21 ديسمبر 2012 - 20:30

قال «السيد علي فضل الله» في خطبة صلاة الجمعة ان "سورية لا تزال تعاني من انعدام فرص الحلول الأمنية والسياسية، ما يبقي هذا البلد في دائرة الاستنزاف للبشر والحجر والاقتصاد، وكل مواقع القوة فيه، ونرى أن هذا الاستنزاف ينطلق من سياسة استكبارية تستهدف إضعاف الجميع، ليكون هذا البلد طيّعاً لسياسات الآخرين لا حول له ولا قوة".

وفقاً لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء _ ابنا _ ألقى «سماحة العلامة السيد علي فضل الله»، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) بـ "حارة حريك" في لبنان وبحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين.

وفي ما يلي نص خطبته السياسية:

عباد الله أوصيكم وأوصي نفسي بتقوى الله، هذه التقوى التي بين الله نتائجها عندما قال في كتابه العزيز: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ}(ق:31-35)...

ومن التقوى أن نبادل السيئة بالحسنة.. هذه الصورة التي نراها بأجلى مظاهرها في سيرة الإمام الكاظم(ع)، هذا الإمام الذي مرت علينا ذكرى ولادته في السابع من شهر صفر، حيث تشير سيرته إلى إنه بلغه عن رجل في المدينة حيث كان يسكن، إنه سب أجداده، لكونه لا ينتمي إلى خط أهل البيت(ع)..

شاور الإمام أصحابه في أمر هذا الرجل، فأشاروا إليه بقتله أو جرحه.. وعندما طلب الإمام من أصحابه أن يصحبوه إلى مزرعة هذا الرجل ليدير أمره، ظن أصحاب الإمام أن الإمام اقتنع بقولهم، لكن الإمام خلال الطريق كان يردد قوله: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.. وصل الإمام إلى مزرعة هذا الرجل، فحاول هذا الرجل منع الإمام من الدخول إليها، لكن الإمام أصر على الدخول ولو اقتضى ذلك أن يخرب للرجل بعض زرعه، ولما وصل الإمام مع أصحابه إليه، بادره الإمام بالتحية ثم قال له: "كم خسرت من زرعك؟ وكم تعتقد أنك ستربح لو بعته؟ فقال له الرجل: ثلاثمائة.. وهو بذلك يرفع السعر في شكل غير منطقي، فأعطاه الإمام المبلغ بعد أن راح يلاطفه ويحدثه ويحاوره، فلم يقم الإمام من عند هذا الرجل إلا وهو يقول: "الله أعلم حيث يجعل رسالته".. ثم توجه إلى أصحابه قائلاً: "أيَّما كان خيراً ما أردتم أم ما أردت"..

أيها الأحبة، نحن في حاجة إلى تبني هذا الأسلوب، إلى اعتماده في واقعنا الذي يضج بالخلافات الطائفية والمذهبية والسياسية، ليكون بديلاً من أسلوب رد الفعل، الذي نعتمده غالباً، أسلوب رد الصاع صاعين، لنمنع به كل الموترين والساعين إلى صناعة الفتن من أن يملكوا الحرية في واقعنا، وأن يربكوا واقعنا ويستفيدوا من سرعة انفعالاتنا وعدم الحكمة في التعامل مع اختلافاتنا، أن يشغلونا عن قضايانا الكبيرة التي تنتظرنا وكم خسرنا من القضايا الكبرى عندما سمحنا لانفعالاتنا وعصبياتنا أن تمتلكنا! فلا نخرج من فتنة إلا وندخل في أخرى، وها هي فلسطين، بكل معاناتها القديمة والجديدة، شاهدة على ذلك، ومع الأسف فإن هذه المعاناة، حيث يواصل العدو الصهيوني سياسته الاستيطانية في الضفة الغربية والقدس، بشكل لافت وهستيري، ويمعن في أعمال القتل والاعتقال، إضافةً إلى استمراره في خروقاته للهدنة في قطاع غزة.

إن كل هذا الواقع الميداني لا يمكن أن يواجه إلا بمزيد من العمل في توحيد الساحة الفلسطينية، وتصعيد المقاومة لهذا العدو باللغة الوحيدة التي يفهمها، لغة الحجر والبندقية، وبعدم الرضوخ لكل الضغوط التي يمارسها العدو لتقديم التنازلات.

وعلى الشعوب العربية والإسلامية والحكومات أن تبقى مع هذا الشعب، فلا تتركه يواجه مصيره وحده.

