وفقاً لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء _ ابنا _ ألقى «السيد علي فضل الله» خطبتي صلاة الجمعة، على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك بلبنان، بحضور عددٍ من الشخصيات العلمائية والسياسية والاجتماعية، وحشد من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الخطبة الثّانية
عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بتقوى الله، لنحصل على النّعيم المقيم، حيث {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ* يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ* الَّذِينَ آَمَنُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ* ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ}[الزّخرف: 67-70].
ومن التّقوى أن نستوصي بوصيّة أمير المؤمنين(ع) لولده الإمام الحسن(ع): "أحيِ قلبك بالموعظة، وذلِّله بذكر الموت، وبصِّره فجائع الدّنيا، واعرض عليه أخبار الماضين، وذكِّره بما أصاب مَنْ كان قبلك من الأوَّلين، وسر في ديارهم وآثارهم، فانظر فيما فعلوا وعمّا انتقلوا وأين حلّوا ونزلوا، فإنّك تجدهم قد انتقلوا عن الأحبّة وحلّوا ديار الغربة، وكأنّك عن قليل صرت كأحدهم، فأصلح مثواك، ولا تبِع آخرتك بدنياك، وإيّاك إيّاك أن تغترّ مما ترى من إخلاد أهل الدّنيا لها وتكالبهم عليها، فقد نبّأك الله عنها، ونعت لك نفسها، فإنما أهلها كلاب عاوية، وسباع ضارية"...
لبنان: فراغ يهدّد البلد
أيّها الأحبّة، لنكن الواعين الّذين يعتبرون الدّنيا ساحتهم، يؤدّون فيها كلّ مسؤوليّاتهم، حتَّى إذا غادروها ونوديَ بهم، تتلقّاهم الملائكة بالبشارة: السّلام عليكم، طبتم فادخلوها خالدين.
إنّ مسؤوليّتنا لا تقف عند حدود الصّلاة والصّيام، بل إنّها تتّصل بالأرض والعباد، فنحن مسؤولون عن أوطاننا على أيّ حالٍ تركناها، مسؤولون عمّا يجري في بلدنا لبنان، الّذي يواجه مرحلةً من أصعب المراحل في تاريخه الحديث، بعدما دخل في فراغ حكوميّ يُنذر بفراغ أمنيّ، ويُخشى أن ينذر بفراغ نيابي ورئاسيّ، وهو يأتي في ظلّ أزمات تعصف به، حيث التوتّر الأمني المتنقّل من منطقة إلى أخرى، ومسلسل الخطف والخطف المضادّ الّذي بات هاجس اللّبنانيّين، ونخشى من نتائجه على السّلم الأهليّ، ولا سيّما أنّ هذه الأمور قد تأخذ طابعاً مذهبيّاً وسياسيّاً، حتّى عندما تكون بعيدة كلّ البُعد عن القضايا المذهبيّة والسياسيّة، ونحن في الوقت الّذي نحيّي كلّ الأصوات الّتي ارتفعت رافضةً كلّ عمليّات الخطف هذه، والّتي دعت إلى قطع دابر الفتنة، ندعو الجميع إلى التصدّي لكلّ هؤلاء الّذي يعبثون بمصير البلد، سواء التفتوا إلى ذلك أو لم يلتفتوا.
وإلى جانب هذا الوضع، نشهد تفاقماً للمشاكل الاجتماعيّة والاقتصاديّة، وعدم إيجاد الحلول النّاجعة لها، ما بات يشكِّل قلقاً وخوفاً عند كلّ اللّبنانيّين، ويُنذر بعواقب وخيمة على واقع مستقبل هذا البلد الصّغير.
إنّ كلّ هذا الواقع يستدعي استنفاراً من الأطراف الفاعلين في هذا البلد، موالاةً ومعارضة، للتّلاقي ودراسة أفضل السّبل للخروج من كلّ هذه الأزمات وتوقّي تداعياتها، ولا سيَّما أنَّ بعضها أصبح يأخذ أبعاداً خطيرة على علاقة اللّبنانيّين بعضهم ببعض، وعلاقة لبنان مع محيطه.
