26 مارس 2012 - 19:30

ناقش سماحة الشيخ "عبد المحسن النمر" في خطبة الجمعة الأخيرة علاقة الدين بالسعادة الإنسانية باعتبارها من الأمور التي يقع اللبس فيها، فيتصور خطأً أن الدين جاء لمقابلة سعادة بسعادة، وليسلب من الإنسان السعادة والهناء في الدنيا ويمنحه الأنهار والثمار في الآخرة.

ابنا: ناقش سماحة الشيخ "عبد المحسن النمر" في خطبة الجمعة الأخيرة علاقة الدين بالسعادة الإنسانية باعتبارها من الأمور التي يقع اللبس فيها، فيتصور خطأً أن الدين جاء لمقابلة سعادة بسعادة، وليسلب من الإنسان السعادة والهناء في الدنيا ويمنحه الأنهار والثمار في الآخرة.

وافتتح سماحته الخطبة تالياً قوله تعالى ( والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار، جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم، والملائكة يدخلون عليهم من كل باب، سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ).

وأوضح أن الله تعالى المنعم بالكمال في الآخرة هو المنعم بالخيرات في الدنيا، وليس هناك مقابلة بين ما عندنا في الدنيا وما عند الله تعالى في الآخرة فكلا الأمرين من عند الله وبيده، وأضاف أن الله تعالى يريد من خلال الرسالات أن نكون في الدارين في أحسن حال من التنعم بنعمه.

ولفت إلى أن جميع ما في البشرية من بلاء وشقاء هو من صنع البشرية مستشهداً بالآية الكريمة ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت ايديكم ويعفو عن كثير )، والآية (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ) موضحاً أن أي تحريم ومنع من التنعم يحصل على يد الإنسان وبانحرافه عن الحق، " وقد وضح القرآن من خلال قصة آدم (ع) التي تمثل رمز القصة الإنسانية وحركته نحو الله نزولا وصعودا، وهي تشير إلى أنّ أصل خلقة الإنسان هي النعيم والسعادة".

وأضاف " انحرف آدم ولو بدرجة من الدرجات وبنوع من أنواع المعصية التكوينية الطبيعية في الإنسان ولو برغبة باطنية زرعت فيه، إلا أن الله تعالى استكمل تجربة آدم بإنزاله إلى هذا العالم".

وبين سماحته أن رحمة الله اقتضت أن يعيد آدم ويشمله برحمته، ولكن ليس بإعادته إلى الجنة التي كان فيها، بل بإعادته إلى جنة أوسع منها، ولا تقارن بها، بحيث أن آدم لو أخرج من جنة الآخرة إلى الجنة الدنيوية الأولى لبكى أكثر من بكائه حين أنزل للدنيا حين كان يتذكر ما كان فيه من نعيم.

وأكد أن تأمل آيات القرآن والروايات يكشف عن جمالات الآخرة وأنواع نعم الله والسعادة المعدة للإنسان، وعن أن الإنسان هو أقل من أن يدركها ويتصورها لأنه في هذا العالم محدود ومحاط بالنقائص من كل جهاته المكانية والزمانية والعلمية والمعرفية.

وأوضح أن القرآن الكريم تناول نعيم الآخرة في قرابة أربعة وتسعين سورة وفي ما يزيد عن ثلائمائة آية، وما ذلك إلا لعناية الله تعالى وإلفاته إلى الرحمة الإلهية والعطاء الإلهي والفيض العام في مقابل التوبة والإهتداء بهدي الأنبياء.

• ثلاثة عناصر لتكامل النعيم:

وعرض سماحته لثلاثة عناصر تبين كيفية كمال النعيم وبلوغه أعلى مراتبه، ولفت من خلالها لدور الإنسان في تحقيق ذلك النعيم:

1- كمال النعيم يتحقق أولاً بكمال النعمة، وإذا كان المنعم الله تعالى فلنا أن نتخيل كم سيكون جمال النعمة وعظمتها ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، قل هي للذين آمنوا خالصة يوم القيامة ) كل نعم الدنيا خليطة وكل سعادة وأنس يختلط بالنقائص والكدورات، وهذه الكدورات ليست موجودة في لذائذ يوم القيامة، فلا عطش يدعو للذة المشرب، ولا جوع يدعو للذة المأكل، وليس في سائر الملذات كدورة أو منغص.

