وفقاً لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء _ ابنا _ قال «آية الله الشيخ عيسی أحمد قاسم» في خطبة صلاة الجمعة اليوم (14/06/2013) في جامع "الإمام الصادق (ع)" بـ"الدراز" ان "شيئاً واحداً عند الأنظمة والحكومات هو الذي يعطل فهمها، ويفقدها البصيرة، ويوقعها في العمى عن رؤية الحقائق، ذلك هو غرور القوة والحب المجنون في السلطة المطلقة، والاعتزاز بالإثم وروح الاستعلاء من غير حق".
وأضاف "إن أكثر الأنظمة لا يعطي قليلاً من حق الغير عنده له إلا عند أقصى درجة من درجات الاضطرار، انظر متى آمن فرعون، واستسلم لأمر الله!! إنما كان ذلك منه حيث عاين العذاب، وعاين أن القدر قد أحاط به من كل جانب وأن لا مخلص له، وذلك ساعة لا ينفع الندم، وقليل من الأنظمة الحاكمة ما يلتفت إلى خطوة الموقف في البدايات ويحاول معالجة الأمر بأقل قدر ممكن من التنازلات أو الترضيات تحت شعار رعاية الشعب والاهتمام به".
وأكد آية الله قاسم "لابد للأنظمة أن تكون التجارب المتكررة المتكثرة قد علمتها أن اصلاحاً في وقت يحل المشكلة، ثم لا يجدي شيئاً في وقت آخر، وأن الافراط في استعمال القوة لم يفلح فيما استهدفه في كل التجارب القريبة وأن مطالب الشعوب يرفع سقوفها شدة القسوة وطول الانتظار واليأس من نفع القليل التي تراه السلطات كثيرة. وأنه ليس من العقل والحكمة أن ما عليك أن تعطيه اليوم لا تعطيه إلا بعد مذابح وسفح دماء الشعوب والخسائر الكارثية للأوطان وهو عندئذٍ لا يُرضي".
وفيما يلي نص الخطبة الثانية لسماحة آية الله عيسی قاسم:
مواليد الأطهار:
تغنى الأشهر الثلاثة رجب وشعبان وشهر رمضان بمواليد الأئمة الأطهار من آل محمد صلى الله عليه وآله، وعظماء أهل هذا البيت الطاهر.
والأئمة عليهم السلام نعمة كبرى، ونور النبوة والرسالة والإمامة المعصومة الهادية نور لم تستغنِ عنه الأرض في يوم من أيامها.
واذا كانت الشمس بحرارتها ونورها ضرورة لا تستغني عنها حياة الأجساد لأهل الأرض، فإن نور النبوة والرسالة الإلهية والإمامة المعصومة لا يمكن أن تقوم لهم حياة قلوب -أي لأهل الأرض- وأرواح ووجدان وضمير وارادة انسانية كريمة ويتم لهم نضجهم ويبلغ بهم العمر الغاية ولا تعتدل لهم حياة بدن ودنياً لو منعتهم إياهم السماء.
وإن أول ما سكن الأرض إنسانٌ إنما بدأ سكنه فيها بالعبد الصالح آدم صفوة الله كما في تعبير زيارة وارث، ومعه زوجه ليقود حركة الأرض عبر الانسان على الخط الإلهي الذي لا عوج فيه ولا يشوبه إنحراف.
وكما بدأت حياة الإنسان على الأرض وحركة العمران فيها محتاجة إلى هدى السماء وقيادة منشدة بحقٍ وصدقٍ إلى الله تبقى محتاجة لذلك حتى تؤدي وظيفتها.
وكل نعمة فيها على الانسان حجة وله فيها إمتحان، وما أعظم النعمة بأهل بيت الرسالة عليهم السلام، وما أحوج الأمة والانسانية لها، وما أبلغ آثارها الصالحة الكبرى عليها لو أحسنت التعامل معها، وما أشد ما ترتكب من إثم -أي الأمة- وما أفضع الخسارة التي تأتيها، وما أكبر ما تتعرض له من سخط الرب عز وجل لتفريطها في ما ائتمنها عليه سبحانه واستخفافها به.
ثبتنا الله على ولاية محمد وآل محمد.. ما دام عندنا نَفَسٌ في هذه الحياة.
أمانة الأولاد:
الأولاد البنون والبنات وخاصة في سن التربية أمانة تطوّق مسؤوليتها عنق الآباء والأمهات، أمانة نقف أمام العدل الالهي لنُسأل عنها، عن حفظها أو التفريط فيها.