لحكومةٍ تتحمَّل أعباء المرحلة
ومن هنا، فإنّنا نضمّ صوتنا إلى كلّ الأصوات الّتي تدعو للعودة إلى جلسات الحوار، للتّفاهم على استراتيجيّة وطنيّة عامّة، تضع ضوابط في أداء العمل السياسيّ وأسلوب الخطاب، وتسمح بتسيير العجلة الاقتصاديّة والسياسيّة والأمنيّة، وتضمن عدم الوصول إلى حافة الانحدار.
لقد جرَّبنا طويلاً أن يستفرد فريق أو طائفة أو مذهب، أو حتّى شخص، بهذا البلد، فوصل البلد إلى ما وصل إليه من احتقان وتوتّر، ولم يكن بالإمكان معالجة المشاكل وحلّ الأزمات، فلنجرّب أن نتشارك ونتعاون، لكن لا ليسجِّل كلّ فريق النّقاط على الآخر، أو ليغلق كلّ فريق الطّريق أمام الآخر، أو ليفكّر في حساباته الطائفيَّة أو المذهبيَّة أو السياسية، بعيداً عن المصلحة العامّة، بل أن ينطلق الجميع تحت شعار "لأسلمنّ ما سلمت أمور اللّبنانيّين".
ومن هنا، فإنّنا ندعو إلى الإسراع في إيجاد حكومة فاعلة قادرة على حمل أعباء المرحلة الصّعبة على مستوى قضايا الدّاخل ومواجهة تحدّيات الخارج، حكومة يتمثّل فيها الجميع، شرط أن ينطلقوا بروحيّة جديدة عنوانها حفظ هذا البلد وإنسانه.
إنّنا في هذه المرحلة، حيث تتكرّر تهديدات العدوّ بشنّ حرب جديدة على لبنان، تتزامن مع اعتداءاته المتواصلة على السيادة اللّبنانيّة من خلال الاعتداء على الأجواء اللّبنانيّة، واختراق العدوّ للخطّ الأزرق، وفتح طرقات ورسم مواقع جديدة داخل الأراضي اللّبنانيّة، كما يجري في منطقة الوزّاني وغيرها.
إنَّ الحريص على السّيادة اللّبنانيَّة وقوّة هذا البلد، عليه أن يكون حريصاً على الوحدة الدّاخليّة الّتي تشكّل المنطلق الأساس لمواجهة غطرسة العدوّ الصّهيونيّ، الّذي يصعّد من اعتداءاته كلّما استحكم الخلاف الدّاخليّ، ويستغلّ أيّ انقسام للنّفاذ منه.
ومن هنا، فإننا نقول للّبنانيّين: مزيداً من العمل لتقوية اللُّحمة الدّاخليّة، مزيداً من التراصّ بين عناوين القوّة في هذا البلد؛ الجيش والمقاومة والشَّعب.
سوريا: انعدام فرص الحلّ
ونصل إلى سوريا، حيث يستمرّ نزيف الدَّم والدّمار ومسلسل التّفجيرات الّذي يطاول البشر والحجر، وليس آخرها ما حصل في كليّة الهندسة في دمشق، في ظلّ انعدام فرص الحلول والحوار الجادّ بين الأفرقاء، وحيث لا صوت يعلو فوق صوت المعركة والتسلّح واستقدام المقاتلين من كلّ حدبٍ وصوب.
وكم كنّا نتمنّى من الجامعة العربيّة الّتي اجتمعت أخيراً، أن تكون جسر تواصل بين الفرقاء كافّة، وأن تهيّئ الأجواء لحوار جادّ يُخرج هذا البلد من دائرة الاستنزاف الّذي تعمل الدّول الكبرى على إطالته، وتسعى لإيجاد الحلول بدلاً من مفاقمتها.
إنّنا ندعو الدّول العربيّة إلى عدم الوقوع في الفخّ الّذي يُنصب لها، لجعل قدراتها ومواردها تضيع في الصّراعات الداخليّة، بدلاً من أن تُصرف في تنمية بلدانها ومساعدة بعضها بعضاً، فلا يُرتهن هذا البلد العربي أو ذاك للبنك الدّوليّ أو لأعطيات الدّول الكبرى الّتي لا تعطي إلا بحساب.
