ابنا: يا أبناء أمتنا الإسلامية في كل مكانالسلام عليكم جميعاً ورحمة الله أغتنم فرصة شهر ربيع الأول ، واقتراب أسبوع المولد النبوي، والذكرى الأولى لربيع الصحوة الإسلامية، ونهضة إخوتنا العرب رجالاً ونساءً من مصر وتونس وليبيا حتى البحرين واليمن والأردن وبعض البقاع الإسلامية الأخری، لأتقدم باسم الشعب الإيراني وجميع المسلمين في العالم بأحرّ التهاني وأطيب التبريك.
مرّ عام مفعم بالحوادث، فلأول مرّة في تونس ومصر روعيت حرمة رأي الشعب، وأدلت الجماهير بصوتها للتيار الإسلامي. وسيكون الأمر في ليبيا على هذا النحو أيضاً. وهذا التوجه الإسلامي المتصف برفض الصهيونية والدكتاتورية، وبطلب الاستقلال والحرية والتقدم تحت راية القرآن، سيكون المسير الحتمي والإرادة الحاسمة لجميع الشعوب الإسلامية. هذه الموجة التي فتحت صفحة جديدة في تاريخ إيران الإسلام أیضاً قبل ثلاثة عقود في مثل هذه الأيام (الثاني والعشرين من شهر بهمن المصادف للحادي عشر من شباط) وأنزلت أول ضربة بجبهة أمريكا والناتو والصهيونية، وأطاحت بأكبر دكتاتور علماني عميل في المنطقة.. أصبحت في الأيام نفسها وبالطريقة ذاتها وبالمطاليب عينها تعمّ الشرق الأوسط الإسلامي والعربي بأجمعه و الحمد لله.
إنّ إرادة الله سبحانه شاءت لهذه الشعوب أن تستيقظ. فقد حلّ قرن الإسلام وعصر الشعوب، وسيكون له التأثير على مصير كل البشرية. أما كان تدفّق الشباب والمثقفين في واشنطن ولندن ومدريد وروما وأثِنا بإلهام من ميدان التحرير؟!
لقد عمّت نهضة العودة إلى الإسلام واستعادة العزّة والهويّة والانعتاق أكثر مناطق العالم الإسلامي حساسيّة، وفي كل مكان يرتفع شعار «الله أكبر». الشعوب العربية لم تعد تتحمل الحاكم الدكتاتور وسيطرة العملاء والطواغيت. لقد ضاقت ذرعًا بما تعانيه من فقر وتخلّف وتحقير وعمالة. وجرّبت العلمانية في ظل الاشتراكية والليبرالية والقومية، ورأت أنها جميعاً وصلت إلى طريق مسدود. الشعوب العربية طبعاً ترفض أيضاً التطرف والعنف الطائفي والعودة إلى الوراء، والنعرات المذهبية والسطحية الساذجة المغلَّفة بالإسلام.
انتخابات تونس ومصر وشعارات وتوجّهات الشعوب في اليمن والبحرين وسائر البلدان العربية تدلّ بوضوح أنهم يريدون أن يكونوا مسلمين معاصرين دونما إفراط متعجرف أو تفريط متغرّب، وبشعار «الله أكبر» يريدون ضمن مشروع إسلامي وبالتأليف بين المعنوية والعدالة والتعقّل وبأسلوب السيادة الشعبية الدينية، أن يتحرّروا من قرن من التحقير والاستبداد والتخلّف والاستعمار والفساد والفقر والتمييز. وهذا هو الطريق الصحيح.
ما هي خصائص الأنظمة العربية التي تعرضت لغضب شعوبها؟ إنها معارضة التوجه الديني، والخضوع، والاستسلام والعمالة للغرب.. أي أمريكا وبريطانيا ونظائرهما، والتعاون مع الصهاينة وخيانة القضية الفلسطينية، والتسلط الدكتاتوري الأسَري والوراثي، وفقر العباد وتخلّف البلاد، إلى جانب الثروات الطائلة للعوائل الحاكمة، والتمييز وانعدام العدالة، وفقدان الحرية القانونية والمسائلة القانونية، كل هذه من الخصائص المشتركة لتلك الأنظمة.
حتى التظاهر بالإسلام أو الجمهورية في بعض المواضع لم يستطع أن يخدع الجماهير. هذه أوضح العلامات لمعرفة طبيعة نهضة الشعوب العربية، سواء تلك التي حققت انتصارات كبيرة، أو التي ستحقق ذلك بإذن الله تعالى.