والأولاد بدناً يهم أمرهم الاسلام ورعايتهم من هذا الجانب مسؤولية من مسؤولية الآباء والأمهات، وهل يجوز لأبٍ أو أم أن يترك الولد يتضور جوعاً وتتردى صحته ويذبل جسداً ولهما قدرة على انقاذه؟ وهل يجوز لهما أن تمتد يد ولدهما إلى السم ليتناوله سذاجة وجهلاً أو تهوراً وهما يشهدانه ولهما القدرة على كفّه عن فعله فيتركانه وما يحاول؟
وهل يحتمل أحدنا رضا الاسلام بتقديم جانب البدن والمادة والدنيا على جانب الروح والانسانية والدين والآخرة أهمية، والاكتفاء من الوالدين برعاية حاجات الجسد للولد، وأن يهمل جانب عقله وقلبه ودينه وبصيرته واستقامته خلقه وعلمه بالدين وهداه؟
ومن يأمن على دين ولده وخلقه واستقامته اليوم اذا تُرك لنفسه وهو في سن التربية أو أُهمل للبيئة الثقافية والاجتماعية والسياسية الموبوءة الفاسدة المفسدة، التي تتربص به وتخطط لإصطياده؟
مشاريع التعليم والتربية المستمرة الصيفية منها المأمونة الموثوقة حجة على كل الآباء والأمهات ومن أهمل إلحاق ولده بها فضيّع ولده خان أمانته وتحمّل وزراً ثقيلاً بما عصى به ربه.
لا تطلب ولداً برّاً بك صالحاً، نافعاً لمجتمعه، مرضياً لله سبحانه يكون لك قرة عين، وأنت لا توليه الاهتمام البالغ من ناحية تربيته وتبصيره وتهذيبه وتزكيته.
تجارب ضائعة:
حفظ التجارب لاعتبار بها، امتصاص دروسها، عقل لابد منه، وخسارته خسارة فادحة.
واسلوب التجربة هو الاسلوب الأيسر في التعلم، والمعلومة عن طريقه ربما كانت أركز في الذهن وأثبت.
والتجارب تختلف تعقيداً وبساطة، ومنها ما يؤدي شهادة صارخة بكل وضوح أمام الحس ومن غير بذل جهد، وذلك مما تقدمه الحياة في أحداثها الطافحة.
من هذا النوع من التجارب ما قدمه الحراك العربي على مدى السنتين اللأخيرتين وما يزيد من وقائع على الأرض لا ستار عليها، وما أدّت إليه من تداعيات وافرازات ونتائج.
اتحدت لغة هذه الوقائع، وتوحد منطقها في المثال التونسي والمثال الليبي والمصري وكذلك اليمني، حيث ابتدأ الحراك في هذه الأمثلة بسقف متواضعٍ نسبياً من المطالب والاصلاح، وبإسلوب سلمي، فلم يوافي أذناً صاغية من الأنظمة الحاكمة، وإنما قوبل بالتجاهل والاستخفاف والازدراء والتخوين والاساءة إلى الجماهير المحترقة والعقوبة الصارمة والقسوة الطائشة وألوان القتل والملاحقة والتضييق والتعذيب وبالحديد والنار والاعلام الكاذب وبتوظيف الثروة في الاستضعاف والارعاب والتنكيل.
وكان أمل الأنظمة من هذا كله، كسر إرادة الشعوب وأن يسكن اليأس من الاصلاح والتغيير نفوس أبناءها حتى يتم الاستسلام والرضا، ولو عن اضطرار بألوان الظلم وفقد الحرية والكرامة والعيش الخسيس، ووضع الهوان والذلة.
لكن شيئاً من ذلك لم يكن ولم تفلح كل المحاولات المجنونة لتحقيقه، وجاء رد فعل الشعوب تفاقم الحركة، التدفق الهائل على الشوارع في استقبال وسائل الفتك والدمار بصدور عارية وقبضات عالية كل محتواها الاصرار على العزة والكرامة وروح الفداء والتضحية.
وكان من رد الفعل اشتداد غضب الجماهير وترسخ القناعة بضرورة التغيير وتصاعد روح العزيمة والاصرار وارتفاع سقف المطالب، وأن وجدت بعض الفئات في تجارب من تجارب هذا الحراك نفسها مضطرة في قدّرت للدخول في معركة غير متكافئة من العنف في مقابل العنف فأضر الجميع.
