1 يناير 2012 - 20:30

لا أحد منكم يستطيع إنكار أن مصر كلها تحولت في عهد مبارك إلى سجن كبير للمصريين، وأن عدد السجون والمعتقلات في مصر بات أكثر بكثير من عدد الفلل والقصور التي يسكنها السجانون والجلادون، ورنين أصفاد السجون والمعتقلات المزعج ما زال يطن في أذن كل معارض سياسي للنظام البائد، وما زالت آثار التعذيب النفسي والجسدي تؤرق منام كل من كتب له الخروج من تلك السجون عدا الأموات الذين راحوا ضحية التعذيب وواراهم الثرى في مقابر لا يعلم مكانها إلا رب العالمين.

ابنا: قد نتحمل مجبرين ومضطرين ولا حول لنا ولا قوة إلا بالله أن يعتقل أي معارض للنظام الفاسد في سجن وادي النطرون أو سجن طره أو أي من السجون المنتشرة في طول البلاد وعرضها، ونتضرع إلى الله أن يفك أسر كل سجين مظلوم.

ولكن ما لا نستطيع تحمله أن النظم الفاسدة المجرمة بحق آدمية البشر تقوم بتحويل منشآت الدولة إلى معتقلات وسجون سرية، مثلما تحول مبنى ومقر مجلس الشعب المصري إلى سجن سرى ومعتقل خارج القانون، يتم فيه تعذيب المصريين على اختلاف أعمارهم بشهادة الكثيرين منهم.

 مجلس الشعب الذي يعتبر أعلى سلطة تشريعية تمثل كافة فئات الشعب يحوى أسفل مقره سجون سرية يمارس فيها التعذيب وكأنهم لم يكتفوا بعدد السجون المنتشرة في طول البلاد وعرضها، وإنما أرادوا بذلك إهانة المبنى وإهانة الشعب!!

 أي منطق وأي عقل يستوعب أن يتحول مقر الشعب إلى معتقل في أعلاه تسن القوانين وفي أسفله تسن السياط والسكاكين للقتل والتعذيب؟ ومن الذي أمر بهذا الأمر الذي لا ينم إلا عن استهتار وغباء وجهل حين يتحول هذا المبنى إلى باستيل سري؟

 يحدثونك عن هيبة الدولة وهم أول مَن يحط من كرامة وهيبة الدولة في التراب والوحل عندما يكذبون، ويحدثونك عن ضرورة حماية منشآت الدولة لأنها ملكية عامة، ويطالبون المتظاهرين بعدم المساس بها وهم أول من يحرق بعضها ويحول البعض الآخر إلى سجون تعذيب ومقرات لامتهان كرامة الإنسان ومسلخ لهدر الدماء، ثم يدعون قدسية المكان!! أي قدسية تلك التي يتحدثون عنها؟ هل لأي عاقل أن يقدس مكانا تم تعذيبه فيه؟ من الذي اعتدى على قدسية هذا المكان وانتهك حرمته وشوه صورته، الجلاد أم الضحية؟!

 إن صورة الجلاد المنتمي لعناصر الداخلية وأمن الدولة وسياطه انطبعت في ذهن كل مصري على مدى عقود طويلة وممارساتهم الوحشية كانت أهم أسباب قيام الثورة، ولكن بعد أحداث مجلس الوزراء وما تبعها من جرائم ومذابح خرجت علينا للأسف صورة جلادين آخرين من عناصر الشرطة العسكرية تتبع نفس المنهج السادي الذي اتبعته عناصر الداخلية وربما أكثر وحشية.

 والغريب في الأمر أنه في البداية تم التقدم إلى النائب العام ببلاغات مدعمه بصور وفيديوهات عن الضباط المكلفين بممارسة التعذيب في سجون مجلس الشعب إلا أن النائب العام كان رد فعله: أنه لا علاقة له بضباط القوات المسلحة! رغم أن المقبوض عليهم والمحبوسين في أقبية المبنى السرية مدنيون، ولكن مؤخرا اضطر لإرسال لجنة مكونة من مستشارين لفحص مجلس الشعب ومعرفة الأماكن غير الظاهرة التي تحدث عنها المعتقلون "السجون السرية " بعد بلاغ عمرو حمزاوي ونواب مجلس الشعب.

 وإذا كان للمكان حرمة وقدسية وللضباط الأشاوس وجنودهم حصانة، وللداخلية مهابة، وللقانون احترام، ولرجال الدولة كرامة.. فأين حرمة وقدسية وحصانة واحترام وكرامة المواطن المصري؟

 أمريكا عندما أرادت تأديب الإسلاميين المقاومين لها بعد عملية غزو أفغانستان 2001م، قامت باختطاف هؤلاء المقاومين واعتقالهم، ونظرا لأنها كانت تعرف جيدا أن محاكمة هؤلاء المعادين لغزوها إن تمت في أمريكا وفقا للقانون الأمريكي، فسيتم افتضاح سياسة أمريكا وحلفائها وربما يتم معاقبة الإدارة الأمريكية بتهمة الخطف القسري والتعذيب، ففضلت احتجاز هؤلاء الأسرى والمختطفين في إحدى قواعدها العسكرية "غوانتانامو" الذي لا يخضع لأي قانون يعطي الأسرى الحق في محاكمة عادلة، كذلك قوات الشرطة العسكرية قامت باختطاف المئات من الشباب والفتيات على اختلاف أعمارهم واعتقالهم في أقبية مجلس الشعب وغرف سرية لا نعلم عنها شيئا ومارست التعذيب بعيدا عن يد العدالة والقانون، إلى أن خرج كثير من الشباب والفتيات الذين عذبوا يفضحون جلاديهم أمام الرأي العام المصري والعالمي.

 حديث المشير طنطاوي عن أن: كرامة المواطن المصري فوق كل اعتبار!! أصبح حديثا مستهلكا ومخالفا لما يحدث من جرائم ضد المواطن المصري وكرامته التي لم ولن يمحوها الزمن من أذهان كل مصري.. وليته يتكلم بصدق لا عن كرامة المواطن المصري بل يحدثنا عن كيفية امتهان جنوده لكرامة المصري وأساليب تأديبه وعقابه لأنه ثار على القهر والظلم.

...........

انتهی/182