كل ادعاء آخر بشأن طبيعة هذه الثورات التي انطلقت بشعار «الله اكبر» إنما هو تجاهلٌ للواقع من أجل أهداف مبطَّنة وبالتالي لدفع هذه الثورات نحو الانحراف.
هذه الأصول ستكون معياراً لمستقبل هذه الثورات وميزانًا لمدى أصالتها أو انحرافها، فإن الأشياء تُعرف بأضدادها، وتعرف الثورات بضدّيتها للأنظمة التي تزلزلت بفعلها. الثوريون يجب أن يواصلوا حذرهم من افتعال الأهداف الموهومة ومن محاولات تغيير الشعارات.
إنّ الغرب يسعى دون شك إلى أن يبدّل الثورات إلى ثورات مضادّة، ويحاول في النهاية أن يرمّم النظم القديمة بأسلوب جديد، ليبُقي سيطرته على العالم العربي لعشرات أخرى من السنين، وذلك بتفريغ مشاعر الجماهير وبالتقديم والتأخير بين الأصول والفروع، وتغيير صنائعه وإجراء إصلاحات شكلية متصنّعة، والتظاهر بالديمقراطية.
إنّ الغرب خلال عقود اليقظة الإسلامية وخاصة في السنوات الأخيرة بعد أن مُني بهزائم متلاحقة من إيران وأفغانستان حتى العراق ولبنان وفلسطين والآن من مصر وتونس وغيرها، سعى بعد فشله في نهج محاربة الإسلام واللجوء إلى العنف العلني، إلى نهج آخر وهو اصطناع البديل الكاذب والنموذج المزيّف، كي يجعل الإرهاب المعادي للإنسانية بدل العمليات الاستشهادية، و یجعل التعصب والتحجّر والعنف بدل التوجه الإسلامي والجهاد، والتعصب القومي والقبلي بدل الشعور بالانتماء الإسلامي والانتماء إلى الأمة الإسلامية، و یجعل التغرّب والتبعية الاقتصادية والثقافية بدل التطور القائم على أساس الاستقلال، والعَلمانية بدل العِلميّة، والمداهنة بدل العقلانية، والفساد والفوضى بدل الحرية، والدكتاتورية باسم حفظ الأمن والنظام، والروح الاستهلاكية والالتصاق بالأهداف الدنيوية التافهة والبذخ باسم التنمية والرقي، والفقر والتخلف باسم الزهد والمعنوية.
إن ما كان عليه العالم من انقسام إلى قطبين متصارعين حول القوة والثروة وهما الرأسمالية والشيوعية قد انتهى، واليوم فإن الاستقطاب بين مستضعفي العالم بقيادة النهضة الإسلامية وبين المستبكرين بقيادة أمريكا والناتو والصهيونية.
لقد برز إلى الساحة معسكران ولا معسكر ثالثاً لهما.
لا أريد في هذه الفرصة القصيرة أن استغرق في استعراض الماضي وفي تثمين يقظة الشعوب العربية. إننا والعالم بأجمعه دون شك نرنو إلى المنطقة، وننظر بعين التقدير لشعوبها الناهضة من الجزيرة العربية وحتى شمال أفريقيا. لكني أريد أن أتحدث عن الحاضر والمستقبل.إنني في العام الماضي ومن هذا المنبر في صلاة الجمعة تحدثت إلى الشعب المصري النبيل حين كان ظلّ اللامبارك حسني يثقل على رؤوسهم، واليوم قد بدأت مرحلة جديدة والدكتاتور يمثل أمام المحكمة، وكلنا يحدونا الأمل بمستقبل نهضة مصر العزيزة وسائر العرب النشامى.
أطرح أولاً هذا السؤال: ماهي الأطراف المختلفة الحاضرة في ساحة الثورات؟إنها طبعاً أولاً: أمريكا والناتو والنظام الصهيوني ومن لفّ لفهم وانخرط معهم في بعض الأنظمة العربية. وثانياً: الجماهير عامة والشباب.وثالثاً: الأحزاب والناشطون السياسيون الإسلاميون وغير الإسلاميين.وما هي مكانة كل واحد من هذه الأطراف وما هي أهدافه؟ الفريق الأول: هم الخاسرون الأصليون في مصر وتونس وفي سائر البلدان الناهضة.إنّ مشروعية وها هي اليوم موجوديّة القطب الرأسمالي والنموذج الليبرالي الديمقراطي الغربي يتعرض في داخل أوربا وأمريكا أيضاً لخطر الاضمحلال.