وصارت الأنظمة من بعد ذلك تبذلُ فيما تعرضه على الشعوب أزيد ممّا كانت تبخل به قبل، وتمنعه عليها من تحقيق مطالب في سقفٍ أكثر تواضعاً.
وكان أن أتى رفض الشعوب بعدما ذاقت من قسوة الأنظمة وتعنتها وجاء اصرارها على السقوف العالية التي وصلت إلى اسقاط الأنظمة وقد تحقق لها من هذا الكثير.
هذه تجارب حية، ومشاهد قائمة على الأرض، وأكبر من كل وسائل الايضاح، ولا تحتاج إلى تعليم ولا تلقين ولا تفتقر إلى عقلية فلسفية وفكرٍ معتاد على التدقيق.
وهذا كله كما هو مشاهدٌ للشعوب الأخرى، مشاهد للأنظمة والحكومات الأخرى كذلك، فماذا يعمي أنظمة كثيرة عن الاستفادة من كل هذه الدروس وترتيب الأثر على هذه النتائج؟
الحكومات ليست غبية، وهي غنية بالمحللين السياسيين، وذوي الخبرة والاختصاص، وهي أغنى بالمعلومات والأحرص على رصدها، على أن عطاء هذه التجارب لا يحتاج من شيء من ذلك لشدة وضوحه، وتكرره، وتقاربه الزمني، وعدم اختلاف بيئة بقية الأنظمة المجاورة عن بيئتها.
لكن شيئاً واحداً عند الأنظمة والحكومات هو الذي يعطل فهمها، ويفقدها البصيرة، ويوقعها في العمى عن رؤية الحقائق، ذلك هو غرور القوة والحب المجنون في السلطة المطلقة، والاعتزاز بالإثم وروح الاستعلاء من غير حق.
ومن هنا، فإن أكثر الأنظمة لا يعطي قليلاً من حق الغير عنده له إلا عند أقصى درجة من درجات الاضطرار، انظر متى آمن فرعون، واستسلم لأمر الله!! إنما كان ذلك منه حيث عاين العذاب، وعاين أن القدر قد أحاط به من كل جانب وأن لا مخلص له، وذلك ساعة لا ينفع الندم، وقليل من الأنظمة الحاكمة ما يلتفت إلى خطوة الموقف في البدايات ويحاول معالجة الأمر بأقل قدر ممكن من التنازلات أو الترضيات تحت شعار رعاية الشعب والاهتمام به.
لابد للأنظمة أن تكون التجارب المتكررة المتكثرة قد علمتها أن اصلاحاً في وقت يحل المشكلة، ثم لا يجدي شيئاً في وقت آخر، وأن الافراط في استعمال القوة لم يفلح فيما استهدفه في كل التجارب القريبة وأن مطالب الشعوب يرفع سقوفها شدة القسوة وطول الانتظار واليأس من نفع القليل التي تراه السلطات كثيرة. وأنه ليس من العقل والحكمة أن ما عليك أن تعطيه اليوم لا تعطيه إلا بعد مذابح وسفح دماء الشعوب والخسائر الكارثية للأوطان وهو عندئذٍ لا يُرضي.
نداءات التوبة:
نداءات الرحمة الالهية من الكتاب والسنة، من ملائكة الله، ومن كل قلبٍ مؤمنٍ زكي مشفق، وعلى لسان الموت والحياة، وكل آية من آيات الأنفس والآفاق، لا تكفّ لحظة من ليلٍ أو نهار عن مخاطبة عقل الانسان، وقلبه وبصيرته وضميره، ووجدانه، وكل شعورٍ نابه كريم فيه، من أجل أن تعود نفسه الأمارة بالسوء إلى الرشد وتفيء إلى الحق، فيرجع إلى مأمنه بعد الضياع، وإلى مأواه بعد الشرود، ومرفأه بعد الانفلات، ومن الضلال إلى الهدى، ومن طريق الهلكة إلى النجاة، من طريق الشيطان إلى ملأ الله، وإلى حيث يطمئن ويهنئ ويسعد ويسمو ويرقى.
ألا من تائب بعد الذنب؟ مفيق بعد الغفلة؟ نادم بعد الاسراف على النفس؟ مستيقظ بعد طول السبات؟ ملتفتٍ لمكر الشيطان بعد الاغترار؟ متمردٍ على أس