2- كمال التناغم، لا يكفي أن تكون النعمة كاملة دون يكون الإتصال بها والتفاعل معها كاملاً، وفي الآخرة ليس هناك حدود وموانع والمحدودية في الارتباط والفصل بين النعمة والمنعم عليه وأبواب وقنوات الإتصال بينهما مفتوحة على أشدها، لا ينغصها هم أو خوف ( ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون).

3- كمال النعيم بكمال المنعم عليه، النعمة تحتاج إلى طاقة ورغبة وإدراك من المنعم عليه، والشريعة والدين هي لإعداد الإنسان وتوسيع إدراكاته وإتمام تقبله لكمالات عالم الآخرة ونعيمه، والطريق لتقوية هذه العناصر هو في أمرين: اتباع الشريعة التي هي في حقيقتها توسعة للإمكانات والمعارف والواقعية في تقبل النعيم، والثاني تصفية النفوس وتنقيتها من الشوائب والكدر ووهم انحصار الخيرفي الحياة الدنيا وحب النقائص والدوران مدار المكاسب الدنيوية، وأغلاق النفوس عن الإنفتاح على معرفة الله وحقيقة الكرم الإلهي فلا أمل مع هذه الحال في تذوق نعيم الاخرة على أكمل وجه.

وروى سماحته عن الإمام زين العابدين(ع) " إذا صار أهل الجنة في الجنة ودخل ولي الله إلى جنانه ومساكنه واتكأ كل مؤمن منهم على أريكته وحفته خدامه وتهدلت عليه الثمار وتفجرت حوله العيون وجرت من تحته الأنهار وبسطت له الزرابي وصففت له النمارق وأتته الخدام بما شاءت شهوته من قبل أن يسألهم ذلك..

وخرج عليهم الحور العين من الجنان فيمكثون بذلك ما شاء الله... ثم إن الجبار يشرف عليهم فيقول لهم: أوليائي وأهل طاعتي وسكان جنتي في جواري! ألا هل أنبئكم بخير مما أنتم فيه؟ فيقولون: ربنا و أي شىء خير مما نحن فيه؟ نحن فيما اشتهت أنفسنا ولذت أعيننا من النعم في جوار الكريم.

قال: فيعود عليهم بالقول. فيقولون: ربنا نعم فأتنا بخير مما نحن فيه. فيقول لهم تبارك و تعالى: رضاي عنكم ومحبتي لكم خير وأعظم مما أنتم فيه، قال: فيقولون: نعم يا ربنا رضاك عنا ومحبتك لنا خير لنا وأطيب لأنفسنا.

ثم قرأ (ع):( وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم ).

و أضاف سماحته " ومن المهم أن ندرك أن النعيم صنع أيدينا وثمرة عملنا ( يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً، وما عملت من سوء تودّ لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً) ما سنجده في الآخرة ليس حالة لها شكل حالتنا وثمرة أعمالنا بل هي عين أعمالنا. ( ومن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره)".

وختم سماحته منبهاً عن ملاحظة اجتماعية، إذ تنتشر أفكار تروج للإنفلات الأخلاقي، ومن أكثرها إغراءاً الدعوة إلى اسقلالية الشباب لتكوين شخصيتهم، وهي فكرة صحيحة في أصلها، ولكنها مستغلة من قبل أدعياء الحرية بما يؤدي إلى انفكاك الشاب عن مسؤولياته الإجتماعية، والتزامه الديني، ودعا سماحته إلى أن يكون البحث عن الإستقلال بأسلوب يؤدي إلى قوة الشباب وتمكنهم وليس الضعف الإنفلات والخسارة والفقر وخسارة الدنيا والآخرة.

...............

انتهی/212