وأصبحت بلدان هذا المعسكر في وضع يشبه وضع المعسكر الشرقي في الثمانينات من القرن الماضي. فالانهيارات الأخلاقية والاجتماعية، والأزمات الفريدة الاقتصادية، والهزائم العسكرية الكبرى في العراق وأفغانستان ولبنان وغزّة، وسقوط أو تزلزل أكثر النظم الدكتاتورية العميلة التابعة لهم في البلدان المسلمة والعربية، وخاصة فقدانهم مصر، وتعرض الكيان الصهيوني للخطر من الشمال والغرب ومن داخله بشكل لم يسبق له نظير، وانفضاح طبيعة التبعية والذيلية للمنظمات الدولية، والتعامل السياسي والمزدوج مع مسألة الديمقراطية وحقوق الإنسان، ووقوعهم في المواقف المتناقضة والمضطربة والمزدوجة تجاه مسائل ليبيا ومصر والبحرين واليمن. كل ذلك قد عرّض هذه المجموعة الأولى إلى أزمة ثقة عالمية وأزمة عميقة في قدرة اتخاذ القرار.إنّ هدفهم الأكبر اليوم بعد عجزهم عن قمع الشعوب والسيطرة عليها هو السعي للسيطرة على غرفة قيادة الثورات واختراق الأحزاب الفاعلة، وحفظ ما أمكن من هيكل الأنظمة الفاسدة الساقطة والاكتفاء بالإصلاحات السطحية والمسرحية، وإعادة بناء عملائهم في داخل البلدان الثائرة، ثم اللجوء إلى عمليات تطميع وتهديد. وقد يلجأون في المستقبل إلى الاغتيالات أو شراء ذمم بعض الأفراد والجماعات من أجل وقف عجلة الثورات أو دفعها إلى الخلف، وبثّ اليأس في قلوب الجماهير أو إشغالها بصراعات داخلية بإثارة مسائل فرعية، وإضرام نيران العصبيات القومية والقبلية أو الدينية أو الحزبية واختلاق الشعارات المنحرفة لتغيير الثورات، والتأثير المباشر أو غير المباشر على أذهان الثوريين وألسنتهم، ودفعهم إلى ألاعيب سياسية أو إثارة الفُرقة بينهم ثم توسيع نطاق هذه التفرقة لتشمل فئات الناس، والسعي للمساومة خلف الكواليس مع بعض الخواص بالوعود الكاذبة كالمساعدات المالية وغيرها وغيرها من عشرات الحيل الأخرى مما أشرت إلى نماذج منها من قبل في المؤتمر العالمي للصحوة الإسلامية بطهران.
إنّ بعض الأنظمة التابعة والمحافظة العربية أيضاً تقف إلى جانب أمريكا والناتو، ولو من أجل حفظ كراسيها، وتسعى بكل قواها لإيقاف عجلة الزمن ودفع ثورات المنطقة إلى الوراء أو سوقها نحو طريق مجهول، ورأسمالهم الوحيد في هذه المساعي دولارات النفط، وهدفهم الأساس هزيمة الشعوب في مصر وتونس واليمن والبحرين.. وحفظ ثبات الكيان الصهيوني وضمان بقائه وإنزال الضربة بجبهة المقاومة في المنطقة.
أما المجموعة الثانية والأصلية فهي الشعوب. ماذا تريد الشعوب؟ أرقام الإحصائيات الأمريكية المكررة في مصر وأكثر البلدان الإسلامية تكشف عن الواقع وتقول لهم: إن ميزان التوجه نحو المساجد والالتزام بالمظاهر الإسلامية ومنها الحجاب والزيّ الإسلامي للمرأة قد ازداد - خلال السنوات الخمس من ألفين وثلاثة إلى ألفين وثمانية- بنسبة أربعين إلى خمس وسبعين بالمائة بين الشعوب من مصر والأردن حتى تركيا وماليزيا وغيرها من البلدان الإسلامية.
كما ازداد ميزان السخط والنفور من أمريكا بمعدل خمس وثمانين بالمائة في البلدان العربية والإسلامية وقد تضاعف الأمل بالنصر والمستقبل بين الشباب خاصة بعد مشاهدة انتصارات شباب حزب الله وحماس في حربي الثلاثة والثلاثين يوماً والإثنين وعشرين يوماً وبعد اندحار وهزيمة أمريكا دونما مكاسب من العراق.
الشخصيات المحبوبة بين شباب مصر، وفق تلك الإحصائيات، هم المجاهدون المسلمون ضد الكيان الصهيوني.النفرة من الصهيونية، والاهتم