إنّنا نريد للجامعة العربيّة أن تكون موقعاً تتلاقى فيه إمكانات العرب وجهودهم وقدراتهم، لمواجهة التحدّيات الخارجيّة، وفي مقدّمها، تحدّي العدوّ الصّهيونيّ والاستكبار العالميّ الَّذي يريد لهذه المنطقة أن تكون بقرةً حلوباً له، إضافةً إلى تحدّيات الدّاخل، حيث يراد للفتنة أن تعصف ببلداننا العربيّة، فلا تقوم لها أيّ قائمة.
لقد كنّا نأمل من الجامعة العربيَّة أن تأخذ موقفاً عمليّاً من الأطماع الصّهيونيَّة ومن الاستيطان وعمليّات التّهويد المستمرّة للقدس وكلّ فلسطين، وأن يكون لها موقف واضح حيال كلّ ما يتّصل بالأسرى الفلسطينيّين الّذين يضربون عن الطّعام، وحيال خطاب الرّئيس الأمريكيّ الّذي أعلن دعمه الكامل لهذا الكيان، من دون أن يراعي مشاعر العرب والمسلمين والشّعب الفلسطيني، فلا يكتفي العرب بتقديم بعض الأموال الّتي منّنوا الشّعب الفلسطينيّ بها، بعيداً عن أيّ استراتيجيّة لتقويته في مواجهة الكيان الّذي يستبيح التّاريخ والحاضر والإنسان، وكم كنّا نتمنى أن تكون المواقف القويّة الصّلبة التي تُتّخذ في مواجهة هذا البلد العربيّ أو ذاك الإسلاميّ، بالقوّة نفسها والعزيمة ذاتها في مواجهة هذا الكيان الصّهيونيّ، أو في مواجهة الّذين يكيدون للعرب والمسلمين.
تركيا: الدّور المطلوب
أمّا تركيا، الّتي قدّم الكيان الصّهيوني الاعتذار إليها، فإنّه قد يمثّل إيجابيّة لتركيا بإصرارها على دفع العدوّ إلى هذه النّتيجة، إلا أنّنا كنّا نريد لتركيا أن لا تقف عند حدود الاعتذار لتعيد تطبيع العلاقات مع الكيان الصّهيونيّ، بل أن تنظر بمسؤوليّة إلى الدّور المطلوب منها إسلاميّاً في رفع المعاناة عن الشّعب الفلسطينيّ، ومواجهة اعتداءات الكيان الصّهيونيّ على المسجد الأقصى وغيره، كما ندعوها إلى أن تكون أولويّاتها ترطيب الأجواء مع محيطها العربيّ والإسلاميّ، لتعيد إنتاج علاقات متوازية مع هذا المحيط الّذي يشكّل عمقها الاستراتيجيّ، وهو ما لا تحقّقه العلاقة مع الاتحاد الأوروبّي ولا مع الكيان الصّهيوني.
حقّ المغتربين اللّبنانيّين
وأخيراً، فإنّنا ندعو الدّولة اللّبنانيّة إلى الاهتمام باللّبنانيّين الَّذين يعيشون في بلاد الاغتراب، والَّذين لهم حقّ علينا جميعاً، حيث يعانون التوتّر الحاصل في أماكن تواجدهم، كما يحصل للقاطنين في أفريقيا الوسطى، أو الّذين يتعرّضون للخطف، وإن كان بعضهم قد أُطلِق، والحمد لله، ولكنّ هناك من لا يزال مخطوفاً في نيجيريا، فلا بدَّ من أن يشعر هؤلاء بالاهتمام من حكومة بلدهم، كونهم قوّة البلد وعزّته، ويساهمون بشكل فاعل في بنائه وإعماره، وحتّى في تثبيت اقتصاده، سائلين المولى عزّ وجلّ أن يحميهم من كلّ الأخطار.
...............
انتهی/212