأن يكون رهانهم دائماً على تلاقيهم ووحدتهم، لا على هذا البلد أو ذاك، وخصوصاً أنَّ ثمة من يريد أن يحوّل لبنان إلى صندوق بريد لتلقّي الرّسائل الأمنيَّة والسياسيَّة المتبادلة بين القوى الإقليميّة والدّوليّة.

ولا بدَّ في النهاية، وفي ظلِّ تفشّي الجرائم المتكرّرة، من استنفار كلّ جهود الواعين، من علماء دين واختصاصيّين تربويّين واجتماعيّين، لدراسة هذه الظّاهرة، وإيجاد السّبل لمعالجتها ومنع تفاقمها، كي لا يقع البلد في الانحدار الأخلاقيّ والاجتماعيّ، كما هو واقع في الانحدار الاقتصاديّ والسياسيّ.

...............

انتهی/212