أما في مصر، فإنه رغم أهمية خطوة إجراء الاستفتاء، وأجواء الهدوء التي تلته، والتي نأمل أن تستمر، فلا يزال الانقسام على حاله، بل إنه يتعمق أكثر، ما قد ينعكس سلباً على صورة هذه الثورة ومشروعها التغييري الذي ينتظره كل مواطن أيد هذه الثورة وبذل الغالي والنفيس من أجلها، بينما يعمل العدو الذي يخشى أن تعود مصر قوية حاضرة في الساحة العربية والإسلامية، للاستفادة من كل أجواء التوتر والاضطراب الداخلي في مصر.

إنّنا نعيد التأكيد على الشعب المصري وقياداته ضرورة تجاوز كل الحسابات الخاصة والفئوية والحزبية، وتعزيز لغة الحوار الداخلي حول كل القضايا، للخروج بهذا البلد من أزمته، من أزمة الصراع الداخلي والشارع المضاد، في الوقت الذي يعاني الشعب من أزماته المزمنة على مختلف المستويات.

أما سوريا، فإنها لا تزال تعاني من انعدام فرص الحلول الأمنية والسياسية، ما يبقي هذا البلد في دائرة الاستنزاف للبشر والحجر والاقتصاد، وكل مواقع القوة فيه، ونرى أن هذا الاستنزاف ينطلق من سياسة استكبارية تستهدف إضعاف الجميع، ليكون هذا البلد طيّعاً لسياسات الآخرين لا حول له ولا قوة.

ومن هنا نعيد التأكيد على كل مكوّنات هذا البلد، وعي خطورة تحوله إلى ساحة تجاذب دولي وإقليمي، أو ساحة صراع طائفي ومذهبي، أو مكانٍ لتصفية الحسابات.. وأن يستغلوا أية فرصة لتسوية عادلة تجنب وقوع سوريا كلها في الهاوية.

أما العراق، فلا يزال تحت ضغط التفجيرات الوحشية التي تطاول أهله والزائرين للعتبات المقدسة، كما حصل أخيراً، حيث يراد لهذا البلد أن لا يستقر وأن يبقى عرضة للاهتزازات التي تأخذ طابعاً طائفياً ومذهبياً وآخر قومياً، حتى لا ينهض، ويبقى يعاني من أزماته الداخلية والخارجية.

إنّ الشعب العراقي مدعوٌ لتوحيد صفوفه، لمواجهة كل هؤلاء التدميريين في هذا البلد وكفّ أيديهم عنه.

ويبقى لبنان "أسير" انتظار المواقع السياسية لما يجري حوله، في وقتٍ يضج واقعه بالأزمات الاقتصادية والأمنية والاجتماعية، والمهاجرين الوافدين إليه نتيجة ما يجري في سوريا.. ومع الأسف، فإن ما يجري على أرضه يبدو وكأنه لا يعني المسؤولين فيه. لقد آن الأوان للبنانيين أن يستفيدوا من كل تاريخهم وتجاربهم، وأن يعوا أن العلاج لواقعهم لن يأتيهم من خلال سياسة الاستقواء بهذا المحور الدولي أو الإقليمي أو بالتغيرات في هذا البلد أو ذاك، بل من خلال تعميق وحدتهم الداخلية، والعمل سوياً لحل أزمات البلد ومعاناته.

إن اللبنانيين قادرون على تجاوز كل أزماتهم إن هم جلسوا حول طاولة واحدة وتركوا جانباً كل طموحاتهم الخاصة وحساسياتهم الطائفية والمذهبية، وفكروا بمصلحة إنسان هذا البلد ومستقبله الذي تزداد معاناته يوماً بعد يوم.

لقد كفر اللبنانيون بكل هذا الانقسام الحاد الذي بات يعطل مصالح المواطنين، ويعيق تطوير واقعهم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والإنمائي..

أيُّها المسؤولون، إن من حق اللبنانيين عليكم أن يعيشوا في بلد تعمل فيه المؤسسات، لا بلد كل جهة فيه تملك حرية تعطيل المؤسسات كل ما اقتضت مصالحها.. لذا، بادروا إلى اللقاء والتواصل والجلوس إلى طاولة الحوار في المجلس النيابي، فالوقت ليس وقت تسجيل نقاط وسجالات وتصفية حسابات حيث الأرض تهتز من حولنا..

أيُّها المسؤولون، البلد أمانة في أعناقكم، فاحفظوه قبل أن يفوت الأوان.

................

انتهی/212